شخصيات

قصة حياة (ليلي إلبي) الحزينة كأول متحولة جنسيا في العالم

التقى (إينار) بشخصيته الدفينة (ليلي) بعد وقت وجيز من زواجه بـ(جيردا) في سنة 1904، وكانت زوجته (جيردا) رسامة موهوبة مختصة في رسم لوحات بورتريه للنساء في ثيابهن وحليهن الفاخرة لفائدة مجلات الموضة.

خلال واحدة من جلسات الرسم خاصتها، تأخرت العارضة التي كان من المقرر لها رسمها ولم تحضر في نهاية المطاف، فاقترحت ممثلة صديقة كانت في الاستوديو آنذاك بصحبة كل من (جيردا) وزوجها (إينار) تدعى (لارسون) أن يتموضع (إينار) الزوج بدل العارضة المتغيبة لترسمه (جيردا) وكأنه امرأة.

(ليلي إلبي) في أواخر عشرينات القرن الماضي

(ليلي إلبي) في أواخر عشرينات القرن الماضي

رفض (إينار) ذلك المقترح في البادئ لكن بإصرار من زوجته قبِل في نهاية المطاف، فارتدى ملابس راقصة باليه فاخرة وجلس لترسمه زوجته، وهناك عبّرت الممثلة (لارسون) عن انبهارها بجماله الأخاذ في هيئة امرأة.

فقالت زوجته (جيردا): ”حسنا، سنسميك (ليلي)“، وفي ذلك اليوم وُلدت (ليلي إلبي).

للسنوات الخمس والعشرين المقبلة، لن يشعر (إينار) في داخله بأنه شخص وكيان واحد، بل صار يشعر وكأنه شخصان يعيشان في جسد واحد ويتصارعان باستمرار من أجل الهيمنة والسيطرة على ذلك الجسد المسكين، كان واحد من هذين الشخصين هو (إينار ويغنر) رسام مناظر طبيعية دانماركي وزوج مخلص لزوجته العنيدة، وكان الشخص الثاني هو (ليلي إلبي) الفتاة المتحررة الجامحة وغير المبالية، التي كانت أمنيتها الوحيدة هي أن تحمل بطفل.

صورة (إينار ويغنر) وشخصيته الدفينة (ليلي إلبي)

صورة (إينار ويغنر) وشخصيته الدفينة (ليلي إلبي)

في نهاية المطاف هيمنت شخصية (ليلي إلبي) تلك المرأة التي لطالما شعر بأنها تمثل كل ما كان يرغب في أن يكون عليه، هذه المرأة التي ستصبح في المستقبل أول شخص يخضع لعمليات جراحية لتغيير الجنس، ممهدة بذلك الطريق لحقبة جديدة من فهم وحماية حقوق مجتمع الميم LGBT.

وصفت (إلبي) في سيرتها الذاتية كيف لعبت تلك الجلسة التي ارتدى فيها (إينار) ملابس راقصة الباليه دور العامل المفعِّل الذي فتح الباب أمام (ليلي إلبي) للبروز والخروج للنور في قولها: ”لا يسعني نفي أنني استمتعت بنفسي كثيرا في ذلك الثوب، على الرغم من أن الأمر يبدو غريبا“، وأضافت: ”لقد أُعجبت بملمس الثياب النسائية الناعم، لقد جعلني ارتداء تلك الملابس أشعر وكأنني حيث أنتمي لأول مرة في حياتي“.

كانت (جيردا) دائما تشجع زوجها (إينار) على ارتداء ملابس نسائية والتنكر تحت شخصية (ليلي) عندما كان الاثنان يخرجان معا، سواء كانت تعلم آنذاك بالصراع النفسي الذي كان يجري داخله أم لا، وقد كانت الإثنتان تتأنقان في ثياب نسائية فاخرة وباهضة الثمن بالإضافة إلى الفراء النادر والحلي الفاخر، وكانتا تحضران الحفلات والتظاهرات الاجتماعية التي كانت تقام في المدينة، وكانتا تخبران الجميع بأن (ليلي) كانت شقيقة (إينار) العارضة التي أتت لزيارتهما ولمساعدة (جيردا) على رسم لوحاتها الفنية لفائدة المجلات.

صورة (جيردا ويغنر)

صورة (جيردا ويغنر)

غير أنه لم يمض وقت طويل أن بدأ كل من كان مقربا من الثنائي يشكك فيما إذا كانت شخصية (ليلي) مجرد لعبة صبيانية عابرة أم حقيقة متأصلة في نفس (إينار)، حيث أنه كان يبدو أكثر ارتياحا وسعادة عندما يكون (ليلي)، وبعد فترة وجيزة اعترف (إينار) لزوجته (جيردا) بأنه لطالما كان (ليلي) في قرارة نفسه، وأنه أخيرا ترك (إينار) يرحل دون رجعة.

على الرغم من أن علاقتهما كزوج وزوجة لم تعد قائمة بعد ذلك أبدا، غير أن (جيردا) لم تفارق (ليلي) وبقيت إلى جانبها دائما تؤازرها، ومع مرور الوقت أصبحت أكثر مشجعاتها والمدافعين عنها.

لم يمض وقت طويل حتى انتقل الزوجان إلى باريس، حيث كان بإمكان (ليلي) أن تعيش بحرية وانفتاح أكثر كامرأة مستقلة، واستمرت (جيردا) في الرسم مستعينة بـ(ليلي) كعارضة للوحاتها الفنية، التي كانت تقدمها لكل من كانت تتعرف عليهم على أنها صديقتها (ليلي) بدلا عن كونها زوجها (إينار).

بورتريه عن (ليلي إلبي) من إبداع (جيردا ويغنر)

بورتريه عن (ليلي إلبي) من إبداع (جيردا ويغنر)

كانت الحياة بالنسبة لـ(ليلي) في باريس أفضل بأشواط عما كانت عليه في الدنمارك، لكنها سرعان ما اكتشفت أن سعادتها تلك نَفِذت، فعلى الرغم من كون ملابسها كانت تعكس صورة فتاة جميلة، غير أن جسمها مازال جسم رجل.

فكيف لها أن تعيش كامرأة حقيقية دون مظهر خارجي يبرز أنوثتها الداخلية؟ ومنه انجرفت (ليلي) إلى عالم مظلم من الاكتئاب مثقلة بعبئ مشاعر لم تكن تملك حتى الكلمات المناسبة لوصفها.

في تلك الأثناء التي كانت (ليلي) تعاني فيها من صراع داخلي مرير مع نفسها، لم يكن العالم يعرف بعدُ للتحول الجنسي أي معنى، فلم يكن هناك حتى مصطلح لوصف الحالة، حيث أن حتى المثلية الجنسية كانت مفهوما غامضا وغير منتشر آنذاك، وهي التي كانت أقرب مصطلح لوصف الحالة التي كانت تشعر بها (ليلي)، لكنها لم تكن كافية تماما.

لمدة ستة سنوات كاملة، عاشت (ليلي إلبي) في حالة اكتئاب قاتلة، فكانت تبحث باستمرار عمن يفهم مشاعرها ويساعدها في محنتها، وفي نهاية المطاف أصبحت تفكر جديا في الانتحار، بل كانت قد حددت تاريخا لوضع حد لحياتها.

ثم علمت بأمر طبيب ألماني يدعى (ماغنوس هيرشفيلد) الذي افتتح في بداية عشرينات القرن الماضي عيادة عرفت باسم (المعهد الألماني لعلوم الجنس)، وفي هذا المعهد كان (ماغنوس) يدّعي أن كان يدرس أمرا عرّفه على أنه ”التحول الجنسي“، وأخيرا، وُجد مصطلح ومفهوم وتصور لما كانت (ليلي) تشعر به وتمر خلاله.

مما زاد حماسها، أن الطبيب (ماغنوس) افترض عملية جراحية يستطيع من خلالها تحويل جسم (ليلي) بشكل نهائي من ذكر إلى أنثى، ودون التفكير في الأمر بتاتا، قبلت بمقترحه وسافرت إلى (دريسدن) في ألمانيا مسرعة للخضوع للعملية الجراحية.

خلال فترة السنتين التي تلت ذلك، خضعت (ليلي إلبي) لأربعة عمليات جراحية ”تجريبية“ كبيرة، والتي كان بعضها الأول من نوعه آنذاك: خضعت في بادئ الأمر لعملية قسطرة، ثم تلى ذلك عملية زرع زوج من المبايض، ثم خضعت لعملية جراحية ثالثة بعد وقت وجيز من ذلك، التي بقيت غامضة ولم يتم اكتشاف غايتها ولا تفاصيلها بدقة. بقيت كل تلك الإجراءات الطبية التي خضعت لها مجهولة بتفاصيلها لأن المعهد الألماني لعلوم الجنس دُمِّر على يد النازيين في سنة 1933.

كانت كل تلك العمليات الجراحية التي خضعت لها ثورية واعتبرت سابقة لأوانها، ليس لكونها الأولى التي أجريت من هذا النوع، بل لأن الهرمونات الجنسية الاصطناعية كانت آنذاك مجرد فرضيات مكتوبة على أوراق ولم يتم تطويرها بعد.

بعد نجاح العمليات الجراحية الثلاثة التي خضعت لها (ليلي)، أصبحت بذلك قادرة بشكل رسمي على تغيير اسمها بصورة قانونية، وحصلت على جواز سفر يصف جنسها على أنه ”أنثى“ لأول مرة في حياتها، فاختارت بذلك اسم الشهرة (إلبي) تيمنا بالنهر الذي كان يجري بالبلد الذي وُلدت فيه من جديد.

ولأنها أصبحت الآن امرأة بشكل رسمي وقانوني، اعتبر ملك الدنمارك زواجها من (جيردا) لاغيا وباطلا، وبسبب حياة (إلبي) الجديدة قررت (جيردا) التنحي جانبا والمضي في حياتها هي الأخرى تاركة إياها تعيش حياتها مثلما حلمت به دائما، وبالفعل كان ذلك ما قامت به، وفي نهاية المطاف قبلت بعرض زواج تقدم به صديق قديم لها.

(ليلي إلبي) و(كلود)، الرجل الذي أملت أن تتزوج منه.

(ليلي إلبي) و(كلود)، الرجل الذي أملت أن تتزوج منه.

لم يبق هناك سوى أمر واحد أخير كانت ترغب في القيام به حتى تكتمل سعادتها وتتزوج وتبدأ حياة جديدة كزوجة، وهو عمليتها الجراحية الأخيرة.

كانت هذه العملية الجراحية الأخيرة المقرر إجراؤها على (ليلي) هي الأكثر إثارة للجدل والأولى من نوعها حتى نظريا، حيث تضمنت زرع رحم داخل جسمها بالإضافة إلى تكوين مهبل اصطناعي.

يعتقد أطباء اليوم أنه كان من المستحيل على العملية الجراحية أن تنجح آنذاك، غير أن (إلبي) وقتها أملت في أن تمكّنها تلك العملية الأخيرة من تحقيق حلمها في أن تصبح أما.

للأسف لم تعش أحلامها طويلا، فسرعان ما سقطت فريسة للمرض الشديد بعد خضوعها للعملية الجراحية بسبب كون أدويةَ تثبيطِ رفض الجهاز المناعي للأنسجة والأعضاء المزروعة بدائية جدا آنذاك، وعلى الرغم من كونها كانت تعلم جيدا بأنها لن تشفى من مرضها ذلك، غير أنها كتبت رسائل كثيرة لأفراد عائلتها تصف فيها السعادة التي كانت تشعر بها بعد أن أصبحت أخيرا المرأة التي لطالما حلمت أن تكون عليها.

ورد في إحدى رسائلها: ”إنني أنا (ليلي).. أشعر بأنني حية وأتمتع بحق عيش الحياة التي أردتها خلال مدة أربعة عشر شهرا“، وأضافت: ”قد تبدو مدة 14 شهرا غير كافية، غير أنها كانت بالنسبة لي مثل حياة سعيدة كاملة“.

المصادر

عدد القراءات: 26٬690