معلومات عامة

لماذا يجب على الجامعات حظر استعمال الباوربوينت Powerpoint

محاضرة جامعية

هل تظن حقا أن مشاهدة أستاذ محاضر وهو يقرأ مئات الشرائح على برنامج الـPowerpoint يجعلك أذكى؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحه الدكتور المحاضر (بول رالف) في جامعة (أوكلاند) في الولايات المتحدة على 105 طلاب أحد صفوف علوم الحواسيب وهندسة البرمجيات، وقد جاء سؤاله هذا بعد نشره لمقال على موقع (المحادثة) The Conversation حول وجوب حظر استعمال برنامج الـPowerpoint من طرف الجامعات، لأنه يجعل الطلبة أغبى والأساتذة مملّين.

يؤكد الدكتور (رالف) على هذا الطرح دون جدال، إلا أن معظم الجامعات لن تأخذ نصيحته هذه بعين الاعتبار، بل أنها ستتجاهله تماما للأسف، لأنها بدل قياسها للنجاح على مقياس قدر التعلم الذي يتلقاه الطلبة فيها، تعمل الجامعات على قياس النجاح على مقياس ”رضا“ الطلبة الذي تقيسه من خلال العديد من الاستبيانات، ومن بين أمور أخرى بالطبع.

ما الذي يجعل برنامج الـPowerpoint سيئا إلى هذا القدر؟

ساهم الاعتماد المفرط على عرض شرائح الـPowerpoint في تعزيز المفهوم السخيف بأن جعل الطلبة يقرأون الكتب، ويحضرون الصفوف الدراسية، ويدونون الملاحظات هو أمر غير عقلاني.

وفي الجهة المقابلة، تصب الدروس المصصمة خصيصا ليتم عرضها على شكل عرض شرائح على برنامج الـPowerpoint في المفهوم المغلوط القائل بأن بإمكان الطلبة أن يصبحوا متمرسين، ومتعلمين، ومتشبعين بالمعارف دون الخوض في عشرات الكتب، ومئات المقالات العلمية، وآلاف المسائل الرياضياتية.

وجد أحد الاستبيانات الذي تم إجراؤه حول برنامج الـPowerpoint بأنه، على الرغم من كون الطلبة يفضلونه عن باقي وسائل العرض وطرح الدروس، فإنه لم يساهم إطلاقا في رفع نسبة التعلم لديهم، ولا تحسين العلامات التي كانوا يتحصلون عليها، ومنه فإن تفضيل أمر ما لا يجعل منه فعالا بالضرورة، كما أنه توجد الكثير من الوسائل التعليمية التي يجب أخذها بالحسبان سواء أحبها الطلبة أم لا.

عرض باستخدام برنامج الباوربوينت

تدعم الكثير من الأبحاث طرائق بديلة في إلقاء الدروس والمحاضرات، خاصة تلك الأبحاث التي تناولت بالمقارنة طرائق التعليم باستعمال شرائح الـPowerpoint مع طرائق أخرى، على غرار التعلم بطرح الإشكاليات حيث يصبح بإمكان الطلبة تطوير المعارف والمهارات من خلال مواجهة مسائل وإشكاليات واقعية وتتحدى تفكيرهم وذكاءهم.

عرض شرائح برنامج الـPowerpoint سيئ بالنسبة للتعليم لثلاثة أسباب رئيسية:

أولا: يثبط التفكير المعقد لدى الطلبة، حيث أنه يشجع الأساتذة على تقديم المفاهيم المعقدة باستخدام الشعارت، والنقاط المهمة المباشرة، والمفاهيم المجردة، والجداول المبسطة بشكل مفرط، مع تقديم أقل قدر ممكن من الأدلة.

ثانيا، يثبط كذلك عمليات التحليل العميق للوضعيات المعقدة والغامضة لكونه من المستحيل تقريبا تقديم وضعية معقدة غامضة على شريحة برنامج Powerpoint، مما يعطي بدوره للطلبة وهم الوضوح وفهم كل شيء، بينما هم لم يواجهوا أي مشكلات حقيقية ومفاهيم معقدة تتحدى معارفهم وعقولهم.

يقول الدكتور (بول رالف) بأن قراءة تقييمات وملاحظات الطلبة أقنعته بأن واقع كون جميع الدروس تقريبا مبنية على عرض شرائح الـPowerpoint جعل الطلبة يفكرون في الدرس على أنه مجموعة من الشرائح ولا يعرفون أي شكل آخر قد يكون عليه الدرس أو المحاضرة.

كما يتم غالبا -من طرف الطلبة- تقييم الأساتذة الجيدين الذي يقومون بتقديم تعقيدات واقعية وغامضة ونقدهم على أنهم غير واضحين ولا يشرحون الدروس بشكل جيد، بينما ينتقدون الأساتذة الذين يتحاشون النقاط المهمة لدى تقديم الدرس في شكل عرض لشرائح الـPowerpoint على أنهم لا يقدمون ملاحظات جيدة وكافية للطلبة.

ثالثا، تثبط الشرائح كذلك التوقعات المنطقية، يقول الدكتور (رالف): ”عندما كنت أستعمل الـPowerpoint، كان الطلبة يتوقعون أن تحتوي الشرائح على كل تفصيل ضروري من أجل المشاريع الدراسية، والاختبارات، والبحوث؛ ومنه لماذا قد يرغب أي أحد في تضييع وقته على قراءة الكتب، أو الذهاب وحضور الصفوف الدراسية بينما بإمكانه الحصول على علامة كاملة بمجرد مطالعته لملف على برنامج Powerpoint وهو يرتدي بيجامته في غرفته؟“

قياس وتقييم الأمور الخاطئة:

إذا كانت عروض الشرائح سيئة إلى هذا الحد، ما الذي يجعلها ذات شعبية كبيرة إذن؟

تقوم معظم الجامعات بقياس رضا الطلبة بدل قياس ما إذا كانوا يتعلمون أم لا، وبما أن المنظمات تصب تركيزها فيما تقيسه وتقيمه، وبما أن الطلبة يفضلون عرض شرائح الـPowerpoint لدى تلقي الدروس، فإن الـPowerpoint باقٍ بغض النظر عن فعاليته التعليمية.

تقيس المستشفيات مدى انتشار الأمراض ونسبة الوفيات جراء الإصابة بها، وتقيس الشركات التجارية العائدات والأرباح، وتقيس الحكومات معدلات البطالة وحجم الناتج المحلي العام، لكن الجامعات لا تقيس التعلم الذي يجب عليها أن توليه قدرا أكبر من الاهتمام للأسف.

من المفترض أن تقيس الاختبارات، والفروض، والبحوث، والمشاريع المعرفة أو الكفاءة التعلمية، فالتعلم قبل كل شيء هو التغير والنقل في المعارف والمهارت، ومنه يجب أن يتم قياسه مع مرور الوقت.

مدرج محاضرات في كلية الصحافة في جامعة (ميسوري)

مدرج محاضرات في كلية الصحافة في جامعة (ميسوري).

عندما نقرر محاولة قياس التعلم، فلن تكون النتائج جيدة، حيث أنه، وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، اكتشف بعض الباحثين أن ثلث خريجي الجامعات الأمريكيين لم يكن لديهم أي تحسن في مستوى التعلم خلال فترة تكوينهم المقدرة بأربعة سنوات في الجامعة.

كان هؤلاء الباحثون يختبرون تعلم الطلبة في بداية، ووسط، ونهاية تعليمهم وتخرجهم باستعمال أداة تدعى (تقييم التعلم الجامعي) Collegiate Learning Assessment، وهي الأداة التي تختبر المهارات التي يجب على أي مستوى دراسي أن يطورها لدى الطالب، مثل المنطق التحليلي، والتفكير النقدي، وحل الإشكاليات والمسائل، والكتابة والتحرير.

بإمكان أي جامعة استعمال نظام اختبار مماثل من أجل قياس مدى تعلم الطلبة لديها، وبقيامها بذلك فهي تمهد لتقييمات صارمة ودقيقة لطرائق تعليمية مختلفة، وسنكون بذلك قادرين على تحديد قدر العلاقة بين استعمال برنامج الـPowerpoint والتعلم.

كما سنكون قادرين على التحقيق في العشرات من العلاقات التعلمية، وتأسيس ما هو مفيد وما هو غير مفيد بالنسبة للعملية التعلمية التعليمية في نهاية المطاف.

للأسف، يبدو أن الكثير من الوسائل التعليمية الناجعة والأساسية تخفض رضا الطلبة ورغبتهم في التعلم، والعكس صحيح بالنسبة للوسائل التعليمية غير الناجعة، وطالما تستمر الجامعات في قياس رضا الطلبة وليس مقدار تعلمهم، فإن المنحى السلبي للمستوى التعلمي، وتناقص العمل الجاد والمجتهد، وقلة التعلم الجيد سيزداد سوءا.

عدد القراءات: 2٬006