in

لماذا تعتبر مدارس فنلندا إحدى أنجح المدارس في العالم؟

في ضاحية إسبو Espoo الواقعة غرب العاصمة هلسنكي، بدأت نهاية الفصل الدراسي في مدرسة كيركويارفي الشاملة، حينها قرر المدرس المخضرم ومدير المدرسة (كاري لوهيفوري) تجربة شيء جديد وغريب –وفقاً للمعايير الفنلندية طبعاً. كان لدى (لوهيفوري) طالبٌ في الصف السادس تعود أصوله إلى كوسوفو وألبانيا، لم يكن الطالب مندمجاً مع الصف، ورفض كل محاولات أستاذه للمساعدة. قام فريق من المربين الاختصاصيين –من بينهم عامل في مجال الخدمة الاجتماعية وممرض وطبيب نفسي– بإقناع (لوهيفوري) أن الطالب ليس كسولاً. لذا قرر (لوهيفوري) إبقاء الطالب في سنته الدراسية وعدم ترفيعه إلى سنة أخرى، وهو أمر نادر الحدوث في فنلندا لدرجة أن هذا الإجراء أصبح مهملاً في بقية المدارس.

تحسنت فنلندا من الناحية الدراسية في عدة نواحٍ، كالقراءة والرياضيات والعلوم، خلال العقد الماضي. يعود الفضل إلى المدرسين الذين منحوا صلاحية اتخاذ أي إجراء يرونه مناسباً لتعليم الطلاب. فمثلاً، حصل الطالب (بيسارت كباشي) على تدريس أشبه بذلك الذي يتلقاه أولاد الملوك.

قال (ليهوفوري): ”جعلت كباشي في تلك السنة طالبي الخاص“. هذا ما تحدثه مدير المدرسة، في مكتبه الحاوي على ملصقٍ لألبوم Yellow Submarine لفرقة «البيتلز» الموسيقية، وغيتار كهربائي في خزانته. عندما لم يكن (كباشي) مشغولاً بحصص العلوم والجغرافيا والرياضيات، كان يعرّج على مكتب المدير (لوهيفوري)، ويقرأ كتباً من شتى الأصناف، واحداً تلو الآخر في البداية، ثم بدأ بالتهام تلك الكتب والانشغال بها. وهكذا، بحلول نهاية السنة، استطاع اللاجئ الهارب من كوسوفو التي مزقتها الحرب تعلّم اللغة الفنلندية المليئة بالأحرف الصوتية بشكل جيد جداً، بل أدرك الطالب في نهاية المطاف أن بإمكانه «التعلّم»، وأن الأمر ليس صعباً كما كان في البداية.

بعد سنوات، حضر (كباشي)، الذي أصبح في عامه العشرين، حفلة عيد ميلاد في مدرسة كيركويارفي، جالباً معه زجاجة كونياك والابتسامة تعلو وجهه، فقال لأستاذه السابق ”لقد ساعدتني“. يبدو أن (كباشي) افتتح شركة لتصليح السياري وشركة تنظيف. لكن لا يبدو (ليهوفوري) مندهشاً مما وصل إليه (كباشي)، حيث قال: ”ليس أمراً جللاً، هذا ما نفعله نحن كل يوم، نجهز الأطفال للمستقبل“.

صورة من داخل مدرسة كيركويارفي الشاملة.

تلك قصة طفل واحد فقط تدل بوضوح على سجل الدول الشمالية الحافل بالنجاحات في مجال التدريس، لدرجة أن النظام التعليمي فيها أصبح ظاهرة تثير الإعجاب، حتى من طرف الأوروبيين والأمريكيين أنفسهم. أصبحت المدارس الفنلندية ونظامها التعليمي موضوعاً ساخناً، خاصة بعد إطلاق وثائقي من عام 2010 بعنوان «بانتظار سوبرمان Waiting for Superman»، حيث تبيّن للأمريكيين أن نظام التعليم في فنلندا يختلف 180 درجة عن نظامهم المتعثر في المدارس الحكومية.

مهما تطلب الأمر، تلك العبارة السابقة هي الحافز الذي يدفع أساتذة كيركويارفي، البالغ عددهم 30 أستاذاً، كل يوم إلى تقديم أفضل ما لديهم للطلاب، والأمر لا يتوقف عند تلك المدرسة، بل جميع مدارس البلاد –وعددها 3500– وجميع المدرسين –عددهم 62 ألف– من لابلاند إلى توركو.

يجري اختيار الأساتذة بشكل احترافي، حيث يجري اختيار أفضل 10 بالمئة من خريجي البلاد للحصول على درجة ماستر في التعليم. معظم مدارس فنلندا صغيرة، لذا بإمكان المدرس معرفة جميع الطلاب ودراسة أدائهم ومشاكلهم.

إذا فشلت إحدى طرق المدرس، فعليه التشاور مع زملائه الآخرين لإيجاد حلّ جديد. يبدو أن أساتذة فنلندا يعشقون التحديات. بالإضافة لذلك، يتلقى 30 بالمئة من أطفال فنلندا نوعاً من المساعدة الخاصة خلال السنوات التسع الأولى من حياتهم الدراسية. وعلى عكس ما يشاع عن فنلندا وتجانسها الإثني، نود أن نخبركم أن نصف طلابها الذين يدرسون المرحلة الابتدائية، والبالغ عددهم 150، هم مهاجرون من جنسيات مختلفة، من الصومال والعراق وروسيا وبنغلاديش وإستونيا وإثيوبيا، بالإضافة إلى جنسيات أخرى بالطبع. يقول (ليهوفوري) بخصوص هذا الموضوع: ”بإمكان الطلاب ذوي العائلات الغنية تلقي العلم لدى أساتذة أغبياء. نحن نحاول العثور على الطلاب الضعفاء والكسالى، إن ذلك أمر متجذر في عقليتنا“.

كيف نشأ نظام التدريس الفنلندي؟

طلاب في إحدى مدارس مدينة توركو أثناء وصول دب قطبي إلى المدرسة أدى دوره طالب من أكاديمية الفنون. صورة: Antti Hartikainen/Turku University of Applied Sciences

بدأ التحول في نظام التعليم الفنلندي منذ نحو 40 عام، فكان تطوير النظام التعليمي إحدى الأمور المهمة التي ترافقت مع خطة الإصلاح الاقتصادي للبلاد. لم يكن لدى المعلمين والمعلمات أدنى فكرة عن نجاح نظام بلدهم حتى العام 2000، عندما كشف البرنامج الدولي لتقييم الطلبة –وهو اختبار موحد يُعطي للطلاب البالغين 15 عاماً في أكثر من 40 دولة– أن الشباب الفنلندي هم أفضل قراء الكتب في العالم. بعد 3 أعوام، تصدر طلاب فنلندا مجال الرياضيات، وبحلول العام 2006، كانت فنلندا الأولى من بين 57 دولة (وبعض المدن) في مجال العلوم. في عام 2009، جاءت فنلندا في المرتبة الثانية من ناحية العلوم والثالثة من ناحية القراءة والسادسة من ناحية الرياضيات، حيث تنافس طلاب فنلندا مع نصف مليون طالب عالمي. تقول (أرياريتا هيكينن): «لا زلت متفاجئة من النتيجة، لم أعلم أننا جيدون لهذه الدرجة!».

في الولايات المتحدة، حاول المسؤولون الحكوميون طرح التنافس في سوق العمل ضمن المداري العامة. ففي الأعوام الأخيرة، استثمرت مجموعة من الخبراء الماليين ودعاة حب الإنسان –مثل (بيل غيتس)– بأموالهم في أفكار القطاع الخاص، كالمناهج الموجهة وفق البيانات والمدارس الدستورية –مدارس تتلقى تمويلاً حكومياً لكنها تعمل بشكل منفصل عن نظام المدارس العامة، فهي إذاً ليست مقيدة بالقواعد والقوانين التي تفرضها الدولة، لكنها عرضة للمحاسبة عن النتائج السلبية التي قد تسببها. تضاعف عدد المدارس الأخيرة في العقد الماضي.

يبدو أيضاً أن الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما) اهتم بهذا الموضوع. فأطلق برنامجاً بعنوان «السباق نحو القمة» لدفع الولايات والمدارس إلى التنافس على الأموال عن طريق الاختبارات والأساليب والطرق الأخرى لقياس أداء المعلميين. لكن في فنلندا، يبدو هذا الأمر غير محبباً، حيث علّق (تيمو هيكينن)، مدرس عمل لـ 24 سنة: «لن يُعجب الأساتذة بذلك أبداً. إذا ركزت على قياس ومعرفة الإحصائيات، فأنت تهمل الجانب الإنساني لمهنة التدريس».

الاهتمام بالطالب قبل أي شي

لا تتخلوا عن أي طفل، ذلك هو الشعار الذي يتبعه الأساتذة والآنسات في فنلندا.

لا يوجد في فنلندا اختبارات أو فحوصات إجبارية معيارية للطلاب، باستثناء اختبار واحد في نهاية السنة الأخيرة للطالب في المدارس الثانوية. لا توجد في فنلندا ترتيب أو تصنيف لدرجات الطلاب –أي درجات المتفوق والجيد جداً والمتوسط والضعيف وغيرها… ولا يوجد مقارنة أو منافسة بين الطلاب أو المدارس أو حتى الأقاليم والمناطق.

الأهم من ذلك أن مدارس فنلندا ممولة من الدولة، أما الموظفون في الهيئات الحكومية التي تدير تلك المدارس فهم معلمون أيضاً، ولا يجب أبداً أن يكونوا من أصحاب المال أو المستثمرين أو القادة العسكريين أو الزعماء السياسيين.

نتيجة كل ما سبق هي حصول الطفل الفنلندي على فرصة جيدة في تلقي جودة التعليم ذاتها التي يتلقاها كل الفنلنديين مهما كان وضعه الاجتماعي أو المعيشي، وسواء كان يعيش في قرية ريفية أو في المدينة. فوق ذلك، الفروقات بين الطالب الممتاز والطالب السيء في فنلندا هي الأصغر عالمياً، وذلك وفقاً لاستطلاع أجرته منظمة التنمية الاقتصادية والتنسيق المشترك. يقول (أولي لوكاينين)، رئيس اتحاد المعلمين في فنلندا: «المساواة هي الكلمة الأكثر أهمية في القاموس الفنلندي. تتفق جميع الأحزاب السياسية اليسارية واليمينية على ذلك».

تبلغ نسبة خريجي الثانويات الأكاديمية والمهنية 93 بالمئة، وهي أعلى بمعدل 17.5 بالمئة من نسبة خريجي الطلاب في الولايات المتحدة مثلاً، أما من ناحية التعليم الجامعي، فيزيد الفارق بين الدولتين بمقدار 66 بالمئة، بينما يُعتبر معدل خريجي الجامعات في فنلندا الأعلى بين دول الاتحاد الأوروبي، فوق ذلك، تنفق فنلندا مبالغاً أقل بنسبة 30% على الطلاب مقارنة بالولايات المتحدة.

لكن في المقابل، ووفقاً للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة، لا يبدو أن الطلاب الفنلنديين هم الأفضل. السبب في ذلك هو سياسة التعليم المنتهجة في فنلندا. حيث يقول (باسي سالبرغ)، مدرس رياضيات وفيزياء سابق وكاتب ومؤلف: ”نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، لا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات، لذا لسنا مهتمين جداً بالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة. فهو لا يأخذ بالحسبان ما نفعله لتهيئة الطلاب“.

يمضي الأساتذة في فنلندا ساعات أقل في الصفوف مقارنة بالأساتذة في الولايات المتحدة، لكنهم يبقون في المدرسة لوقت أطول للمساعدة في أنشطة أخرى. يستغل الأساتذة الفنلنديون الوقت الإضافي لإنشاء ووضع المقررات ومساعدة تلاميذهم. هكذا، يستطيع الطلاب قضاء وقت أطول للعب خارج الصف، حتى في فصل الشتاء، كما يعطي الأساتذة طلابهم واجبات منزلية بالحدود الدنيا. بالمناسبة، لا تبدأ الدراسة الإلزامية في فنلندا حتى يبلغ الطفل سن الـ 7، على عكس العديد من دول العالم الأخرى، حيث يقول (لوهيفوري): ”لسنا مستعجلين، فالأطفال يتعلمون بشكل أفصل عندما يصبحون مهيئين لذلك، فلماذا نثير قلقهم وتوترهم منذ سن مبكرة“.

لا يقتصر الأمر في فنلندا على طلاب المدرسة، فالحكومة تمنح 3 أعوام إجازة أمومة (أو ولادة) للوالدين، كما أن دور الحضانة مخصصة للأطفال البالغين 5 سنوات، ولا يتلقون أبداً التعليم المدرسي هناك، بل يمضي الأطفال وقتهم باللعب والاختلاط الاجتماعي مع الآخرين. بالإضافة لذلك، تدفع الدولة للآباء والأمهات نحو 150 يورو بالشهر لكل طفل في العائلة حتى يبلغ أو تبلغ الـ 17 من العمر. هناك 97 بالمئة من الأطفال البالغ أعمارهم 6 سنوات في المدارس العامة، وتقدم تلك المدارس الطعام والرعاية الصحية المجانية والاستشارة وخدمة التوصيل «التاكسي».

تقول المعلمة (مايا رينتولا) أن طلابها امتلكوا مستويات متفاوتة جداً من ناحية القراءة واللغة عندما بدأ الفصل المدرسي في شهر أغسطس، لكن بحلول شهر أبريل، كان جميع الأطفال تقريبًا قادرين على القراءة، وكان أغلبهم قادراً على الكتابة. بالإضافة لتدريس صفها، استعانت المدرسة بـ (رينتولا) لتدريس 5 أطفال يعانون من مشاكل سلوكية وتعليمية مختلفة ومتنوعة.

هناك استثناءات بالطبع، ولو أنها نادرة، فهناك طالبة في الصف الأول تبلغ من العمر سبع سنوات، وصلت إلى البلاد من تايلاند ولا تستطيع تحدث أي كلمة بالفنلندية. كانت الفتاة تدرس الرياضيات في «صف تحضيري» يعطيه مدرس متمرس في التعليم متعدد الثقافات. يهدف هذا النظام التعليمي إلى الاهتمام بمهارات الطالب الأساسية والمواد التي يفضلها تزامناً مع تعليمه اللغة الجديدة. بالمناسبة، التعامل مع الطلاب الأجانب ليس أمراً جديداً في فنلندا وليس صعباً على أولئك الأساتذة، فهم يعلمون الكثير من الأطفال المهاجرين. حتى مدينة إسبو تساعدهم، فهي تدفع 82 ألف يورو في السنة لتساهم في دفع أعباء أمورٍ مثل الأساتذة المختصين أو المرشدين وصفوف ذوي الاحتياجات الخاصة البالغ عددها 6.

ستدرّس (رينتولا) الطلاب ذاتهم في العام القادم، وربما على مدار الأعوام الخمس القادمة، بناءً على احتياجات المدرسة. تقول (رينتولا) التي اختارتها المدرسة من أكثر من 20 سنة: ”إنه نظام تعليمي جيد، يمكنني من إنشاء روابط قوية مع الأطفال، أستطيع فهم شخصيات أولئك الأطفال“. يدرس طلاب الصف الأول اللغة الفنلندية والرياضيات والعلوم، بالإضافة إلى الموسيقى والفن والرياضية والديانة والصناعات اليدوية النسيجية. يبدأ تدريس اللغة الإنجليزية في الصف الثالث، بينما يبدأ في السويد في الصف الرابع. عندما يصل الطلاب إلى الصف الخامس، يدرسون مواداً جديدة مثل علم الأحياء والجغرافيا والتاريخ والفيزياء والكيمياء.

يستطيع الطلاب في الصف السادس خوض امتحان محلي، طبعاً بعد موافقة أستاذ الصف على المشاركة. يوافق الكثير من الأساتذة بدافع الفضول، ولا تُنشر نتائج الاختبار أبداً. إن ولع المدارس الأخرى حول أنحاء العالم بالاختبارات والامتحانات أمرٌ غير مفهوم بالنسبة للفنلنديين، تحديداً تركيز الولايات المتحدة الشديد على الاختبارات المعيارية. يقول (لوهيفوري): ”نحن نفهم طلابنا ونعرفهم جيداً، لا تستطيع الامتحانات أن تقدم لنا تلك المعرفة“.

لا يتوقف الأمر على أماكن أو مدارس معينة في فنلندا، فلنأخذ مثلاً حيّ Siilitie في العاصمة الفنلندية هلسنكي، وهو حي يُشتهر بسكانه الذين ينتمون إلى أصحاب الدخل المنخفض. تقع مدرسة الحي البالغ عمر بنائها 50 سنة قرب محطة وقود، ونصف طلابها –البالغ عددهم 200– من الصف التاسع يعانون من عوائق تعليمية. لكن المدرسة لم تضع هؤلاء الطلاب لوحدهم، بل جمعتهم مع باقي الطلاب وفقاً لسياسات التعليم الفنلندية.

هناك أستاذ يُدعى (ألكسي غوستافسون)، وهو مدرس حاصل على شهادة ماستر من جامعة هلسنكي. طوّر هذا الأستاذ تمريناً مسلياً لطلاب الصف الأول –خلال ورشة عمل بإمكان باقي المعلمين حضورها بشكل مجاني– فطلب من طلابه حمل مجموعة من البطاقات دوّن عليها الأستاذ طلبات صغيرة، مثل «اعثر على عصى بحجم قدمك» أو «اجمع 50 حجرة وجوزة بلوط ووزعها في مجموعات مؤلفة من 10»، وجعل الطلاب يعملون ضمن مجموعات، وهكذا، أسرع الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 8 سنوات ليعملوا على تنفيذ الطلبات الموكلة إليهم. يقول (غوستافسون): ”أجريت بحثاً حول فعالية هذه الطريقة وأثرها على الأطفال، إنها طريقة ممتعة لدفع الأولاد إلى العمل والمرح خارج المدرسة، بالإضافة لحصولهم على المعرفة“.

تدرّس (نانا غيرميروث)، وهي شقيقة (غوستافسون)، صفاً يحوي عدداً كبيراً من الأطفال ذوي العوائق التعليمية، بينما لا يعاني طلاب (غوستافسون) من أي مشاكل في التعليم أو السلوك. حاول الأخ وشقيقته توحيد صفيهما لخلط الأفكار والقدرات التي تمتع بها الطلاب، ما يصغّر الفجوة التعليمية بين طلاب الصفين.

تحصل هذه المدرسة على 47 ألف يورو سنوياً لتوظيف الأساتذة المساعدين والمعلمين الخاصين، حيث يُدفع لهؤلاء مرتب شهري أعلى قليلاً من مرتب أساتذة الصفوف لأن أولئك درسوا سنة إضافية في الجامعة، وبسبب متطلبات عملهم الأكبر والأصعب. في مدرسة Siilitie، هناك مدرس واحد خاص (أو مساعد) لكل 7 طلاب.

في صف آخر، ابتكر مدرسان خاصان طريقة مختلفة من التدريس الجماعي. عانت المدرسة (كايزا سوما)، التي تملك 5 أعوام من خبرة التدريس، من عدم انضباط مجموعة من طلاب الصف الأول. لاحظت (سوما) أن صف المدرّسة (بايفي كانغاسفيري) المجاور هادئ جداً على عكس صفها، ما أثار فضولها حول سرّ المدرّسة (كانغاسفيري) –التي عملت لـ 25 عاماً في مجال التدريس.

لدى المعلمتين طيف واسع من الطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة، لذا طلبت (سوما) من (كانغاسفيري) دمج صفيهما سوية أملاً بتحسن سلوك طلابها. وبالفعل، حصل ذلك! فخلال عام، كان المدرسان يدمجان صفيهما لـ 16 ساعة في الأسبوع. تقول (كانغاسفيري) أنها والمعلمة (سوما) تكملان بعضهما، فهي المعلمة الصارمة والهادئة، بينما تميل (سوما) لسلك اتجاه «أمومي» في تعليم طلابها.

تقول مديرة المدرسة (أرياريتا هيكينن) أن المدينة تحاول إغلاق المدرسة لأن المنطقة الواقعة فيها لا تحوي الكثير من الأطفال، بل أن عددهم يتناقص تدريجياً، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جميع طلاب المدرسة الذين تخرجوا من الصف التاسع سيكملون دراستهم في ثانويات أخرى.

كيف تحولت مدارس فنلندا؟

يُعتبر النظام التعليمي الفنلندي من الأفضل أوروبياً. صورة: AFP/OLIVIER MORIN

لم يكن النظام التعليمي في فنلندا ممتازاً إلى هذه الدرجة، بل حتى ستينيات القرن الماضي، كان الفنلنديون يعانون من النفوذ الشيوعي. بينما كان معظم الأطفال يغادرون المدارس العامة بعد ست سنوات من الدراسة، بالطبع، كانت الطبقة الرفيعة قادرة على تعليم أطفالها، لكن الحصول على تعليمٍ جيد لم يكن بمقدور كل الشعب الفنلندي.

بدأت ملامح التغيّر تطرأ عندما شرعت فنلندا في صياغة ماضيها الدامي والمتفكك لتصنع مستقبلاً موحداً. لمئات السنوات، عانى الفنلنديون من الحروب التي نشأت بين خصميهما الرئيسيين تاريخياً، الملكية السويدية إلى الغرب والقيصرية الروسية إلى الشرق. لكن مع ذلك، حافظ الفنلنديون على تراثهم ولغتهم الفريدة التي تميزهم عن سكان الدول الشمالية. في عام 1809، تنازلت السويد عن فنلندا لصالح روسيا، التي استمرت بحكم المنطقة لنحو 600 عام، تحت اسم «دوقية فنلندا الكبرى» التابعة للإمبراطورية الروسية، كانت شبه دولة تربطها علاقات دستورية مع الإمبراطورية الروسية. وبالمناسبة، الروس هم من نقلوا العاصمة من توركو، القريبة من ستوكهولم، إلى هلسنكي الأقرب إلى سان بطرسبرغ.

عقب سقوط الإمبراطورية الروسية وتولي البلاشفة زمام الأمور في روسيا، أعلنت فنلندا استقلالها، فانخرطت البلاد في حرب أهلية، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فوجد الفنلنديون أنفسهم يحاربون السوفيات والألمان النازيين، ما أوقع البلد في انقسام شديد وخلق أزمة ديون لحساب روسيا. لكن على الرغم من ذلك، قال المدير العام في وزارة التربية والثقافة (باسي سالبرغ): ”استطعنا الحفاظ على حريتنا“.

في عام 1963، قرر البرلمان الفنلندي اختيار قطاع التعليم العام باعتباره أفضل فرصة للإصلاح والتعافي الاقتصادي. يقول (سالبرغ): ”الفكرة بسيطة، وهي حصول كل طفل على فرصة تعليم في مدرسة عامة جيدة. إذا أردنا التنافس مع الآخرين، فعلينا تعليم الجميع. جاءت الفكرة من حاجتنا إلى البقاء“.

اقترح المشرعون خطة بسيطة وذكية، وهي التي أسست هذه السمعة الرفيعة للتعليم في فنلندا. جرى تنظيم المدارس العامة ضمن نظام واحد من المدارس المكثفة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام إلى 16 عاماً. أما الأساتذة، فجاؤوا من مختلف أصقاع البلاد ليسهموا في إعداد المقرر الوطني الذي يوفر إرشادات بسيطة للمعلمين، ولا يحوي طريقة تدريس معينة. أما من ناحية اللغات، فبالإضافة إلى الفنلندية والسويدية (ثاني أكبر لغة محكية في البلاد)، كان على الطلاب تعلم لغة ثالثة (غالباً ما تكون الإنجليزية) بدءاً من سنّ الـ 9. وُزعت موارد التعليم على المدارس بشكل متساوٍ، ومع تحسّن أداء المدارس المكثفة، تحسنت أيضاً المدارس الثانوية للطلاب من صف العاشر وحتى الثاني عشر.

جاء قرارٌ مهم جداً في عام 1979، حينها طالب الإصلاحيون المدرسين بالحصول على درجة ماستر أثناء دراستهم لـ 5 سنوات ضمن إحدى جامعات البلاد الثمانية –تكلفة الدراسة على نفقة الدولة. ومنذ تلك الفترة، كسب المعلمون في فنلندا مكانة رفيعة، مماثلة للحقوقي أو الطبيب. بالإضافة للمرتب المرتفع الذي تقدمه الدولة للمدرسين، وبسبب استقلال طريقة التدريس والاحترام الذي يحظى به المعلم، تدفق الكثير من الفنلنديين للمشاركة في هذه العملية التعليمية الناجحة بشدة. في عام 2010، تقدم 6600 شخص لـ 660 شاغر وظيفي، وفقاً لـ (سالبرغ).

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أُلغي المنهاج التدريسي تقريباً وحل محله إرشادات عريضة وغير مقيّدة للمعلمين من أجل القيام بالعملية التدريسية. كما وُضع الطلاب المجتهدون والكسالى في نفس الصفوف، التي تحوي عدداً كبيراً من المدرسين الاختصاصيين أيضاً، حرصاً على تحقيق المساواة بين جميع الطلاب. يقول (ليهيفوري): ”إن الدافع وراء النجاح ينبع من داخلنا لأننا نحب العمل“.

على أرض الواقع، لم تحقق فنلندا تلك النجاحات الهائلة وفقاً للمقاييس العالمية إلّا خلال العقدين الأخيرين. ولا يزال النظام التعليمي يواجه بعض العقبات، فالهجرة ومشاريع الإسكان لأصحاب الدخل المنخفض أضافت عبئاً على المدارس. يحذر تقرير أجرته «أكاديمية فنلندا» من أن بعض مدارس المدن الكبيرة في البلد أصبحت مستقطبة على أساس العرق والرتبة الاجتماعية، فالفنلنديون البيض الميسورون مادياً يختارون مدارساً تحوي عدداً أقل من الطلاب المهاجرين الأفقر.

قبل عدة أعوام، بدأ المدير (تيمو هيكنن) يلاحظ أن الآباء الفنلنديين ميسوري الحال يقلقون من الأعداد المتزايدة للأطفال الصوماليين في مدرسة كالاتي، فشرع الآباء والأمهات يرسلون أطفالهم إلى المدارس الأرخى القريبة. رداً على ذلك، صمم (هيكنن) وباقي المعلمين دروساً في العلوم البيئية استغلوا فيها قرب المدرسة من إحدى الغابات، وزودوا المدرسة بمختبر علم أحياء مزود بتقنية العرض ثلاثي الأبعاد، ما يسمح للطلاب –الكبار طبعاً وليس الأطفال– برؤية تدفق الدم في جسد الإنسان. يقول (هيكنن): ”لا نزال نبحث عن طرق جديدة لتحسين مدرستنا“.