شخصيات

دخلك بتعرف جلال ذياب: مارتن لوثر كينغ البصرة

الراحل جلال ذياب، المُلقب بمارتن لوثر كينگ البصرة، مؤسس حركة العراقيين الحرة.
الراحل جلال ذياب - صورة: AFP/GettyImages

في عام 1965، وفي ”الزبير“ غرب مدينة البصرة، ولدت شعلة عراقية سوداء، ولمع بصيص أمل للسود العراقيين، فالمولود سيصبح لاحقاً قائداً عراقياً أسودا، وسيحاول إخراج بني جلدته من ذوي البشرة السوداء من دائرة الإنعزال.

إنه ”جلال ذياب“، له من الإخوة الذكور 2 ومن الأخوات 3، متزوج وله 3 بنات وولد، وهو مؤسس ”حركة العراقيين الحرّة“، تلك الحركة التي برزت لتنتشل السود العراقيين من الشتات السياسي بين قوى اليسار وبين أحزاب الإسلام السياسي، فقد مثلت هذه الحركة كل ما يطمحون لأجله، من أجل مستقبل مدني علماني عراقي، رافض للتمييز العرقي، وهو ما افتقدوه في الحركات والتجمعات السياسية السابقة، دعا جلال ذياب من خلال هذه الحركة الى:

  1. الإعتراف بوجود المكون الأسود العراقي (الأفرو-عراقي) في الدستور العراقي.
  2. الإعتذار الرسمي عن التاريخ الطويل من التمييز والعنصرية ضد هذا المكون.
  3. تشريع قانون لتجريم كلمة ”عبد“ التي تطلق على السود العراقيين، والمعاقبة القانونية للتمييز ضدهم.
  4. تضمينهم في المناهج الدراسية، ودمجهم في المجتمع العراقي رسمياً.
مواطن عراقي أسود

مواطن عراقي أسود

تبلورت فكرة تأسيس الحركة بين عامي 2005 و2007، ولم يتوقف الأمر بعد تأسيسها على المطالبات فحسب، بل تعدى الأمر إلى اتخاذ مواقف جريئة، لعل أبرزها هو ترشيح السود العراقيين في الإنتخابات، من أجل عضوية مجالس المحافظات التي يقطنوها، ورغبتهم بمقاعد ”كوتا“ في البرلمان العراقي، أسوةً بالمكونات العراقية الأصلية والصغيرة، وقد كان منهم من ترشح في انتخابات مجالس المحافظات سنة 2009، لكنهم لم يحصلوا على أي مقعد، وبحسب وثيقة مسربة عن موقع ويكيليكس الإلكتروني، ذكر ”رامون نغرون“؛ مدير القنصلية الأمريكية في البصرة، في وثيقة رسمية أنه كان من السهولة أن يفوز واحد منهم على أقل تقدير، ولكنهم يعانون التمييز في ظل النظام السياسي الحاكم.

جلال ذياب، الذي تخرج من مدرسة تجارية ثم حصل على دبلوم برمجة كومبيوتر لاحقاً، كان يحمل عقلية مثقفة منفتحة، أشعلت روح الشعور بالمواطنة بين السود العراقيين (الأفرو-عراقيين) فطور نشاطه ليشمل الجانب الإجتماعي والتنموي، فنتج عن ذلك إنطلاق ”منظمة أنصار الحرية الإنسانية“، التي بدأت بإعطاء الورشات لتعليم مهن جديدة لإنتشال أولادهم من الظروف التي عاش فيها آباؤهم، وأطلقت المنظمة دورات تعليمية في مجالات مهنية عدة مثل: الخياطة والكومبيوتر والحلاقة والمكياج، فضلاً عن إقامة صندوق مالي لتزويج الشباب الأسود، ومساعدة فقرائهم، كما أسست المنظمة مدرسة لمحو الأمية بين السود، عملت من سنة 2010 حتى سنة 2013، وأسهم ”البهائيون البصراويون“ في التدريس فيها، وإعطاء دروس تحث على الفضائل الأخلاقية، هذه الفعالية جسدت صورة تكافلية إنسانية رائعة بين أكثر مكونين عانوا الاضطهاد في البصرة.

علق جلال ذياب صورتي ”مارتن لوثر كينغ“ و”باراك أوباما“ على حائط مدرسته لتعليم فقراء السود، وكانت الصورتان تشيران إلى صحوة هوية غير متوقعة في مناطق الأقلية السوداء في البصرة، حيث أراد جلال ذياب أن يقف ضد ثقافة متأصلة في المجتمع، ثقافة ”لا تجلب العبد إلا والعصا معه“، وحلّ بشخصيته المميزة مرجعاً إجتماعياً مهماً عند مجتمعه، يحل خلافاتهم ويساعدهم في الأمور الحياتية، هذه المكانة التي بدأ يحتلها أثارت سخط البعض من وجهاء القوم، وبعض المليشيات المنفلتة.

وهكذا أمست أيام جلال ذياب معدودة، فقد تجاوز الخط الأحمر، وذلك بترشيح نفسه وعدد من السود في انتخابات مجالس المحافظات سنة 2013، ففي يوم الجمعة المصادف 2013/04/26، وفي ”الزبير“ نفسها، وبينما كان جلال ذياب يهم بالخروج من مقر منظمته (منظمة أنصار الحرية الإنسانية)، يرافقه أحد الشباب السود الناشطين فيها، حدث أمرٌ جلل، أعاد السود العراقيين إلى سباتهم مرة ثانية، فعندما كان يقود سيارته وبجانبه ناشط شبابي أسود يعمل معه في المنظمة، متجهين إلى حارس المنظمة الجالس في مقهى قريب لتسليمه مفاتيحها، توجه نحو سيارته مسلحون مجهولو الهوية وأطلقوا وابلاً من الرصاص عليهم، جُرح على إثره الشاب واستشهد جلال ذياب فوراً، وفر المسلحون بسرعة.

الشهيد جلال ذياب واقفاً في نفس المكان الذي خاطب فيه مارتن لوثر كينگ الامريكي أنصار حركة الحقوق المدنية.

الشهيد جلال ذياب واقفاً في نفس المكان الذي خاطب فيه مارتن لوثر كينگ الامريكي أنصار حركة الحقوق المدنية.

وكما اغتيل ”مارتن لوثر كينغ“ الأمريكي بسبب نشاطه؛ هكذا اغتيل ”جلال ذياب“، فـ”مارتن لوثر كينغ“ الأمريكي قُتل في ساعة المغيب من يوم 4 نيسان في سنة 1968 برصاصة أصابت حنجرته ووضعت نهاية لحياته، أما جلال فقد اخترقت جسده أربعة رصاصات من مسافة قريبة، أصابت رقبته وبطنه والكلى، وكان جلال في نفس اليوم يناقش في مقر منظمته أوضاع الغجر العراقيين (الكاوليه)، وكيفية توسيع نشاط منظمته ليشملهم، وهذا يشبه ما فكر به ”مارتن لوثر كينغ“ الأمريكي الذي كان يستعد للمشاركة في احتجاج عمالي، والفرق بينهما هو أن قاتل ”مارتن لوثر كينغ“ الأمريكي أُلقي عليه القبض، بينما ما زال قتلة ”مارتن لوثر كينغ البصرة“ أحرارا طلقاء، وتم تسجيل القضية ضد مجهول.

 رسمة للشهيد جلال ذياب، المُلقب بمارتن لوثر كينگ البصرة، بقلم روئيل صومو.

رسمة للشهيد جلال ذياب، المُلقب بمارتن لوثر كينگ البصرة، بقلم روئيل صومو.