قصص من الواقع

دخلك بتعرف (دره آدم خيل)، القرية التي يمتهن سكانها صناعة الأسلحة غير القانونية

رجل يصنع الأسلحة في قرية (دره آدم خيل) في باكستان

(دره آدم خيل) هي قرية صغيرة في مقاطعة (خيبر باكتونكوا) في باكستان، تقع بين مدينتي (بيشاوار) و(كوهات)، وهي قرية غير منظمة في بنائها تتكون من منازل ذوات طابقين مبنية باستخدام الخشب والطين فوق الهضاب الصخرية والرملية، ويتمحور اقتصاد هذه القرية الصغيرة بشكل رئيسي حول صناعة الأسلحة غير الشرعية وتجارتها.

تصطف على الشارع الوحيد الذي يقطع القرية إلى نصفين أعداد كبيرة من محلات صناعة المسدسات والرشاشات الأوتوماتيكية، والبنادق، ورشاشات الكلاشنيكوف الشهيرة.

الشارع الرئيسي في قرية (دره آدم خيل) الصغيرة في مقاطعة (خيبر باكتونكوا) في باكستان

الشارع الرئيسي في قرية (دره آدم خيل) الصغيرة في مقاطعة (خيبر باكتونكوا) في باكستان – صورة: AFP

تصنع كل هذه الأسلحة على أيدي سكان هذه القرية من خردوات معدنية يتحصلون عليها من متاجر الخردوات ونفاياتها، وذلك باستعمال أدوات يدوية بسيطة وآلة ثقب صغيرة، وتتم عمليات الصناعة والتركيب هذه داخل المئات من الغرف الصغيرة التي لا يتعدى حجمها حجم خزانة منزلية صغيرة، تتموقع على الجانبين الخلفيين للشارع الآنف ذكره.

ينخرط في صناعة وتجارة هذه الأسلحة غير الشرعية ما يقارب الخمسة وسبعين بالمائة من سكان القرية، الذين تناقلوا مهارات صناعتها أبا عن جد عبر أجيال مضت.

تجد الكثير من هذه الأسلحة، التي تباع بأسعار رخيصة جدا بالمقارنة مع سعر الأصلية منها، طريقها إلى أفغانستان وأماكن أخرى مجاورة، يشاع كذلك أن عددا كبيرا من الأسلحة التي تستعملها حركة طالبان ومقاتليها يمكن تتبع مصدرها وصولا إلى صانعي الأسلحة في قرية (دره آدم خيل).

يمتلك صانعوا الأسلحة غير الشرعية في قرية (دره آدم خيل) مهارات تخولهم من صناعة نسخ مطابقة لأي سلاح موجود في السوق تقريبا، بدءا بالأسلحة اليدوية الصغيرة بحجم المسدسات وصولا إلى الرشاشات المضادة للطائرات.

محل لبيع الأسلحة المقلدة المصنوعة محليا في قرية (دره آدم خيل).

محل لبيع الأسلحة المقلدة المصنوعة محليا في قرية (دره آدم خيل).

صرح أحد تجار الأسلحة في المنطقة لقناة الـ(بي بي سي) BBC قائلا: ”لا يوجد أي شيء لا يمكننا تقليده“، وأضاف: ”أحضروا لنا صواريخ (ستينجر) Stinger وسنصنع لكم عنها نسخا مقلدة سيستعصي عليكم تفريقها من الأصلية“.

وهذا الأمر قد يكون صحيحا فعلا، حيث يقال أنه لو تم إعطاء رشاش لصانع أسلحة في قرية (دره آدم خيل) لم يسبق له رؤيته من قبل، فيسيتمكن من صناعة نسخة مقلدة عنه متقنة للغاية في غضون عشرة أيام على الأكثر، وبمجرد تمكنه من صناعة نسخة الأولى عن السلاح، تتقلص مدة صناعة نسخ أخرى إلى ثلاثة أيام على الأكثر.

الأدوات التي تستخدم في صناعة هذه الأسلحة هي أدوات بدائية على الغالب، لكنها تخول هؤلاء الصانعين من صناعة نسخ مقلدة دقيقة للغاية عن أسلحة متنوعة من: المسدسات والقنابل اليدوية إلى الرشاشات الأوتوماتيكية والأسلحة المضادة للطائرات.

يتم تقليد النسخ الأصلية من الأسلحة بدقة وتفصيل متناهيين لدرجة ينسخ فيها حتى أرقامها التسلسلية، لكن ما إذا كان أداء هذه الأسلحة بنفس جودة أداء الأصلية منها، يبقى هذا موضوعا آخرا تماما.

يقول في هذا الشأن (فريد شاه)، وهو صانع أسلحة محلي مختص في تقليد رشاشات الكلاشنيكوف والبنادق من عيار 12 ملمتر: ”لا يمكن لبندقية مصنوعة يدويا من فولاذ عادي أن تجاري في أدائها بندقية صنعت في مصانع مجهزة بشكل ممتاز بواسطة فولاذ مخصص لصناعة الأسلحة داخل آلات تعمل بالحواسيب“، وأضاف بأن أسلحته كانت أكبر حجما من الأصلية، وبما أن معايير الصناعة لم تكن متوفرة في تلك الورشات، فلم يكن متاحا تغيير أجزائها إن تعرضت للتلف، ومنه فإن أصاب البندقية خطب ما، يتم رميها كلها، فلا مجال لتصليحها.

إحدى الورشات التي يتم فيها صناعة الأسلحة المقلدة غير القانونية.

إحدى الورشات التي يتم فيها صناعة الأسلحة المقلدة غير القانونية – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

إحدى الورشات التي يتم فيها صناعة الأسلحة المقلدة غير القانونية.

تتم عمليات الصناعة والتركيب داخل المئات من الغرف الصغيرة – صورة: AFP

لا أحد يعلم التاريخ الدقيق الذي بدأت فيه صناعة الأسلحة المقلدة في قرية (دره آدم خيل)، لكن السكان المحليين يقولون بأنه تم جلب هذه الحرفة إلى القرية من طرف أحد المنشقين عن الجيش البريطاني، وهو الأمر الذي قد يكون حدث أثناء التمرد والانتفاضة التي حصلت سنة 1857، حيث سٌرّ رجال القبائل المحلية كثيرا لتمكنهم من إتقان مهارات صانع الأسلحة البريطاني هذا، وفي وقت وجيز لم يتعدى بضعة سنوات أصبحت قرية (دره آدم خيل) مركز صناعة الأسلحة غير الشرعية في المنطقة.

أما بالنسبة للسنوات الذهبية التي ازدهرت فيها هذه الصناعة، فلم تبدأ إلا حوالي سنة 1979، وذلك بعد أن اجتاحت القوات الروسية أفغانستان، ومنه ارتفع الطلب على الأسلحة بتقرير الأفغانيين حمل السلاح ومقاتلة الغزاة الروسيين، ولم تكن هناك سوى مصادر قليلة حيث كان بإمكانهم الحصول على هذه الأسلحة لدعم قتالهم، من هذه المصادر قرية (دره آدم خيل).

قبل خمسة عشر عاما، كانت قرية (دره آدم خيل) تزخر بصناعة أنواع مختلفة من الأسلحة منها الألغام المضادة للأفراد، والرشاشات، والمدافع الصغيرة، وحتى قاذفات الصواريخ.

وما يثير الدهشة هو أن التكنولوجيا التي خولتهم من صناعة هذه الأسلحة تم منحها إياهم من طرف الحكومة نفسها، ففي شهر أبريل من سنة 1988، إثر انفجار مستودع حكومي كبير للذخيرة في (راوالبيندي)، عمدت الحكومة إلى بيع تلك الذخيرة التالفة التي خلفها الانفجار كخردة لتجار الأسلحة في قرية (دره)، وفي وقت قياسي جدا، امتلك صانعوا الأسلحة فيها التكنولوجيا لصناعة كل من الألغام، والمدافع الرشاشة، والمدافع الصغيرة، وحتى قاذفات الصواريخ متعددة الفوهات.

وفي وقت لاحق عندما اكتشفت الحكومة بأن الجماعات الإرهابية تستعمل الأسلحة التي يتم صناعتها في (دره أدم خيل) ضد القوات النظامية الحكومية، عمدت إلى قمع سكان القرية جاعلة من صناعة الأسلحة الثقيلة أمرا غير شرعي.

خريطة موقع قرية (دره آدم خيل).

خريطة موقع قرية (دره آدم خيل).

يوجد ما يقارب الـ2500 صانع أسلحة متمرس في قرية (دره أدم خيل) اليوم، الذين يشعر معظمهم بأن السمعة السيئة التي ترسمها عنهم الصحافة ليست عادلة، حيث يدعون أن الأسلحة التي يصنعونها نادرا ما تجد طريقها بين أيدي الجماعات الإرهابية، مضيفين بأن صانعي الأسلحة هؤلاء لا يلبون سوى احتياجات السوق المحلية لا أكثر.

مجموعة من الشباب المحليين يحملون أسلحة مصنوعة محليا كذلك

مجموعة من الشباب المحليين يحملون أسلحة مصنوعة محليا كذلك.

إحدى ورشات صناعة الأسلحة غير القانونية المقلدة في قرية (دره آدم خيل)

إحدى ورشات صناعة الأسلحة غير القانونية المقلدة في قرية (دره آدم خيل).

إحدى الأدوات التقليدية التي تدخل في صناعة الأسحلة في (دره آدم خيل)

إحدى الأدوات التقليدية التي تدخل في صناعة الأسحلة.

ورشة صناعة الأسلحة المقلدة في قرية (داره آدم خيل)

ورشة صناعة الأسلحة المقلدة في قرية (داره آدم خيل).

محل أنيق لبيع الأسلحة المقلدة محلية الصنع

محل أنيق لبيع الأسلحة المقلدة محلية الصنع.

أحد تجار الأسلحة يجرب بندقية محلية الصنع

أحد تجار الأسلحة يجرب بندقية محلية الصنع  – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

إحدى ورشات صناعة الأسلحة المقلدة غير القانونية في قرية (دره آدم خيل)

يظهر أحد الحرفيين وهو يبحث عن البرغي الملائم في ورشات صناعة الأسلحة قرية (دره آدم خيل) – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

طفل يصنع الأسلحة في قرية (دره آدم خيل)

للأسف، يشارك في هذه الصناعة المحلية حتى الأطفال الصغار، حيث تعد عمالة الأطفال مشكلة خطيرة في المنطقة، فهذا الفتى يقوم بشحذ المعدن كل يوم بدلا من الذهاب إلى المدرسة  – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

ورشة صناعة الأسلحة المقلدة في قرية (دره آدم خيل)

يتم تكرار جميع أنواع الأسلحة في قرية (دره آدم خيل) الباكستانية، التي تقع في منطقة الحدود الأفغانية  – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

ورشات صناعة الأسلحة غير القانونية المقلدة في قرية (دره آدم خيل)

أدوات تقليدية، ومسدسات مقلدة، هكذا يكسب 75 بالمائة من سكان قرية (دره آدم خيل) قوتهم اليومي – صورة: Sebastian Lasse/Google Plus

قلم ورصاصة في يد رجل

منتوجات تذكارية أخرى محلية الصنع – صورة: موقع onechai

الأسلحة المقلدة المصنوعة محليا في قرية (دره آدم خيل).

حرفي صناعة الأسلحة هذا يقوم يملأ ذخيرة مسدسات صغيرة الحجم – صورة: AFP

الأسلحة المقلدة المصنوعة محليا في قرية (دره آدم خيل).

حرفي صناعة الأسلحة هذا يستعمل خراطة صغيرة من أجل صناعته – صورة: AFP

صناعة الأسلحة المقلدة.

شخص يصنع أسلحة مقلدة في قرية (دره آدم خيل).

طفل يقوم بتصليح وصيانة إحدى الأدوات التقليدية التي تستخدم لصناعة الأسلحة في قرية (دره آدم خيل).

طفل يقوم بتصليح وصيانة إحدى الأدوات التقليدية التي تستخدم لصناعة الأسلحة في قرية (دره آدم خيل).

المصادر

عدد القراءات: 33٬726