in

ما هو مرض الزهايمر وما هي الأسباب التي يمكن تزيد من احتمالات الإصابة به

لوحة للفنان دي كوننغ، حيث وجد الباحثون بعد دراستها أن الفنان كان يعاني من الزهايمر.

الموت والحياة رفيقان متلازمان لا ينفصلان، إذ أننا نموت في كل لحظة فعلياً قبل أن يأتي موعد فراق الروح للجسد، فعدد الخلايا التي نفقدها يومياً مهول جدا،إذ يستمر هذا الفقدان إلى أن نعود إلى ما سماه شكسبير في مؤلفه (كما تهواه): ”الطفولة الثانية، حيث لا شيء سوى النسيان، وفقدان الأسنان، وفقدان النظر، وفقدان التذوق، وفقدان كل شيء!“. وعن الفقدان حديثنا، عن مرض الطفولة الثانية! ألا وهو الزهايمر.

يتعامل الجميع بحذر وتفهّم كبيرين مع الأمراض العضوية، لكن الأمر يختلف فيما يتعلق بالعقل والفكر، إذ أننا نلاحظ نقصاً في الوعي في ما يخص كيفية التعامل مع المرضى، وتغلب المعتقدات الخاطئة وتقاليد مجتمعية على المعلومات الصحيحة أحياناً في كيفية علاجه أو التعامل معه.

يعتقد معظم الناس أن مريض الزهايمر يعجز عن تذكر كل شيء يتعلق بماضيه، أو ربما لا يستطيع تذكر أي حدث في الحاضر. لكن الحقيقة أن الزهايمر درجات، بين مريض يجد صعوبة في استرجاع الأحداث من الذاكرة القصيرة، لكنه يتذكر الماضي بشكل جيد، ومريض يتذكر الحاضر، لكنه عاجز عن تذكر الماضي، وصولاً إلى أصعب الحالات، هي تلك التي لا يتذكر فيها المريض أي شيء عن نفسه أو عن أسرته ومحيطه.

ومن خلال مجموعة من الدراسات والأبحاث، سنفك شيفرة هذا المرض الجينية ونتعمق في الأسباب التي من الممكن أن تزيد من مخاطر الإصابة به ومن بينها الأذية الدماغية.

أولا: الصدمة الدماغية وتأثيرها على الجينات!

إن الأذية التي تصيب الرأس يمكن أن تؤثر سلباً على مئات الجينات في المخ وبالتالي تعرض الناس لخطر الإصابة بأمراض مثل الزهايمر وباركنسون واضطراب ما بعد الصدمة والسكتة الدماغية وغيرها الكثير. مؤخراً، قامت مجموعة من الباحثين في جامعة كاليفورنيا لأول مرة بتحديد مجموعة جينات رئيسية محتملة، يعتقدون أنها تتحكم في مئات الجينات الأخرى المرتبطة بالعديد من الاضطرابات العصبية والنفسية.

وفي تصريح لـ (شيا يانغ) Xia Yang، أحد الأساتذة في جامعة كاليفورنيا في اختصاص البيولوجيا وعلم وظائف الأعضاء: ”نعتقد أن هذه الجينات الرئيسية مسؤولة عن إصابات الدماغ، والتي من الممكن أن تسبب تغيرات في العديد من الجينات الأخرى“.

تمتلك الجينات القدرة على أن تأخذ شكل أنواع عديدة من البروتينات، ويمكن لإصابات الدماغ أن تلحق ضرراً بالغاً فيها، والذي من الممكن أن يؤدي بعد ذلك إلى تلف الجينات الأخرى.

أحد الاحتمالات هو أن الإصابة قد تؤدي إلى تحريض الجينات على إنتاج بروتينات غير منتظمة، أما الاحتمال الآخر فهو حدوث تغيير في عدد النسخ من الجين في كل خلية، إذ يمكن لأي تغيير أن يمنع أي جين من العمل بشكل صحيح، أو أن يؤدي إلى تحوله إلى شكل آخر من البروتين مؤدياً إلى الإصابة بالزهايمر.

لربما يأمل الباحثون من خلال هذه الدراسة أن يتحكموا مستقبلاً بهذه الجينات، أو يعدلّوها لمقاومة التشوه البروتيني الناجم عن التعرض لأذية دماغية، وهو ما قد يجعلها أفضل الأهداف لعلاجات جديدة لاضطرابات الدماغ.

ثانياً: العلاقة بين الإصابة الدماغية و سماكة القشرة المخية لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بمرض الزهايمر!

هناك دراسة أخرى أجراها مجموعة من الباحثين في المعهد الوطني للصحة العقلية، وبالتعاون مع مركز شؤون المحاربين القدامى الأمريكي، على 160 من الجنود المحاربين في العراق وأفغانستان، والذين تتراوح أعمارهم بين 19 و58 سنة، ومعظمهم يعانون من إصابات دماغية خفيفة و تشخيص لحالة اضطراب ما بعد الصدمة.

أظهرت النتائج أنه من المحتمل أن تؤدي إصابة دماغية خفيفة، مع وجود عامل جيني مناسب، إلى انخفاض السماكة القشرية الدماغية. حيث اهتم الباحثون بـ 7 مناطق من مميزة من القشرة المخية والمسؤولة بشكل خاص عن أداء الذاكرة، وهي:

IPC: القشرة الجدارية السفلي، IPS: الثلم الجداري السفلي، LTC: القشرة الزمنية الجانبية، IFC: القشرة الأمامية السفلية، TP: قشرة منطقة بوردمان 38، PCC: القشرة الحزامية الخلفية وEC: القشرة المخية الأنفية.

استنتج القائمون على الدراسة أن الإصابات الدماغية والعوامل الجينية كانت متوافقة بشكل كبير جداً مع الإصابة بمرض الزهايمر، وذلك عن طريق تأثيرها بشكل غير مباشر على أداء الذاكرة العرضية، مما يشير إلى أن التخفيف القشري في مناطق الدماغ المعرضة لمرض الزهايمر هو آلية لتقليل أداء الذاكرة، كما أنّ مجموعة من الاختبارات الأخرى، والتي فحصت أليل APOE4، أكدت دوره الكبير في زيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر مستقبلاً.

تقدّم هذه النتائج دليلاً على أن إصابة الدماغ ترتبط بزيادة تنكّس الأعصاب وانخفاض أداء الذاكرة لدى الأفراد المعرضين لخطر الإصابة بمرض الزهايمر في المراحل اللاحقة للإصابة.

ثالثاً: اكتشاف مرض الزهايمر من خلال فحص الدم خطوة أقرب إلى الاستخدام السريري:

في نقلة نوعية، أشاد خبراءٌ بإمكانية القيام بفحص دمٍ جديد ودقيق بنسبة 94٪ في تحديد مرض الزهايمر قبل ظهور الأعراض، وذلك عند أخذ عوامل الخطر المرتبطة بالعمر والجينات بعين الاعتبار.

إذ أفاد باحثون من جامعة واشنطن في سانت لويس أنهم يستطيعون قياس مستويات بروتين الزهايمر، الأميلويد بيتا، في الدم واستخدام هذه المستويات للتنبؤ بما إذا كانت قد تراكمت في الدماغ.

وقال التقرير إنه بالإمكان التنبؤ بذلك قبل ما يصل إلى 20 عامًا من إصابة الناس بفقدان الذاكرة والارتباك المرافقين لمرض الزهايمر، والتي تبدأ عندها كتل البروتين المدمرة بالتراكم في أدمغتهم.

وتعد هذه النتائج، التي نُشرت في المجلة الطبية لعلم الأعصاب، خطوة رئيسية نحو إجراء اختبار للدم لتشخيص المرض ومراقبة وضع المريض قبل ظهور الأعراض.

وقال كبير المؤلفين (راندال ج. باتمان)، أستاذ علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة واشنطن: ”في الوقت الحالي، نقوم بإجراء الفحوصات من خلال التجارب السريرية باستخدام فحوصات الدماغ التي تستغرق وقتاً طويلاً و لا تزال باهظة الثمن حتى اليوم، ويستغرق تسجيل المشاركين سنوات. لكن من خلال فحص الدم البسيط الآن، يمكننا فحص آلاف الأشخاص كل شهر، مما يعني أنه بإمكاننا تسجيل المشاركين بشكل أكثر كفاءة في التجارب السريرية، مما سيساعدنا في العثور على العلاجات بشكل أسرع، وقد يكون لذلك تأثيرٌ هائل على تكلفة المرض وكذلك المعاناة الإنسانية التي تصاحبه“.

وشملت الدراسة الصادرة في الأول من آب/أغسطس من العام 2019 حوالي 158 شخصاً بالغاً فوق سن الـ 50، في حين كان جميع المشاركين في الدراسة، عدا 10 منهم، جيدين من الناحية المعرفية، وقدم كل منهم عينة دم واحدة على الأقل وخضع لفحص دماغي بانبعاث بصري واحد.

صنّف الباحثون كل عينة دم وفحص PET بأنها أميلويد إيجابية أو سلبية، ووجد اختبار الدم من كل مشارك متفق مع فحص PET الخاص به بنسبة 88٪ أسرع من الوقت المستغرق في عملية الكشف سريرياً.

وفي محاولة لتحسين دقة الاختبار، قام الباحثون بدمج العديد من عوامل الخطر الرئيسية لمرض الزهايمر، أولى تلك العوامل كان العمر الذي يعتبر أكبر عامل خطر معروف، فبعد سن الـ 65، تتضاعف فرصة الإصابة بالمرض كل خمس سنوات.

إن المتغير الوراثي المسمى بالآليل APOE4 يزيد من خطر الإصابة بمرض الزهايمر من ثلاثة إلى خمسة أضعاف، كما يلعب الجنس دوراً في كون النساء اكثر عرضة للإصابة، إذ يصيب الزهايمر اثنتان من النساء من بين كل ثلاثة مرضى أي بنسبة ⅔.

وعندما أدرج الباحثون عوامل الخطر هذه في التحليل، ارتفعت دقة فحص الدم إلى 94٪. في حين وجد البحث أن الجنس لم يؤثر بشكل كبير على التحليل.

وقالت (سوزان شندلر)، أستاذة مساعدة في علم الأعصاب في جامعة واشنطن: ”لقد أثر الجنس على نسبة بيتا أميلويد، لكن ليس بما يكفي لتغيير ما إذا كان الناس قد تم تصنيفهم على أنهم أميلويد إيجابيين أو أميلويد سلبي، وبالتالي لم يحسن ذلك من دقة التحليل بشكل ملحوظ“.

ففي الوقت الذي كانت فيه نتائج اختبارات الدم لدى بعض الأشخاص تعتبر إيجابية للبيتا أميلويد، لكنها كانت كاذبة في هذه المرحلة لأن فحص الدماغ عاد بنتيجة سلبية. إلا أن بعض الأشخاص الذين كانت نتائجهم غير متطابقة قد أثبتت نتائج إيجابية في فحوصات الدماغ اللاحقة التي استغرقت أربع سنوات في المتوسط.

وتشير النتيجة إلى أن اختبارات الدم الأولية هذه كانت بعيدة كل البعد عن عن أن تكون مخطئة، و تمكنت من الاستدلال على علامات مبكرة من المرض لم تظهر في فحص الدماغ التقليدي بعد.

ويأمل الباحثون أن يصبح الاختبار متاحاً في مكاتب الأطباء في غضون بضع سنوات، إذ تشير الإحصائيات أن فوائده ستكون أكبر بكثير بمجرد وجود علاجات لوقف عملية المرض وإعاقة الخرف.

كما يمكن أن يوفر اختبار الدم وسيلة لفحص الأشخاص الذين يعانون من العلامات المبكرة للمرض بفعالية حتى يتمكنوا من المشاركة في تجارب سريرية لتقييم ما إذا كانت العقاقير قادرة على منع مرض الزهايمر.

● أمل جديد

هنالك العديد من الجمعيات والمؤسسات الحكومية و غير الحكومية عالمياً، و التي تعنى بمساعدة مرضى الزهايمر المنتشرة في أكثر من 100 دولة عالمياً، ومنها من يبتكر برامج جديدة لمساعدة المصابين بالزهايمر على التأقلم مع الوسط وتحسين مستوى حياتهم وتفاعلهم مع الآخرين، مثل العلاج بالموسيقى أو النشاطات التفاعلية.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى ضرورة القيام بالفحوص السنوية لكل من الدماغ والمراكز العصبية وإجراء تحليل جيني شامل للكشف عن وجود جينات قد تساعد في تفاقم المرض كما هو الحال في الأليل APOE4 عند تواجده من الأبوين، مما يمكننا من حد الأسباب الجينية للمرض. كما يأمل الباحثون في التوصل إلى آلية جديدة للمساعدة في عملية زراعة الخلايا الجذعية لعلاج التلف الحاصل في البنى العصبية.

جاري التحميل…

0