قصص من الواقع

5 حالات خربت فيها الشركات جهودها نتيجة عدم فهمها للثقافات الأخرى

5 حالات خربت فيها الشركات جهودها نتيجة عدم فهمها للثقافات الأخرى

طوال الشطر الأكبر من التاريخ البشري؛ كانت الشركات هي مجرد أشياء محلية للغاية مكونة من مصنع صغير يبيع منتجاته على نطاق ضيق وضمن نفس البلدة حتى، ومع الوقت نمى هذا المفهوم ليتضمن شركات تمارس أعمالها في بلد بأكمله، وبالطبع كانت الخطوة التالية هي العالمية والشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في كل مكان يخطر بالبال، وتنشر منتجاتها أو مصانعها في أي مكان تستطيع الوصول إليه، ومع كون فكرة الشركات ذات الانتشار العالمي لا يزال جديداً نسبياً، فهناك العديد من الشركات التي تعتاد على بيئتها الأصلية التي بدأت منها وتفترض أن الجميع مشابه لها.

لكن المشكلة هنا بالطبع هي أن المجتمعات البشرية وعلى الرغم من تشابهها فهي مختلفة، وحتى عندما تكون الاختلافات بين المجتمعات المختلفة محدودة نسبياً، فعدم فهم الثقافات الأجنبية عنك سيحد بشدة من قدرتك على العمل كشركة عالمية.

في هذا المقال سنتناول خمسة حالات لشركات عالمية رفضت أن تبحث كفاية عن الثقافات المختلفة عن بلدانها الأصلية، وبالنتيجة تعرضت لردود فعل سيئة وحتى خسائر مالية كبيرة.

شركة Blockbuster تمسكت بأن تكون ”صديقة للعائلة“ وفقدت السوق الألماني بالنتيجة

شركة Blockbuster تمسكت بأن تكون ”صديقة للعائلة“ وفقدت السوق الألماني بالنتيجة

في عالم اليوم؛ ماذا تفعل في حال أردت مشاهدة فيلم ما أو ربما مشاهدة أجزاء مسلسل؟ الجواب ببساطة هو تحميله أو بثه عبر الإنترنت وبالأخص عبر خدمات البث المباشر الكبرى مثل (نتفليكس) و(أمازون برايم)، لكن الأمر لم يكن دائماً هكذا، وخلال التسعينيات ومطلع الألفية كانت الطريقة الأفضل لمشاهدة الأفلام هي استئجارها من متاجر تأجير أشرطة الفيديو العديدة، ووسط العديد من الشركات الكبرى، كان لقب الأكبر عالمياً يعود لشركة (بلوكباستر) الأمريكية.

خلال فترة الذروة، كانت شركة (بلوكباستر) تمتلك أكثر من 9000 متجر مختلف متوزعة حول العالم في العديد من البلدان، لكن قبل أن تفشل في الاستمرار وتنهار تماماً في الأعوام الأخيرة كانت الشركة تتوسع في كل مكان، ومن هذه الأماكن كان السوق الألماني الذي يعد الأكبر في أوروبا، لكن بعد سنتين فقط من العمل في السوق الألماني؛ وجدت الشركة نفسها تخرج من هناك جارة أذيال الهزيمة على الرغم من نجاحها في الأسواق الأخرى، والسبب ببساطة: الشركة لم تكن تؤجر الأفلام الإباحية.

كانت سياسة الشركة بأن تكون ”صديقة للعائلة“ لا تتضمن أي محتوى جنسي فيما تعرضه فعالةً جداً بالنسبة للسوق الأمريكي والعديد من الأسواق الأخرى، لكن في ألمانيا كانت القصة مختلفة في الواقع، حيث كانت أكثر من ثلث عمليات استئجار الأفلام هناك تتم للأفلام الإباحية فقط، أي أن واحد من كل ثلاثة أشخاص يدخلون للمتجر يريدون الخروج مع فلم إباحي على الأقل، ورفض (بلوكباستر) تقديم الأفلام الإباحية كان عاملاً أساسياً في إبقاء الشركة خلف منافسيها المحليين ومن ثم اضطرارها للانسحاب من السوق الألماني.

شركة Nestle باتت ”قاتلة الأطفال“ في أفريقيا بسبب سياساتها الجشعة

شركة Nestle باتت ”قاتلة الأطفال“ في أفريقيا بسبب سياساتها الجشعة

بالنسبة للكثير من الأشخاص يرتبط اسم (نستله) ببضعة منتجات غذائية معظمها محبوب للغاية في الواقع، لكن هذا الاسم هو واحد من الأكبر في العالم مع امتلاك الشركة لشبكة من مئات العلامات التجارية المتنوعة والرابحة للغاية، وفي جزء كبير من نشاطاتها فهذه الشركة محاطة بالكثير من الجدل وبالأخص حول أخلاقية تصرفاتها وطريقة تسويقها، وبين الأمثلة العديدة على ممارسات الشركة؛ الأسوأ ربما هو ما فعلته الشركة في أفريقيا خلال الستينيات والسبعينيات.

طوال أكثر من عقدين من الزمن؛ كانت شركة (نستله) تستخدم تقنيات تسويق شرسة للغاية ومضللة حتى في مختلف أنحاء القارة السمراء، حيث كان من المعتاد أن ترسل نساء غير مرخصات يرتدين ملابس ممرضات ليتحدثن للنساء المحليات عن خلطات الحليب المجفف للأطفال، وبدلاً من الحديث عن كون هذه الخلطات من الممكن أن تكون مكملاً جيداً لحليب الأم في حال إعدادها في ظروف نظافة شديدة، كان التسويق يعتمد على وصفها بأنها أفضل بكثير من حليب الأم وتوفر صحة أفضل للأطفال.

المشكلة هنا هي أن الخلطات ليست بديلاً مثالياً حقاً، كما أن إعدادها في ظروف سيئة كما هو سائد في أفريقيا يجعلها كارثية، حيث أن استخدامها أدى إلى ازدياد حالات المرض وسوء التغذية لدى الأطفال، وفي الكثير من الحالات أدت خلطات (نستله) إلى وفاة مئات الأطفال الذين يتغذون عليها. في الواقع؛ استمرت ممارسات نستلة لسنوات دون ردة فعل، حتى تم نشر تقرير عن الأمر من قبل جمعية خيرية عام 1974، وبالنتيجة بدأت حملة كبرى لمقاطعة منتجات (نستله) في البلدان الأفريقية خصوصا مع سن منظمة الصحة العالمية لعدة قوانين تنظم الاعلانات.

استخدام شركة Fiat للممثل Richard Gere في إعلاناتها أدى لخسارتها سوقاً من الأكبر في العالم

استخدام شركة Fiat للممثل Richard Gere في إعلاناتها أدى لخسارتها سوقاً من الأكبر في العالم

طوال زمن طويل كانت هضبة التبت الواقعة في الجزء الغربي من الصين مكاناً مستقلاً من حيث المبدأ، حيث لطالما كانت هذه الأراضي الشاسعة والمرتفعة بعيدة عن أيدي الإمبراطوريات العديدة، أو بعيدة عن حكمها المباشر على الأقل، لكن هذا الأمر تغير مع تأسيس الدولة الصينية الحديثة بعد الحرب الأهلية التي انتصر فيها الشيوعيون، وعلى الرغم من إصرار التبتيين على الاستقلال لعقود عديدة، فالصين تمسك بالمنطقة بقبضة حديدية وتشدد حكمها عليها كلما سنحت الفرصة.

مع هذه الحالة الخاصة بالتبت، لا عجب بوجود الكثير من الناشطين حول العالم ممن يؤيدون استقلال التبت عن الصين وإلغاء حكم بكين القاسي على المنطقة، وواحد من أشهر هؤلاء هو الممثل (ريتشارد غير) المعروف بمواقفه المؤيدة للتبت والتي عبر عنها مراراً وتكراراً طوال العقود الثلاثة الأخيرة، وبالنتيجة بات (غير) معروفاً كعدو للصين، فالصينيون يكرهونه للغاية كونه يؤيد تقسيم بلادهم، وبالتأكيد فأي شيء يرتبط به هو أمر غير مفضل لديهم.

في عام 2008 قررت شركة السيارات الإيطالية (فيات) صنع إعلان جديد لسياراتها، واختارت النجم السينمائي (ريتشارد غير) ليكون فيه، وليزداد الطين بلة فالإعلان يتضمن قيام (غير) بالقيادة إلى التبت حتى.

بث الإعلان حصرياً ضمن إيطاليا، لكنه وجد طريقه نحو الجمهور الصيني الذي رأى الإعلان كدعوة لاستقلال التبت بالأخص مع خلفية (غير) في النشاط السياسي، وبعد غضب كبير اضطرت شركة (فيات) للاعتذار من الصينيين، كما أنها خسرت الكثير في السوق الصينية التي كانت قد بدأت التوسع ضمنها في ذلك الوقت.

أغضبت شركة McDonald’s المسلمين في حملة ترويجية لكأس العالم 1994

أغضبت شركة McDonald's المسلمين في حملة ترويجية لكأس العالم 1994

بين مختلف الفئات حول العالم، فالفئة الأسهل خدشاً للمشاعر واستفزازاً بين الجميع هي المسلمون دون شك، وليكتمل الأمر فهم الفئة الأخطر في حال استفزازها كفاية –مع الكثير من الأمثلة التي تتراوح من مظاهرات فقط وحتى حرق سفارات أو هجمات إرهابية–، ولسوء حظ (ماكدونالدز)؛ يبدو أنها لم تبحث جيداً في النتائج الممكنة لحملاتها الترويجية المعتادة، ولم تقم بالبحث جيداً عن الأمور المستفزة للمسلمين، ولو أن الحملة التي سنتحدث عنها كانت في المملكة المتحدة.

ببساطة كان الأمر هو أن (ماكدونالدز) قامت باستخدام ورق جديد كغلاف لوجبات الأطفال في مطاعمها، ومع الأهمية الكبيرة لكأس العالم قامت باستغلال الحدث ووضع أعلام الدول المشاركة على ورق اللف هذا، ومن بين هذه الفرق كانت السعودية أحد المتأهلين حينها وكما يعلم الجميع فالعلم السعودي يتضمن عبارة ”لا إله إلا الله محمد رسول الله“.

وفي ما يبدو كبحث متخصص عن شيء يجعلهم يشعرون بالإهانة سرعان ما بدأ القادة الدينيون الإسلاميون في المملكة المتحدة بالاحتجاج على كون العبارة موجودة على ورقة من المتوقع رميها لاحقاً، وحتى أن السفير السعودي في لندن احتج على الأمر.

شركة Wal-Mart كانت لطيفة أكثر من اللازم مع الألمان

شركة Wal-Mart كانت لطيفة أكثر من اللازم مع الألمان

قبل أكثر من خمسين عاماً بدأت شركة (والمارت) العملاقة كمتجر للسلع رخيصة الثمن في ولاية (آركنساس) الأمريكية، وعبر السنوات نمت هذه الشركة لتصبح واحدة من الأكبر في العالم مع قرابة 12 ألف مجمع تجاري منتشرة في مختلف أنحاء العالم، لكن مع كونها شركة أمريكية، فالجزء الأكبر من متاجر الشركة يقع في الولايات المتحدة، وطوال عقود بقيت الشركة محلية لكنها بدأت بالتوسع عالمياً في التسعينيات، وواحدة من أول أهدافها الأوروبية كانت ألمانيا حيث بدأت الشركة تفتتح متاجرها هناك عام 1997.

بالنسبة لتفكير الشركة حينها، فالألمان لم يكونوا مختلفين حقاً عن الأمريكيين، فعدا عن حاجز اللغة هناك ثقافة كبيرة مشتركة في الواقع، والولايات المتحدة نفسها تتضمن الكثير من ذوي الأصول الألمانية، لكن الأمور لم تسر كما خططت (والمارت).

على عكس عشرات عمليات التوسع الدولية الأخرى الناجحة، فالتوسع نحو ألمانيا لم ينجح، وبحلول عام 2006 كانت الشركة قد غادرت السوق الألمانية دون العودة إليها، ومع أن الأسباب المقترحة عديدة في الواقع، فربما واحد من أهمها هو اختلاف الثقافة الشعبية بين الولايات المتحدة وألمانيا.

في الواقع فالسببان الأرجح لفشل الشركة في ألمانيا هما الابتسام الدائم والاحتفال بالمناوبات الجديدة، حيث أن موظفي (والمارت) يقومون بالتصفيق وهتاف اسم الشركة عدة مرات مع بدأ مناوبتهم –والأمر غريب للغاية لمعظم الأشخاص– كما أنهم دائموا الابتسام بهدف جعل الزبائن يشعرون بالترحيب أكثر، لكن بالنسبة للألمان لم يكن هذا التبسم الدائم مرحباً حقاً، بل أنه يحول الموظفين إلى ما يشبه الروبوتات التي تفتقد ردود الفعل البشرية، وبالنتيجة فمعظم الأشخاص لم يرتاحوا للشراء من (والمارت) التي انسحبت مع فشلها بمنافسة الشركات المحلية هناك.

عدد القراءات: 15٬269