تاريخ

دخلك بتعرف تاريخ الصليب المعقوف وكيف وصل استعماله إلى النازيين؟

مجموعة من القطع النقدية الأثرية التي تتضمن الصليب المعقوف
مجموعة من القطع النقدية الأثرية التي تتضمن الصليب المعقوف

يعتبر الصليب المعقوف واحدا من أكثر الرموز المشهورة حول العالم والمشحونة عاطفيا والسبب معلوم: اتخاذ النازيين منها رمزا لهم بالطبع، لكن بالنسبة لعدد كبير جداً من الهندوس في الهند والعديد من الحضارات والثقافات حول العالم، فإن هذا الرمز لطالما زين معابدهم وتماثيلهم وأصنام آلهتهم لآلاف السنين.

يرمز الصليب المعقوف لدى الكثير من الحضارات إلى الرخاء وحسن الطالع، حتى أن كلمة (سواستيكا) نفسها باللغة السنسكريتية القديمة تعني ”الذي يؤدي إلى الرخاء“، فهو رمز عريق يعود تاريخه إلى 12000 سنة في الماضي، والذي مازال يستعمل إلى يومنا هذا.

لكن النازيين باعتمادهم لهذا الرمز في غضون خمسة وعشرين سنة فقط، تسببوا في محو تاريخه المجيد وحرّفوا معناه الحقيقي وربطوه إلى الأبد بكل ما هو سلبي، هذا الرمز الذي كان في يوم من الأيام يرمز إلى كل ما هو إيجابي وجميل.

قد يبدو تبني النازيين المفاجئ لهذا الرمز في سنة 1920 أمرا غريبا نظرا لمعناه الأصلي وارتباطه الوثيق بالشعب الذي كان النازيون ينظرون إليه على أنه ”جنس أدنى“، ومنه يجعلنا هذا نتساءل: كيف وصل استعمال وتبني هذا الرمز إلى النازيين يا ترى؟

يعود أول الأسباب الذي جعل النازيين يتبنون رمز الصليب المعقوف إلى مدينة (طروادة) القديمة، ليس في تلك الحقبة التي كان الطرواديون مازالوا يعيشون فيها داخل حصنهم المنيع، بل في سنة 1871 بالضبط حيث اكتشفت المدينة الأثرية أول مرة من طرف رجل الأعمال وعالم الآثار الألماني (هينريك سكيلمان).

(هينريك سكيلمان)

(هينريك سكيلمان)

لم يكن (سكيلمان) بالطبع نازيا آنذاك ذلك أن النازية لم تنشأ بعد، بل كان مهووسا بالعثور على مدينة (طروادة) التي ذكرها (هوميروس) في إلياذته، حيث كان يعتبر الإلياذة أكبر من مجرد سرد لأساطير قديمة، بل أنه كان يرى فيها خريطة، ونصًّا قديما وجد فيه الكثير من الأدلة والمفاتيح التي قد تقوده مباشرة إلى المدينة الشهيرة المفقودة.

وهو ما نجح في القيام به تماما، حيث بمواصلته لأعمال بحث وتنقيب سبقه في القيام بها عالم الآثار الإنجليزي (فرانك كالفرت)، عثر (سكيلمان) على الموقع الذي كان يعتقد إلى حد بعيد على أنه مكان تواجد مدينة (طروادة) التاريخية، وكان هذا الموقع يقع على أحد سواحل تركيا اليوم، المطلة على بحر (إيجه).

هناك استعمل الكثير من وسائل التنقيب من أجل الحفر عميقا في أسرع وقت ممكن، فوجد سبعة طبقات من الحضارات الأخرى متراكمة فوق بعضها البعض قبل أن يعثر أخيرا على طروادة في أسفلها.

أدوات قديمة أثرية استخرجها فريق (سكيلمان) من موقع التنقيب في (طروادة)

أدوات قديمة أثرية استخرجها فريق (سكيلمان) من موقع التنقيب في (طروادة)

وخلال كل تلك الطبقات التي شكلت في يوم من الأيام مُدنا وحضارات عريقة، عثر (سكيلمان) على الكثير من الأدوات والقطع الأثرية الفخارية المزينة برمز الصليب المعقوف، وكان قد وجد على الأقل 1800 نوع من هذا الرمز.

بعد التنقيب عن مدينة (طروادة)، راح (سكيلمان) يعثر على الصلبان المعقوفة تقريبا في كل مكان أثري ينقب عنه من اليونان القديمة، إلى التيبت، إلى بابل، وصولا إلى آسيا الصغرى، وبشكل مثير للسخرية كان قد ربط هذا الرمز بأحد الحروف الأبجدية العبرية وهو حرف ”تاو“ الذي كان يرمز ”للحياة“، والذي كان اليهود المؤمنون قديما يرسمونه على جباههم.

غير أن بعض الباحثين، على غرار مؤلف كتاب (ذا سواستيكا) -الصليب المعقوف- (مالكوم كوين)، أجمعوا على أن (هينريك سكيلمان) لم يكن في واقع الأمر يعرف ما تعنيه كل تلك الرموز، بل كان يعتمد على مصادر أخرى لترجمة معانيها له.

كنيسة بيزنطية في إسرائيل اليوم

صلبان معقوفة لا علاقة لها بالنازية في كنيسة بيزنطية في إسرائيل اليوم

كان (إيميل بيرنوف) واحدا من تلك المصادر التي اعتمدها (سكيلمان) في ترجمة معاني الرموز الأثرية التي كان يعثر عليها، وكان (بيرنوف) باحثا في الديانات والأدب الهندي القديم لدى المدرسة الفرنسية في آثينا وهي معهد علوم آثار راقٍ، وكان معروف عنه كونه من أشد المعادين للسامية، وكان يعمل لدى (سكيلمان) كراسم خرائط، لكنه كان في الحقيقة معلّما أكثر منه مساعدا.

ولأن الصليب المعقوف اشتهر بوجوده في النصوص الهندية الدينية والثقافية القديمة، حوّل (بيرنوف) انتباهه إلى ملحمة هندوسية مقدسة قديمة بعنوان (ريغفيدا) من أجل ترجمة معنى الصليب المعقوف -أو تحريفه في حقيقة الأمر-.

معبد هندوسي في إندونيسيا اليوم

صلبان معقوفة لا علاقة لها بالنازية في معبد هندوسي في إندونيسيا اليوم

فسيفساء رومانية قديمة في إسبانيا اليوم

فسيفساء رومانية قديمة في إسبانيا اليوم

فريق كرة سلة أمريكي في الولايات المتحدة

فريق كرة سلة أمريكي في الولايات المتحدة

بالإضافة إلى أن هذا النص الهندي المقدس والقديم بالذات كان غنيا بالمراجع التي وضحت معنى الصليب المعقوف، فإنه كان مليئا كذلك بمصطلح الـ(آريانز) Aryans أو ”الآريون“، واستعمل هذا المصطلح بالذات في هذه النصوص للإشارة إلى أحد الشعوب القديمة التي استوطنت الهند حاليا في القرن السادس قبل الميلاد، وكان هؤلاء الشعوب يشيرون إلى أنفسهم على أنهم شعب ”متوفق“ لغويا ودينيا على بقية الشعوب والمكونات العرقية التي عاشت في تلك المنطقة آنذاك.

صحيح أن مصطلح ”آريون“ بهذا المعنى بالذات كان يستعمل من طرف هؤلاء الشعوب للدلالة على أنفسهم على أنهم متفوقون وذوو أفضلية على بقية المكونات العرقية آنذاك في تلك المنطقة، ونشأت بعدها بعض النظريات التي تفيد بأن الآريين غزوا الهند واستوطنوها قادمين من الشمال منذ آلاف السنوات في الماضي، وقاموا بترحيل سكانها الأصليين ”ذوي البشرة الداكنة“ إلى أماكن أخرى.

غير أن (بيرنوف) أساء ترجمة وفهم -سواء عمدا أم إهمالا- التفوق والأفضلية العرقية التي توحي بها هذه المصطلحات داخل هذه النصوص وراح يروج لها.

تحجج (بيرنوف) وبعض المفكرين والكتّاب في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر بوجود رمز الصليب المعقوف في كل من النصوص الهندية القديمة ومدينة طروادة الأثرية للاستنتاج بأن ”الآريين“ كانوا ذات يوم السكان الأصليين في طروادة، التي عثر عليها (سكيلمان).

وبما أن (سكيلمان) تمكن من العثور على رمز الصليب المعقوف في أماكن أخرى في أوروبا وآسيا إلى جانب طروادة، لم يتوان مفكرون ونظريون على غرار (بيرنوف) في نسج نظرية عرق من ”الأسياد المتفوقين“ مدعين بأن ”الآريين“ مع رمزهم الصليب المعقوف انتقلوا من طروادة إلى آسيا الصغرى وصولا إلى شبه القارة الهندية، مستعمرين كل تلك الأراضي ومثبتين بذلك أفضليتهم العرقية وتفوقهم حيثما حلوا.

ألمان يمينيون متطرفون ثوريون يشاركون فيما عرف بـ(كاب بوتشه) في سنة 1920، وهي محاولة انقلاب ضد جمهورية (فايمار) بعد أن أصدرت الحكومة أمرا بحل  بإمكانك عزيزي القارئ ملاحظة رمز الصليب المعقوف في مقدمة الشاحنة التي يستقلونها.

ألمان يمينيون متطرفون ثوريون يشاركون فيما عرف بـ(كاب بوتشه) في سنة 1920، وهي محاولة انقلاب ضد جمهورية (فايمار) بعد أن أصدرت الحكومة أمرا بحله، بإمكانك عزيزي القارئ ملاحظة رمز الصليب المعقوف في مقدمة الشاحنة التي يستقلونها.

ثم بعد أن قام بعض اللغويين بإنشاء نوع من العلاقة والترابط بين اللغة الآرية القديمة واللغة الألمانية الحديثة، انضم الكثير والكثير من الألمان إلى موجة القومية هذه الآخذة في النمو، وذلك قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، وبدأت بعض الأصوات تتعالى وتنادي بأن هوية الجنس الآري ”السيد والمتفوق“ ما هي إلا هويتهم، وأنهم أحفاد هذا الشعب.

تبنت العديد من المجموعات القومية الألمانية المعادية للسامية على غرار قوات الـ(فرايكوربس) البافارية -وهي مجموعات مرتزقة شبه عسكرية التي أرادت وحاولت تنفيذ انقلاب على الجمهورية (فايمار)- مبدأ الترابط والعلاقة بين الهوية الألمانية والجنس الآري المتفوق واتخذت من الصليب المعقوف رمزا للقومية الألمانية (قبل أن يفعل النازيون ذلك).

وكان سبب تبني الحزب النازي الألماني لرمز الصليب المعقوف في سنة 1920 هو لأنه كان قد استعمل من قبل من طرف بعض المجموعات القومية والمعادية للسامية في ألمانيا، وبعد أن وصل النازيون للسلطة في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، أصبح الصليب المعقوف ملازما للحملات الترويجية للحزب والفعاليات الرياضية والمباني الحكومية والأزياء الرسمية، وحتى أنه تواجد في تزيين أشجار الميلاد، وهذا ما سهّل من عملية برمجته لاشعوريا في أذهان الحشود، على الرغم من أن معناه الحقيقي كان مغايرا لذلك تماما.

صلبان معقوفة نازية تزين المباني الحكومية في ألمانيا، برلين سنة 1937

صلبان معقوفة نازية تزين المباني الحكومية في ألمانيا، برلين سنة 1937

ومنه يعزى سبب تبني وارتباط المفهوم الحالي لمعنى الصليب المعقوف بالتمييز العنصري ومعاداة السامية إلى إهمال وتحريف بعض الباحثين للنصوص القديمة التي اكتشفوها، لكن لا شيء من هذا كان ليحدث لولا اكتشافه أول مرة من طرف الباحث في علوم الآثار (هينريك سكيلمان).

المصادر

عدد القراءات: 11٬324