شخصيات

من أصولي إلى ملحد، دخلك بتعرف عبد الله القصيمي؟

عبد الله القصيمي

1. عبد الله بن علي النّجدي القصيمي، وُلد عام 1907 وهو ينحدر من قرية صغيرة اسمها ”خب الحلوة“ تقع في منطقة القصيم في نجد (السعودية).

2. عاش عبد الله طفولته مع جدّه لأمّه فقد كان والداه قد انفصلا عن بعضهما عندما كان في سن الرابعة تقريباً. في الخامسة بدأ العمل في سوق المواشي والزراعة، لأن جدّه لم يكن قادراً على تحمل إعالته.

3. عاش طفولته في ظروف صعبة جداً. بعد ذلك، صمّم على الهرب للبحث عن أبيه. قادته عملية البحث إلى الرّياض، إلى مخيم اللاجئين، الذي كان يفتقر لكل مقومات الحياة والعناية الصحية والنظافة. وبقي على حاله إلى سمع ذات يوم ان صديقا لأبيه يترأس وفدا قادما من الشارقة إلى الرياض. اخذه الوفد معهم إلى الشارقة لملاقاة أبيه.

4. أصيب عبد الله بخيبة أمل، فوالده علي كان متديّنا جداً، يتبنّى تفسيراً متشدّداً للمفاهيم الدينية، متأثّراً على الأرجح بالتعاليم الوهابية.. الأمر الذي أثر في نفس عبدالله. فبعد غياب طويل، وجده صارماً متقشفاً، لا حنوناً ولا محبّاً.

رجل يقرا القران

صورة غير حقيقية.

5. في سنّ العاشرة لم يتلقى عبد الله أيّ تعليم مدرسي ممنهج. فانتسب إلى مدرسة داخلية هناك في الشارقة.

6. توفي والده عام 1922 تقريباً، فأصبحت المدرسة هي جل اهتماماته. فقرّر تكريس نفسه للدراسة بتركيز يفوق العادي، وهذا للتعويض عن التجارب الصعبة التي مرّ بها في حياته.

7. في التاسعة عشر من عمره، سافر عبد الله برفقة ”عبد العزيز بن راشد“، من بغداد إلى القاهرة لكي يلتحقا بجامعة الأزهر. الذي كان يعد حلما بالنسبة له.

8. عام 1930 نشب خلاف بين قيادة الجامعة التي كانت تتبنى خطّاً ودّياً اتجاه التصوّف في الأزهر، وبين الدوائر المؤيّدة للوهابيّين—التي كان عبد الله محسوباً عليها بسبب أصله ومنشئه—مما أدّى إلى فصل القصيمي من جامعة الأزهر.

9. بعد فصله من الأزهر ألّف كتابين يهاجم فيهما علماء الأزهر، وقد تبنّى فيهما المواقف الوهّابية بصورة أكثر قطعيّة من السابق.

10. احدث هذا ضجة في أوساط الرأي العام، وسط حركات التجديد الاسلامية التي كانت تنتقد الأزهر، فاصبح القصيمي مركزا ومحورا مهما في النقاش الداخلي الاسلامي.

11. عام 1936 نشر كتاب ”الثورة الوهابية“ وكان هدفه الدّعوة إلى تأييد السعودية وتحسين صورة الحركة الوهابية أمام الرأي العام المصري. أدى الكتاب إلى تعزيز اسم القصيمي كداعية للمصالح السعودية في مصر يُعتمد عليه.

كتاب الثورة الوهابية للقصيمي.

كتاب الثورة الوهابية للقصيمي

12. مواقف القصيمي في الأربعينيات بدأت تتناقض مع مواقفه السابقة. فقد نشر كتابي ”كيف ذل المسلمون“ و”هذه هي الأغلال“ تحوّل فيهما من النقاش الإسلامي الداخلي إلى النقد الذاتي الإسلامي الحادّ، فأصبح يطالب بتحرّر الفرد من التصوّرات الدينية التي تعيق تفتّح الشخصية.

13. في البداية استعمل القصيمي الحجّة الدينية في خدمة التحديث العلمي والاقتصادي. فاستعرض تفوّق أوروبا على البلدان الإسلامية، وناقش أسباب تخلّف العالم الإسلامي مثل الظروف السياسية والاستعمار، ثم ناقش النظريات التي تدعم القول بتفاوت الأعراق والتباين الجيني والفروق الدماغية هي الأسباب. وأخيراً خلُص إلى أنّ العوائق التي تعترض طريق المسلمين هي عوائق فكرية وروحية واعتقادية.

14. أحدثَ كتاب ”هذه هي الأغلال“ ضجّة هائلة، ويعود السبب الرئيسي إلى منشأ القصيمي وتاريخه السابق. انقسمت ردود الفعل بين موافقة ومعارضة، كما أنّ بعض المعارضين نشروا كتباً مضادة.

كتاب هذه هي الأغلال للقصيمي

كتاب هذه هي الأغلال للقصيمي

15. في المملكة العربية السعودية وهي بلد القصيمي الأم، فقد طالب الشيخ ”محمد ابن إبراهيم“ وهو اعلى شخصية دينية في البلاد بـ”تنظيف العار“ الذي ألحقه القصيمي بدين الإسلام وأصدر فتوى تبحه دمه.

16. في سنة 1950 انتقل القصيمي من بيته إلى بيت أكبر في ضاحية حلوان في القاهرة لانه أصبح أبا لأربع أولاد، بنتين وولدين (عفاف ومحمد ونجلاء وفيصل). بعدما تزوج امرأة مصرية في أوائل الأربعينات.

17. كان القصيمي يقيم جلسات كل جمعة في ”الحديقة اليابانية“ قرب منزله الجديد بحلوان مع مجموعة من الطلاب المغتربين المقيمين في مصر للدراسة، الذين صادفهم أن أصبح القصيمي أحد جيرانهم.

18. في عام 1954 قام صلاح سالم وهو سياسي مصري بزيارة رسمية إلى مجموعة من دول شبه الجزيرة العربية وطالبها بترحيل القصيمي من مصر.

19. وكما كان متوقعا، تم بالفعل ترحيل القصيمي في صيف 54 إلى بيروت، وكان هذا القرار غير قابل للطعن أو الاعتراض عليه قضائيا. ولم يسمح له بالتواصل مع عائلته وأولاده، كما منع أيضا من اخذ أي مال خارج مصر إلا ما يكفيه لمصاريف سفره.

20. في بيروت. حصل القصيمي على بعض الدعم من ناشرين لبنانيين، هما سهيل إدريس مالك مجلة ”الآداب“، وقدري قلعجي صاحب مجلة ”الحرية“ حيث خصص له هذا الاخير مساحة صغيرة في مجلته.

عبد الله القصيمي على جريدة الحرية

عبد الله القصيمي على جريدة الحرية

21. إلتقى القصيمي في بيروت برئيس الوزراء اليمني المؤقت ”محسن العيني“ الذي كان في زيارة مؤقتة إلى بيروت آتيا من دمشق، الذي طلب منه مغادرة بيروت ومرافقته إلى دمشق والحصول على وضيفة تناسب مقامه، لأن السلطات السعودية—بحسب المخابرات السورية—أرسلت قلتة مأجورين للنيل منه، ولكن القصيمي رفض مغادرة بيروت.

22. بعد ليلة واحدة تلقت المخابرات اللبنانية مخطط الاغتيال فارسلت فورا عميلا إلى مكان إقامة القصيمي، حيث أعلمه بان بقاءه في بيروت هو تهديد لحياته، في صباح اليوم التالي صدر أمر رسمي بترحيل القصيمي من لبنان عبر طائرة خاصة مباشرة إلى القاهرة من جديد، رغم توسطات الزعيم الدرزي ”كمال جنبلاط“ بإلغاء هذا القرار.

عبد الله القصيمي

جريدة الحرية تنشر خبر ترحيل عبد الله القصيمي من لبنان.

23. بحسب أقوال القصيمي نفسه، كان قرار طرده من لبنان بسبب أنه ”يشكل خطرا على نظام لبنان وفكره وقيمه“. بعد فترة ليست بالطويلة، انتقد ”أنسي الحاج“ الانتهامات التي وجهت للقصيمي في تقرير بعنوان ”طرد القصيمي خيانة عظمى“، أصبح القصيمي بعدها معروفا أكثر للجمهور اللبناني

24. انطلقت موجة من النقد الذاتي عمّت العالم العربي بأكمله، بعد الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها الدّول العربية ضد إسرائيل. ما جعل المجتمعات تهتم أكثر بمواقف القصيمي التي كانت تدعو إلى تحطيم الصّور والمفاهيم الدينية والسياسية. ولأول مرّة في تاريخ حياته الأدبية يصيب القصيمي عصب الزمن بدقّة.

25. في سنة 1972 منعت وصادرت السلطات الرقابية في لبنان جميع اعمال القصيمي من جميع محلّات بيع الكتب ودور النشر والمكتبات لفترة مؤقتة.

26. كان تعقيب القصيمي على تلك الأحداث ذو طابع ساخر حيث نشر مقالا بعنوان ”أنا القصيمي سأحرق كتبي“ في جريدة النهار. بعد اندلاع الحرب الأهلية تدهور الوسط الفكري في لبنان مما أجبر القصيمي على العزلة، حيث خسر المنبر الوحيد الذي بقي يخطب عليه منذ مطلع الستينات.

27. لم يكن القصيمي يجيد أيّ لغة أجنبية، لذلك كان من الصّعب أن يخلق منبراً جديداً لنفسه في الغرب—كباريس مثلا—مثل العديد من المثقفين اللبنانيين.

28. استطاع القصيمي نشر كتبه الثلاثة التي ألّفها بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان بمساعدة أحد الاصدقاء اليمنيين في دور نشر في فرنسا وهي: ”العرب ظاهرة صوتية“، ”الكون يحاكم الإله“، و ”يا كلّ العالم لماذا أتيت؟“.

29. منذ عام 1980 تقريباً بدأت مرحلة تراجع القصيمي في الساحة العامة. فتركّزت نشاطاته ودائرة تأثيره على محيطه الشخصي، عبر ندوات أسبوعية تُعقد في منزله بمشاركة شخصيات سياسية هامّة من مختلف أرجاء العالم العربي، وخاصة من شبه الجزيرة العربية.

30. توفّي القصيمي في 9 يناير 1996م في مستشفى في القاهرة. ونشرت العديد من الصّحف العربية مقالات في رثائه.

القصيمي واصدقاؤه

القصيمي واصدقاؤه

من أقواله:

لا تسيؤوا فهمه، لا تنكروا عليه أن ينقد أو يتّهم أو يعارض أو يتمرّد أو يبالغ أو يقسو… إنّه ليس شرّيراً ولا عنيفاً ولا عدوّاً ولا ملحداً، ولكنّه متألّم حزين، يبذل الحزن والألم بلا تدبير ولا تخطيط، كما تبذل الزهرة أريجها أو الشمعة نورها! لقد تناهى في حزنه وضعفه حتى بدا عنيفاً… ليس نقده إلّا رثاءً للعالم ورثاءً لنفسه، بل ليس نقده إلّا تمزّقاً ذاتياً.

يقول صديقه ابراهيم عبد الرحمن عنه:

اتسم القصيبي رحمه الله عليه بالذكاء المتقد والنبوغ الفكري والتحرر والقدرة على قراءة الواقع جيداً واستشراف المستقبل والتنبؤ به، وكان مثالياً وإنساناً بمعنى الكلمة، ورغم أنه كان عالماً ومفكراً كبيراً، كان يعيش في شقة متواضعة وخصص كل حياته للقراءة والفكر وتأليف الكتب والدعوة للحرية والديمقراطية.

صورة غلاف كتاب 50 عاما مع القصيمي من تاليف صديقه ابراهيم عبد الرحمن

صورة غلاف كتاب 50 عاما مع القصيمي من تاليف صديقه ابراهيم عبد الرحمن

مقال من إعداد

mm

أميرة حمادي

قف على ناصية الحلم وراقب الوجود كأنه لا يعنيك.

عدد القراءات: 21٬435