in

أين تذهب كل تلك الفضلات البشرية في القارة القطبية الجنوبية؟

قد تكون القارة القطبية الجنوبية أكثر منطقة نظيفة على وجه الأرض، لكن الحفاظ عليها على هذه الحال يتطلب قدراً عظيماً من المجهودات. ترتفع نسبة سكان هذه القارة، التي تسمى أنتاركتيكا، والتي تتكون أساسا من الباحثين وطواقمهم المساعدة لتصل إلى 5000 نسمة خلال أشهر الصيف، كما يتعدى عدد السواح الذين يزورونها خلال ذروة موسم السفر إلى 40 ألف نسمة أحياناً.

والمشكلة هنا تكمن في أنه حيثما يوجد البشر فهناك دائماً فضلات بشرية، والكثير منها في معظم الحالات.

يعتبر التخلص من الفضلات البشرية مشكلة تؤثر على الكثير من المناطق المعزولة في العالم، مثل جبل (إيفرست) في النيبال والصين، و(دينالي) في ألاسكا. أعلنت الصين مؤخراً أنه يجب على متسلقي جانب التبت من أعلى قمة في العالم وهي قمة (إيفرست) أن يبدأوا بنقل فضلاتهم معهم عند مغادرة الجبل، بينما حذر العلماء في ألاسكا من أن الاحتباس الحراري قد يسبب ذوبان ما قدره 66 طناً من الفضلات البشرية المتجمدة القابعة على هذا الجبل.

هنالك قوانين دولية موضوعة من أجل السهر على أن القارة القطبية الجنوبية لن تتأثر بمشكلة من هذا النوع، حيث تتم حماية هذه القارة بموجب «بروتوكول حماية البيئة» ضمن ”اتفاقية القارة القطبية الجنوبية“ في سنة 1998، والذي ورد فيه: ”أن حجم الفضلات البشرية التي يتم طرحها أو التخلص منها في القارة القطبية الجنوبية يجب أن يُختزل من أجل حماية البيئة وبعض القيم الأخرى في أنتاركتيكا“.

غير أن معظم جوانب هذا القانون تركت للتأويلات المفتوحة والمختلفة، حيث تتنوع طرائق وإجراءات معالجة الفضلات من محطة أبحاث إلى أخرى. يتم في بعض الأحيان معالجة الفضلات ثم شحنها إلى دول مختلفة، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، ونيوزيلندا. وفي حالات أخرى تعالج الفضلات ثم يتم إلقاؤها والتخلص منها في المحيط.

كما تعتمد لوجيستية قضاء الحاجة بالنسبة للبشر بصورة يومية على المكان الذي يفعلون فيه ذلك في القارة القطبية الجنوبية، حيث تتضمن الكثير من محطات الأبحاث الكبيرة، بما في ذلك محطة (مكموردو) ومحطة (أموندسن-سكوت ساوث بول) الأمريكيتان، على مراحيض دافقة، غير أن وسائل الراحة العصرية هذه صعب العثور عليها أو مصادفتها في أماكن أخرى بعيداً عن القاعدة.

بدلا من المراحيض الدافقة والطرّادة للمياه، تعمل بعض محطات الأبحاث على معالجة نوعي الفضلات، السائلة والصلبة، بشكل منفصل، ومنه فهي توفر مراحيض منفصلة من أجل إتمام المهمة: مراحيض خاصة بالفضلات الصلبة وأخرى خاصة بالسائلة.

أما في الميادين، وبعيدا عن المحطات المجهزة بالمراحيض، يُجبر الباحثون على طرح فضلاتهم الصلبة في دلاء بينما يطرحون السائلة منها في قنينات، والنساء معنيات أيضاً بهذا الإجراء، وفي بعض المواقع، تستخدم كل من الصين والولايات المتحدة ما تسميه بـ”مراحيض الصواريخ“، التي تحرق الفضلات التي تُطرح داخلها وتحولها إلى رماد.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف» جمعنا لك عزيزي القارئ كيف تعمل محطتان مختلفتان للأبحاث في القارة القطبية الجنوبية على التعامل مع الفضلات البشرية ومعالجتها والتخلص منها:

محطة (مكموردو) التابعة للولايات المتحدة الأمريكية:

تعتبر محطة (مكموردو) الأمريكية الأكبر على القارة القطبية الجنوبية، وهي تقع جنوب نيوزيلندا على جزيرة (روس). تستقبل محطة الأبحاث هذه حوالي 850 زائراً خلال فصل الصيف الحافل، وهو ما يمكن ترجمته إلى الكثير من الفضلات البشرية.

على مدى عقود من الزمن، كانت المحطة تحول الفضلات البشرية عليها إلى جزيئات صغيرة الحجم ثم كانت تطرح هذا المنتج الثانوي مباشرة في المحيط. في سنة 1989، أخبر مسؤول في الولايات المتحدة صحيفة (نيويورك تايمز): ”لطالما كانت إجراءات التخلص من الفضلات في أنتاركتيكا مجلبة للعار، لكن خلال العقود القليلة الماضية عملنا على تصحيح الخطايا التي كانت الأجيال السابقة تقترفها“.

لم يكن حتى سنة 2003 حيث حصلت محطة (مكموردو) للأبحاث على منشأتها الخاصة لمعالجة الفضلات البشرية التي تم ربطها بشبكة الصرف الصحي.

تعمل المنشأة على الشكل الآتي: يتم سحق الفضلات بواسطة مطحنتين ضخمتي الحجم لتحويلها إلى جزيئات صغيرة، ثم تخضع هذه الجزيئات الصغيرة إلى عملية تنظيف وتطهير بالأشعة فوق البنفسجية، ثم يتم التخلص من المنتوج النهائي الذي يكون عبارة عن سائل مباشرة في المحيط.

ثم يتم التقاط أي فضلات صلبة يخلّفها إجراء المعالجة هذا ويتم شحنها إلى أمريكا على ظهر سفن الشحن التي تجلب الإمدادات لمحطة (مكموردو) للأبحاث بصورة سنوية. كما تنقل نفس السفن المواد القابلة للتدوير، وفضلات الطعام، والعينات العلمية التي يجمعها الباحثون لدى عودتها للولايات المتحدة الأمريكية.

يقول (بيتر ويست)، وهو مدير برنامج التوعية القطبية لدى «مؤسسة العلم الوطنية» الأمريكية التي تدير محطة (مكموردو): ”تأخذ الولايات المتحدة التزامها تجاه حماية البيئة على محمل كبير من الجدية، حيث يتم جمع كل الفضلات الصلبة من القارة ونقلها إلى الولايات المتحدة من أجل التخلص منها بصفة نهائية“، واستطرد بالقول: ”نحن نرسل حتى بعض الفضلات الآتية من المعسكرات الميدانية إلى الولايات المتحدة من أجل التخلص منها“.

محطة (ديفيس) الأسترالية للأبحاث:

كان الباحثون الأستراليون أيضاً يعانون من مشكلة كبيرة على علاقة بالفضلات البشرية، فبعد أن تعطلت منشأة معالجة الفضلات على مستوى محطة (دايفيس) الوطنية للأبحاث في سنة 2005، أصبح يتعين عليهم اللجوء إلى وسائل أخرى من أجل التخلص من الفضلات التي يخلفها ورائهم الباحثون وطواقمهم البالغ عددهم 120 شخصاً، والذين يقيمون في المحطة أيام فصل الصيف.

بدلاً من معالجة الفضلات، يقول الموقع الرسمي لقسم أنتاركتيكا الأسترالي : ”يتم حرق الفضلات أو التخلص منها مباشرة في البحر سواء بمعالجة قليلة أو بدون معالجة إطلاقاً“.

كان لطريقة التخلص من الفضلات هذه آثار وخيمة وسلبية جدا في الواقع، حيث كشفت دراسة أجريت سنة 2010 أن مواد الفضلات لم تكن تنتشر بشكل كامل وجيد بمجرد الإلقاء بها في البحر بواسطة أنابيب، بل كانت تتجمع وتتكدس في مناطق معينة، مما يعرض حيوانات الفقمة والبطاريق التي تعيش في المنطقة لمستويات عالية من البكتيريا.

ينتهي الأمر بهذه الملوثات داخل السلسلة الغذائية البحرية، حيث اكتُشف وجود بعض آثار هذه لفضلات البشرية في سمكة وحلزون.

من أجل التعامل مع هذه المشكلة، تم بناء منشأة جديدة لمعالجة مياه الفضلات على مستوى محطة (دايفيس)، التي تقع بالمناسبة على طول ساحل (إنغريد كريستنسن) على «أرض الأميرة إليزابيث». لكن قبل أن يتسنى لهم البدء في استخدامها، يجب عليهم انتظار تلقي الإشارة الخضراء من الميكروبات التي تسكنها، وكما يصف (مايكل باركر) الأمر، وهو مهندس لدى قسم أنتاركتيكا الأسترالي: ”تعتمد منشآت معالجة مياه الفضلات على الكائنات المجهرية لاستهلاك معظم الفضلات، ويتطلب الأمر بعضا من الوقت حتى تتضاعف أعدادها بالقدر الكافي الذي يخولها من أداء مهمتها عند إنشاء منشأة جديدة“، واستطرد بالقول: ”في أي مكان آخر من العالم، بإمكان الانطلاق في هذه العملية بسرعة من خلال إدخال نسب عالية من هذه الكائنات المجهرية، أما في القارة القطبية الجنوبية، الأمر معقد نوعاً ما لأننا لا نرغب في إدخال أنواع دخيلة على البيئة هنا“.

بمجرد أن بدأت هذه الكائنات المجهرية في أداء وظيفتها، انطلق عمل المنشأة في سنة 2016، وسرعان ما بدأت بتحويل الفضلات إلى: ”واحدة من أنظف المياه في العالم“ على حد تعبير موقع قسم أنتاركتيكا الأسترالي، وعندما يُشرع بالعمل بمرحلة أكثر تقدماً من هذه المعالجة في وقت ما خلال السنة الجارية، ستتحسن نوعية المياه المعالجة أكثر فأكثر، حيث يقول (باكر): ”ستكون المياه [التي تنتجها المنشأة] أنظف من مياه الحنفية في أي منزل في أستراليا“.

من هناك يتم التخلص من المياه في المحيط، وأما الفضلات الصلبة الناتجة عن العملية، فيتم تركيزها في دوارق ثم يتم شحنها إلى أستراليا.

وفي حالة كنت تتساءل عزيزي القارئ، أجل: تتضمن كل من محطات البحث الأسترالية الثلاثة على مراحيض دفق عصرية، أما فيما يتعلق بالباحثين الذين يتعين عليهم تلبية نداء الطبيعة في الخلاء، فيجب عليهم نقل فضلاتهم معهم عند عودتهم إلى المحطة حتى تتم معالجتها.

يكفي القول بأنك في حالة كنت تخطط لزيارة واحدة من أبعد المناطق في العالم وأكثرها عزلة، يجب عليك أن لا تنسى إحضار قنينتك معك.