in

دخلك بتعرف (سينثيا)، أشهر دمية عرض في التاريخ

يعرف الجميع قصة (بيغماليون) من الميثولوجيا الإغريقية، فقد كان هذا الرجل نحاتا وقع في حب تمثال من صنعه، وهو عبارة عن تمثال من العاج نحته (بيغماليون) على شكل امرأة جميلة. ظل (بيغماليون) يتمنى لو أن هذا التمثال المرأة يتحول إلى امرأة حقيقية بطريقة ما حتى يتمكن من الزواج بها والعيش معها.

تحققت أمانيه في إحدى المرات عندما بعثت الآلهة الروح في تمثاله، فعاش الاثنان سعيدين بقية عمرهما.

حدث شيء من هذا القبيل لرجل يدعى (ليستر غابا)، وهو نحات أمريكي يعمل على النحت على الصابون، والذي طلب منه أحد المحلات التجارية تصميم دمية عرض من أجل وضعها في واجهة المحل لجذب اهتمام الزبائن.

بعد أن أنهى (ليستر) العمل على دمية العرض هذه التي صنعها، أُعجب بجمالها، لذا قرر صناعة دمية أخرى على شاكلتها، لكن هذه المرة لينفرد بها وحده.

بعد فترة وجيزة، بدأ (ليستر غابا) يصطحب الدمية (سينثيا) معه إلى حفلات العشاء والاحتفالات والأحداث الاجتماعية التي كانت تتم دعوته إليها، كما لو كانت خليلته.

استقطبت (سينثيا) الاهتمام حيثما ذهبت، ولفترة وجيزة من حقبة الثلاثينيات الماضية، أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات المشهورة والمطلوبة في هوليوود.

ترعرع (ليستر غابا) في بلدة صغيرة تدعى (هانيبال) في ولاية (ميسوري) الأمريكية، لكنه كانت لديه أحلام كبيرة بالعيش في المدن الكبرى. تمكن من تحقيق أحلامه هذه بفضل موهبته في النحت على الصابون ومهارته الكبيرة، وهو الأمر الذي جعله يتنقل للعيش في شيكاغو ثم لاحقا في نيويورك سنة 1932، حيث اقتحم عالم الموضة والتجارة وأصبح رائدا في تصميم واجهات المحلات التجارية.

في تلك الأيام، كانت دمى العرض غير واقعية بعض الشيء وكانت تصنع من الشمع الذي غالبا ما يذوب داخل واجهات المحلات عندما تسطع عليه أشعة الشمس في النهار. أراد (غابا) من دمى العرض التي يصنعها أن تكون واقعية للغاية وأن تنحت على أشكال النساء الحقيقيات.

كتب (غابا) في منشور تجاري ترويجي يدعو فيه لإحداث ثورة في تصميم دمى العرض: ”ضع (جوان كروفورد) [شخصية مشهورة آنذاك] في واجهة محل تجاري، وسترى أن حتى الرجال المتزوجين سيذهبون للتسوق هناك“.

الدمية (سينثيا) مع صانعها (ليستر غابا).
الدمية (سينثيا) مع صانعها (ليستر غابا). صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection

كانت إحدى النساء العارضات التي تموضعت أمام (غابا) لينحت على شكلها نموذجا لدمى العرض خاصته امرأة تدعى (سينثيا ويلز). لا نعلم الكثير عن (سينثيا ويلز) عدى أنها كانت ”نحيلة ورشيقة“، وكانت تتمتع بـ”ببشرة بيضاء فاتحة، وشعر أشقر، وكان لها خط فك بارز، وأنف صغير وجميل“، وتابعت في وصفها (آلانا ستايتي)، وهي القيّمة على المتحف الوطني للتاريخ الأمريكي: ”كانت لديها لمسة تنم عن انتمائها لرفعة سكان مدينة نيويورك، فكانت متغطرسة ومتواضعة في آن واحد“.

الدمية (سينثيا) مع صانعها (ليستر غابا).
صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection

وقع (غابا) في حب (سينثيا) الدمية وليس الحقيقية، لدرجة أنه قام بصنع دمية أخرى لنفسه خصيصاً، وراح يصطحبها معه أينما ذهب.

سرعان ما أصبحت هذه الدمية التي يبلغ طولها 165 سنتمترا ووزنها 50 كيلوغراما رمزا من رموز الحياة الليلية في مجتمع مدينة نيويورك، وبدأت صورها تظهر على أكبر المجلات إلى جانب صور نجوم هوليوود، كما ذهبت مجلة (لايف) إلى أبعد من ذلك عندما خصصت لها 14 صفحة من أحد إصداراتها تعرض فيها مستقبلها المهني وشهرتها كما لو كانت شخصًا حقيقيًا.

نيويورك 1937. صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection
الدمية (سينثيا) مع صانعها (ليستر غابا).
الدمية (سينثيا) مع صانعها (ليستر غابا). صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection

بينما أخذت شهرة (سينثيا) في النمو والتوسع، استغلت دور الموضة في البلد الموقف للترويج لمنتجاتها، وأخذت ترسل لها أثوابًا مجانية، وأحذية، وفراءً وحتى مجوهرات لترتديها في خرجاتها مع (ليستر غاب) صانعها.

لقد كان الأمر أقرب إلى الخيال، ومما لا يثير الدهشة أن الكثيرين لم يتمكنوا من استيعابه. بعد سنوات لاحقاً، اعترف (غابا) بنفسه في حوار له مع صحيفة (ذا نيويورك تايمز) قائلا: ”لم يكن لـ(سينثيا) أي معنى في الحقيقة“.

الدمية (سينثيا)
الدمية (سينثيا). صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection

قبل أن يستعيد (غابا) رشده في نهاية المطاف، اندلعت نار الحرب العالمية الثانية ورحل مع بقية مواطنيه لقتال أعداء دولته، لكنه قبل أن يهم بالرحيل، أرسل بـ(سينثيا) للإقامة مع والدته في (ميسوري)، هناك ترك تعليمات صارمة بضرورة تدليلها والعناية بها كما لو كانت نجمة حقيقية، وهو الأمر الذي كانت تندرج تحته جلسات تجميل أسبوعية عند أفضل الصالونات في المدينة.

في إحدى المرات، عندما كانت الدمية (سينثيا) في جلسة تجميل في أحد الصالونات، انزلقت من المقعد وتحطمت إلى أجزاء متناثرة.

الدمية (سينثيا) أثناء أعمال الصيانة
الدمية (سينثيا) أثناء أعمال الصيانة. صورة: Alfred Eisenstaedt/The LIFE Picture Collection

عاد (غابا) وقرر صناعة دمية (سينثيا) أخرى، لكن هذه النسخة المحدّثة عنها كانت قادرة على التلفظ ببعض الكلمات وكان فكها يتحرك بالتزامن مع خروج الأصوات.

حاول (غابا) إعادتها لأضواء الشهرة من خلال إعداد برنامج تلفزيوني خاص بها، لكن السحر كان قد اندثر وفقد الناس الاهتمام بهذه الدمى.

يبقى مكان تواجد (سينثيا) الآن مجهولاً، مع كون بعض المصادر تفيد بأن (غابا) تركها في علية منزل أحد أصدقائه، وهي ربما مازالت قابعة هناك تجمع الغبار.