معلومات عامة

دخلك بتعرف متلازمة اللكنة الأجنبية: تلك الحالة المرضية الغريبة التي تغير الطريقة التي تتحدث بها من لكنة إلى أخرى

كان العيش في النرويج في فترة الاحتلال الألماني لها في الحرب العالمية الثانية صعبا للغاية بالنسبة لجميع سكان البلد، لكنه كان أصعب بشكل خاص وأمرّ بالنسبة لـ(أستريد) ذات الثلاثين ربيعا، فعندما كانت تقصد متجرا أو محلا ما لاقتناء بعض الأغراض كان الناس يرفضون تلبية طلباتها أو خدمتها بمجرد ما إن يسمعوا لكنتها الألمانية البارزة، وكان شعور المقت والكره تجاه كل ما هو ألماني، خاصة الجواسيس وعملاء (الغيستابو)، آنذاك قويا جدا، لدرجة أن (أستريد) كانت تتلقى الكثير من التهديدات التي طالت حياتها.

لكن المشكلة الأكبر حيال الأمر هو أن (أستريد) لم تكن ألمانية.

في الحقيقة، لم تغادر (أستريد) النرويج أبدا خلال فترة حياتها كلها، بل وكان لها أسباب عدة لتكره ألمانيا كرها جما، فقد تعرضت لإصابة بليغة على مستوى الدماغ خلال غارة جوية نفذها النازيون على بلدتها، وبعد تعافيها من إصابتها تلك تطورت لديها بشكل غامض لكنة ألمانية قوية.

بعد عقود لاحقة وفي قصة مشابهة في النصف الآخر من الكرة الأرضية، كان رجل في ولاية (تكساس) الأمريكية يعاني من نفس المشكلة، ما عدا أنه لم يكن يتعرض للإزعاج من طرف جيرانه، وقد كان ابنه قلقا جدا عليه لأنه بدأ بشكل مفاجئ يتحدث بلكنة بريطانية غريبة على الرغم من كونه لم يسافر إلى بريطانيا من قبل.

اصطحب الابن أباه إلى المستشفى ليتم إجراء الفحوصات الضروية عليه، غير أن الأطباء لم يعثروا لديه على أية مشكلة صحية تستدعي القلق، بل أنهم وجدوا أن قدراته العقلية ومهارات القراءة والكتابة والكلام كانت أكثر من ممتازة، ولم يكن يشكو من شيء عدا لكنته الغريبة، وبعد دقائق من إجراء الفحوصات عليه أصيب الرجل بنوبة إغماء خفيفة وعند استفاقته بدا أنه عاد إلى حالته الطبيعية، واستعاد لكنته الجنوبية المعتادة.

تعرف هذه الظاهرة باسم ”متلازمة اللكنة الأجنبية“، ويحددها الطب الحديث بصفة رسمية على أنها اضطراب كلامي يحدث عادة بعد إصابة وضرر معين على مستوى الدماغ.

تم توثيق حوالي 60 حالة لمتلازمة اللكنة الأجنبية حول العالم، وكان المرضى يتحدثون بلكنات أجنبية عنهم غالبا ما تكون سائدة في أماكن لم يزوروها قط في حياتهم، وكانت أقدم هذه الحالات المسجلة تتعلق برجل فرنسي تطورت لديه لكنة (ألزاسية) –من منطقة (الألزاس) المتاخمة للحدود الألمانية– في أوائل سنة 1907.

كانت معظم الحالات الموثقة قد وقعت بعد تعرض المصاب لحادثة على مستوى الرأس، بينما قد يتسبب مجرد صداع في الرأس في التسبب في بعض هذه الحالات أحيانا، مثل حالة (ساره كولويل) المرأة الإنجليزية التي أصبحت تتحدث بلكنة صينية بعد إصابتها بنوبة صداع نصفي حادة.

بينما قد يجد الكثيرون أن متلازمة اللكنة الأجنبية غريبة جدا، غير أنه من السهل فهم ماهيتها وسبب حدوثها، فهي في الواقع عبارة عن ”إعاقة“ كلامية تغير لهجة وطريقة كلام المصاب بها، حيث تتغير لديه طريقة مدّ ووقف الوحدات الكلامية والأصوات مع بقاء كفاءات النحو والفهم لديه كاملة وممتازة، وتبدو للمتلقي هذه التغيرات في الفواصل الزمنية والأصوات والوحدات الصوتية وكأنها إيقاع لا يكون إلا في لكنة أجنبية.

بالنظر إلى عدد الحالات الموثقة، لم تكن هناك أية حالة استعادت لكنتها الطبيعية السابقة بعد إصابتها بمتلازمة اللكنة الأجنبية عدا ذلك الرجل من ولاية (تكساس) الذي سبق وذكرناه، وحالة مريض آخر استعاد لكنته الطبيعية بعد أن أصيب بنوبة ثانية بعد ثلاث سنوات كاملة من إصابته بهذه المتلازمة لأول مرة.

كما أنه لم يُعثر حتى الآن على سبب محدد ثابت يتسبب في حدوثها في كل مرة.

فيديو: هذه السيدة من ولاية تكساس تطورت لديها لكنة بريطانية بعد خضوعها لعملية جراحية

للعلم، لا تعيق متلازمة اللكنة الأجنبية المصابين بها من التواصل بشكل جيد وفعال مع محيطهم، غير أنها تؤثر عليهم كثيرا بشكل سلبي، فاللغة مكون أساسي من مكونات الهوية، وبما أنها تكاد لا تقارن من ناحية الخطورة مع نوبة قلبية على سبيل المثال، غير أن متلازمة اللكنة الأجنبية قد تؤثر بشكل سلبي وكبير على كل من يصاب بها.

لنأخذ على سبيل المثال هذه المرأة الأسترالية -في شريط الفيديو أسفله- التي تطورت لديها لكنة فرنسية بعد حادث مرور تعرضت له عندما كانت تستقل الحافلة، حيث أصبح الأمر يزعجها كثيرا أنها أصبحت تبدو فرنسية مع أنها أسترالية أصلية، وصارت تشعر وكأنها فقدت هويتها وشخصيتها الحقيقية.

لم يتم حتى الآن تطوير علاج فعال ومستدام لهذه المتلازمة، غير أن المصابين بها يخضعون في غالب الأوقات لعلاجات تحسين قدرات الخطاب والكلام لمحاولة استعادة لكناتهم الطبيعية.

وفي بعض الحالات الأكثر تطرفا، يقال أن المصابين لا يمكنهم حتى معرفة وإدراك أن لكناتهم قد تغيرت، حيث لم يكن بإمكانهم سماع تلك الفروقات الصوتية في كلامهم.

المصادر

عدد القراءات: 787