ميديا

لماذا موسيقى انتظار المكالمات سيئة جداً؟

موسيقى انتظار المكالمات

في حال كنت قد اتصلت مع شركة ما خلال فترة قريبة سواء كانت شركة الهاتف نفسها أو شركة إلكترونية أو حتى البنك الخاص بك، فعلى الأرجح أن خضعت لمدة انتظار امتدت لعدة دقائق بينما تصدر السماعة ما يبدو وكأنه موسيقى لكنه مشوه جداً إلى حد يجعله يبدو كصوت تشويش فقط لا أكثر يزعج الأذن بشكل كبير.

هذه الأصوات السيئة ليست مقصودة دائماً (ولو أن بعض الشركات ربما تستخدمها لجعل الزبائن أقل تشجعاً على الاتصال) لكن جودتها السيئة تمتلك سبباً حقيقياً، وفي الواقع فهي لم تكن دائماً على هذا الحال.

في الماضي غير البعيد قبل عدة عقود من الزمن، كانت موسيقا الانتظار هي في الواقع موسيقى حقيقية، ربما ليست قريبة حتى من جودة الموسيقى من المذياع أو من التسجيلات، لكنها كانت مقبولة نوعاً ما وغير مزعجة بشكل كبير، لكن مع تقدم الزمن وتطور التقنيات بات كل شيء تقريباً أفضل إلا موسيقى الانتظار التي استمرت بالانحدار، وبدلاً من تضييع الوقت ريثما يتم وصلك مع الموظف أو الجهة المطلوبة فقد باتت شيئاً عليك التعايش معه أثناء انتظارك أو حتى التخلي عن فكرة الاتصال وزيارة مركز خدمات بدلاً من ذلك.

المشكلة الأساسية: الهواتف لم تصمم للموسيقى

مركز اتصالات قديم من بداية القرن العشرين

قبل الوقت الحالي كانت المقاسم تعتمد على العامل البشري وتحويل المكالمات بشكل يدوي كما أن كل مكالمة كانت تأخذ خطاً كاملاً وتمر دون أي ضغط.

لم تكن أجهزة الهواتف عموماً بنوعيها -سواء العادية التقليدية أو المحمولة- قد صممت للموسيقى عندما تم التفكير بها أصلاً، فالغرض الأساسي كان نقل الصوت البشري بالدرجة الأولى، لذا فسماعات الأذن وحتى ميكروفونات التسجيل ذات جودة ضعيفة عادة، هذه الجودة كافية لنقل الصوت البشري كونه يتكون من العديد من التقلبات في الشدة والموجة، لكن بالنسبة للموسيقا التي من المفترض أن تجري بسلاسة فالأمر مختلف تماماً لذا فالتشويش الأصلي موجود حتماً.

لمعرفة أحد الأسباب الأساسية يجب العودة للماضي إلى بداية تاريخ شبكات الهاتف، ففي البداية ومع عدد محدود جدا من الهواتف والخطوط كانت الاتصالات تتم عبر مقاسم يدوية فيها عمال (عادة ما كانت الإناث تهيمن على هذا العمل) يقومون بشبك الاتصال مع المنفذ المخصص للمقسم الهدف، وهناك يعاد شبك الاتصال مع الهدف، لكن هذه الآلية كانت بطيئة من ناحية، وتنفع مع عدد صغير نسبياً من الهواتف، فالتعامل مع آلاف الاتصالات بهذا الشكل سيكون كابوساً حقيقياً وأمراً غير عملي كذلك.

الحل البديل بالطبع هو المقاسم الآلية التي تقوم بتحويل المكالمات وربط الخطوط ببعضها البعض دون الحاجة لعامل بشري أصلاً، كما أن فكرة وصل المقاسم ببعضها البعض بعدد كبير من الخطوط الهاتفية لم يكن أمراً مجدياً اقتصادياً وسرعان ما أدركت شركات الهواتف أن وضع عدة اتصالات على الخط نفسه ستوفر الكثير من المال، ومع أنها ستؤثر بالطبع على مدى الموجة الخاص بكل اتصال على حدة مما يجعل الجودة أسوأ، فتوفير المال والقدرة على التعامل مع العدد المتزايد من الاتصالات كان أهم بالطبع.

آلية الضغط كانت ببساطة إزالة الترددات المنخفضة والعالية جداً للصوت والإبقاء على المجال المهم لفهم الكلام فقط، بحيث تصبح أطوال الموجة أقصر ويتم إزاحة موجة المكالمات الباقية بحيث تتسع عدة مكالمات على خط واحد عند الاتصال، فهي تجمع في المركز الخاص بالمتصل ويتم إعادة فصلها وتوزيعها عند نقطة الوصول، هذا الأمر يعني أن المكالمة تحظى بالخط كاملاً بين المقسم والمتصل، لكن ذلك لا يستطيع إعادة التفاصيل والجودة المفقودة عند ”ضغط“ الترددات بين مقاسم الاتصال.

المشكلة الأحدث: الاتصالات المحمولة

برج تغطية

بالنسبة لأبراج التغطية فكلما كان الصوت مضغوطاً أكثر يستطيع البرج التعامل مع عدد أكبر من المكالمات وتنخفض تكلفته التشغيلية لكل مكالمة.

حتى الوقت السابق لظهور الهواتف المحمولة كانت جودة الاتصالات قد انحدرت نسبياً، لكنها كانت لا تزال جيدة إلى حد بعيد بمعايير اليوم، وخصوصاً وأن الاتصالات كانت تجري من جهاز تناظري (Analog) إلى جهاز تناظري آخر، مع كون كل أجزاء الدارة من المتصل إلى المستقبل تناظرية، لكن بالنسبة للهواتف المحمولة فالأمر تغير بشكل سريع عندما تبين أن أبراج التغطية (التي تلعب دور مقاسم فعلياً) يمكنها التعامل مع عدد أكبر من الاتصالات معاً في حال تم ضغط هذه الاتصالات بشكل رقمي (Digital)، وبالطبع فكلما كانت الاتصالات مضغوطة أكثر فالبرج يستطيع التعامل مع مكالمات أكثر وبذلك تنخفض التكاليف التشغيلية.

المشكلة كانت أن الضغط كان يتم في الهواتف نفسها، وفي البداية كانت الهواتف ذات قدرات معالجة ضعيفة جداً، فعلى عكس هواتف اليوم الذكية التي لا تجد مشكلة في التعامل مع فيديو بدقة 4K وتشفيره وحتى ضغطه، فالهواتف الأولى كانت لا تستطيع التعامل مع ضغط مثل MP3 مثلاً، لذا فقد كان الأسلوب ببساطة هو ضغط أكبر ما يمكن حتى مع التضحية بالتفاصيل والمعلومات ضمن الصوت مما جعل الأصوات تحصر ضمن مجالات معينة وتباين الأصوات ينخفض بشكل كبير حتى مقارنة بالهواتف الأرضية.

جودة صوت الهواتف المحمولة كان أقل بكثير من السابق، ومع أنها كانت جيدة كفاية للصوت البشري المفرد الذي يبقى مفهوماً نسبياً حتى عندما يتشوه إلى حد بعيد بحيث يصعب تمييز الشخص، لكن بالنسبة للموسيقا وخصوصاً تلك المعزوفة من قبل عدة آلات معاً فالصوت يبدو مكتوماً ومنخفض الدقة ومزعجاً حتى نوعاً ما، لكن ليس إلى الحد الذي نعرفه اليوم في موسيقا الانتظار، فالذنب هنا يعود لطرف ثالث يحاول توفير النفقات كذلك: الشركات بحد ذاتها.

شبكات الاتصال الداخلية ومراكز الاتصالات الخارجية

مركز اتصالات في الهند

الكثير من الشركات اليوم وبالأخص الكبرى منها تعتمد على مراكز استقبال المكالمات البعيدة عن مقر الشركة للتوفير من حيث سعر العمالة، لذا فكثير منها توجه مكالماتها إلى الهند.

معظم الشركات تتضمن شبكات اتصال داخلية خاصة بها مستقلة عن الشبكة الهاتفية الخارجية، فبهذه الطريقة تستطيع التحكم بالمكالمات الصادرة والواردة بشكل أفضل، كما أنها توفر سعر المكالمات التي تجري ضمن الشبكة الداخلية للشركة.

يتم إنشاء هذه الشبكات من قبل مقاولين، وكما هي العادة فالمقاول الذي يقدم السعر الأرخص هو من يقوم ببناء الشبكة، وهذا ما يعني استخدام أرخص معدات ممكنة وحتى القيام بضغط إضافي للمكالمات لتوفير الأجور التشغيلية للمقسم الداخلي.

الخطوة الإضافية التي تجعل الصوت لا يحتمل تكمن في توزع مراكز الاتصالات بالنسبة للشركات التي تقدم الدعم الفني ومنها شركات الاتصالات نفسها، فغالباً ما تكون مراكز إجابة المستخدمين بعيدة عن الشركة نفسها، وفي بعض الأحيان تكون في بلدان أخرى حتى بالأخص بالنسبة للشركات الكبرى، هنا يتم إرسال الموسيقى من شبكة تقوم بضغطه في مركز الاتصالات ليعود إلى الشركة الأصل ومن هناك يضغط بشكل سيء ويرسل عبر شبكة الهاتف التي تضغطه مجدداً وتدمر ما تبقى من الجودة بحيث يصبح الصوت بالكاد مفهوماً وتتحول الموسيقى إلى ضجيج وصوت تشويش فقط.

عدد القراءات: 3٬141