شخصيات

دخلك بتعرف الشيخة ريميتي؟

الشيخة ريميتي

كان شيوخ وشيخات البدوي في غرب الجزائر يغنون في حفلات الزفاف والختان والاحتفالات الدينية وفي سائر الأيام في المقاهي والحانات، ومن بين أشهر الشيخات اللواتي عرفهن هذا النوع من الغناء؛ تربعت (الشيخة ريميتي) على عرش أغنية البدوي إلى جانب (الشيخة جنية) و(الشيخة نجمة) وغيرهن.

سعدية بضياف المعروفة باسمها الفني ”الشيخة ريميتي“ هي من مواليد 8 مايو 1923 في (تسالة) قرب مدينة (سيدي بلعباس) غرب الجزائر، عرفت اليتم منذ أعوامها الأولى، حيث وجدت نفسها مجبرة على الرقص في الحفلات لتظفر بلقمة العيش في جزائر ترزح تحت ثقل الإحتلال الفرنسي، فبعد قرن من الإحتلال؛ كان أغلب الجزائريين يعانون من صعوبة العيش والبؤس اليومي، حيث كان لهذه الظروف الأثر الكبير على النساء، خاصة في المناطق الريفية، وكان الرقص والغناء الطريقة الوحيدة للكثيرات لكسب لقمة العيش وكانت الصغيرة سعدية من بينهن.

الشيخة ريميتي

تقاسمت الشيخة ريميتي حياتها في الطرقات مع فرقة موسيقية متجولة والتي التقتهن في سنوات الأربعينات من القرن الماضي، وسرعان ما اشتهرت بصوتها الأجش في الغرب الجزائري، مغنية الحفلات الصغيرة، المدعوة ريميتي التي أخذت اسمها الفني من عبارة ”Remettez-nous à boire“ بالفرنسية والتي تعني ”اسقونا خمرًا من جديد“.

قامت بأول تسجيل لها في سنة 1952 تحت عنوان Er-Raï Er-Raï – ”الراي الراي“ من انتاج باتي ماركوني Pathé Marconi وأتبعته سنتين من بعد بتسجيلها الشهير Charrag gattaa (مزق، قطع) والذي غنت فيه عن علاقات الجسد، حيث يرى البعض أنها كانت تهاجم فيه طابو عذرية البنات، حيث تقول فيه: ”مزق، قطع، ستأتي ريميتي وتقوم بالترقيع.“ ومن هنا بدأت أغانيها تذاع في الراديو.

رابط أغنية Charrag Gattaa:

بيدين مطليتين دائما بالحناء، مرفوقة بالڤصبة [عبارة عن آلة جزائرية تشبه الناي] (Gasba) والڤلال [آلة ايقاعية جزائرية] (Guellal) غنت هذه الريفية الأمية والتي علمها الفقر والبؤس موسيقى الراي لمدة نصف قرن، وإلى وفاتها تركت ما يقرب عن 200 أغنية ملأى بالاستعارات والتصريحات المباشرة التي تتغنى بالحب والرغبات المحرمة والخمر، فكانت تقول:

”يا العالية قالك نباتو هنا، يا العالية قالك نسكرو هنا.“ (يا العالية لنبت هنا، ولنسكر هنا).

وكانت تقول أيضا:

”الحد ولتنين وبايت عندي ليلتين.“ (يعني حبيبها بات عندها ليلتين؛ الأحد والإثنين).

وقالت أيضا:

”فراش المحبة وحرام عليا نرفيدو.“ (يعني فراش الحب لا يجوز أن أرتبه).

الشيخة ريميتي

آلة القصبة

غنت ريميتي أيضا عن طابو الاجهاض فقالت:

”يا جيش البحرية وكلاني الحوت“ (يا جيش البحرية، أكلني الحوت)، ”البحر حڤرني، أدالي فونارتي“ (ظلمني البحر وأخذ وشاحي)، ”نزور سيدي المجذوب ستار العيوب“ (أزور الولي الصالح سدي المجذوب الذي يستر العيوب)، ”دفنتها في الرملة على شط بوزفيل“ (دفنتها في الرمل على شاطئ بوزفيل)، ”دفنتها في الرملة وعزاني الحوت“ (دفنتها في الرمال وقام الحوت بتعزيتي).

تغني الشيخة ريميتي هنا عن فتاة قام أحد جنود البحرية بالاعتداء عليها، فصارت تزور قبور الأولياء الصالحين علها تستر عارها، لكنها في الأخير أجهضت في شاطئ بوزفيل (شاطئ في مدينة وهران) ودفنت ابنتها في الرمال وعزاها الحوت.

ريميتي التي تفاءل الإسلاميون عندما كانت في غيبوبة بعد تعرضها لحادث مرور مأساوي هي وفرقتها، فردت عليهم بعد استفاقتها بأغنية جعلت أحدهم يقول يا ليتها لم تتعرض للحادث، حتى لا ترد علينا وتشهر بنا.

سافرت إلى فرنسا لأنها كانت تتعرض للمضايقات مثل الكثيرين من مغنيي الراي، حيث لم يكن يسمح لهم بالغناء في الحفلات الغنائية والمهرجانات، فاستقرت في باريس منذ سنة 1978، لكنها ظلت تؤدي الأغاني في مقاهي وحانات الجالية المغاربية، وانتظرت لسنة 1990 لتعود للأضواء في كبريات القاعات، فأدت سنة 1994 أول حفل لها في مركز العالم العربي في باريس.

وفي نفس السنة أصدر لها ألبوم ”سيدي منصور“ حيث أدخلت الموسيقى الإلكترونية، هذا الألبوم الذي أنتج في باريس ولوس أنجلوس بمشاركة عازف القيثارة الشهير روبير فريب Robert Fripp والباسيست فليا Flea عازف فرقة ريد هوت شيلي بيبرز Red Hot Chili Peppers.

في سنة 2000 ظهر لها ألبوم ”نوار“ Nouar، الذي حصل على الجائزة الأولى للأسطوانات من أكاديمية شارلز كروس Charles Cros، فعرفت أخيرا حقبة الحفلات الكبرى في القارات الثلاث (أفريقيا وأوروبا وأمريكا)، بعد أن قامت ريميتي باحياء آخر حفل لها في المقبرة الإسلامية لمدينة بوبيني الفرنسية Bobigny، أصيبت مباشرة بعدها بأزمة قلبية في سنة 2006 وتوفيت على اثرها ونقل جسدها لمدينة وهران حيث دفن في مقبرة عين البيضاء.

رابط أغنية النوار:

نضال الفنانة الشيخة ريميتي من أجل كسر الطابوهات في مجتمعها المحافظ أعطاها شهرة واسعة رغم أنها كانت تتعرض في كثير من المناسبات للرفض، إلا انها كعادتها كانت ترد بالتجاهل مغنية ”وخليهم الا بغاو يموتو“ (اتركهم إن أرادوا أن يموتوا)، شقت ريميتي لنا طريقا للحياة حيث النضال من أجل الحرية في عالم مليء بالآلام، لكنه عالم يستحق رغم كل شيء أن يعاش ويكافح من أجل تحسينه.

وفي الأخير لا ننسى نداءها للشعب الجزائري في أغانيها من أجل النضال، ليس فقط للتحرر من الاحتلال، لكن أيضا من أجل الحريات الشخصية.