in

أغرب ما عُثر عليه في كتب العصور الوسطى

كتاب من العصور الوسطى به آثار قائمة قطة

يحافظ العديد من القراء على كتبهم جديدة فيبتعدون عن ثني الصفحات لتحديد أين وصلوا في القراءة، ويمتنعون عن تدوين ملاحظاتهم على الكتاب نفسه أو تخطيط السطور المهمة بالنسبة لهم، لكننا حينما نأتي لأحد الكتب المدرسية نجدها تعج بالرسومات والعبارات والملاحظات، بالإضافة إلى أنك لابد أن تكون قد سكبت في يومٍ ما ماءاً مغلياً أو قهوة ساخنة فوق أحد كتبك.

إن هذه ليست بالأمور الجديدة، فمنذ أن ظهرت الكتب والناس –وأحياناً الحيوانات– يتركون بصماتهم عليها، وإن ذهبت في يومٍ من الأيام إلى إحدى المكتبات العامة واستعرت أحد الكتب القديمة، فقد تجد فيها شيئاً ما، شيئاً قد يجلب معه لمحة من الماضي.

في مقالنا هذا، أوردنا لكم مجموعة من أغرب ما عُثر عليه في كتب العصور الوسطى، تابعوا معنا القراءة:

القطة التي تركت بصمتها على أخطوطة من العصور الوسطى في القرن الرابع عشر في كرواتيا:

كتاب من العصور الوسطى به آثار قائمة قطة
على ما يبدو؛ داست القطة على الحبر ثم قررت أن تسير على كتاب مالكها. صورة: Emir Filipović

لم تكن الكتب في ذلك الوقت عصية عن التخريب، وخصوصاً في أثناء كتابتها، إذ أن تصنيع الكتب كان مكلفاً للغاية في وقت لم تكن الطباعة فيه قد اخترعت بعد، وكانت تتم كتابة الكتب يدوياً، وهكذا فإن الخطاً أيضاً كان مكلفاً للغاية، فكان الكاتب أغلب الوقت حين يخطىء في الكتابة يشطب خطأه ويتابع، إلا في حالة كان الخطأ كبيراً أو غير قابل للتصويب.

وقد عدت هذه الأخطاء إحدى الأمور التي جعلت كل كتاب أمراً فريداً، فاعتبر الكتاب ناتجاً مباشراً من العقل البشري إلى الصفحات، لكنهم كانوا في بعض الأحيان ناتجاً ”قططيّاً“ كذلك، وهذا ما يظهر جليّا في الصورة السابقة، إذ أن قطةً فضولية تركت بصمتها أيضاً بين صفحات هذا الكتاب.

إنّ أول من لاحظ هذه البصمة هو طالب الدكتوراه Emir Flipovic، وكان ذلك حينما وجد المخطوطة في جامعة (سارجيفو) في (دوبروفينك) بكرواتيا، حيث وجد طبعة لقائمة قدم قطة من الممكن أنها مرت فوق الكتاب حينما كان الكتاب لايزال يُكتب، ولكن ما يستبعد هذه النظرية هو أن موضع قائمتها يشير إلى أن أوراق الكتاب كانت قد جمعت ونضدت ولهذا فمن المرجح أن القطة قد داست على الكتاب حينما كان الكاتب يصنع نسخة أخرى من الكتاب فتركه مفتوحاً والباقي كان على القطة، وأحد داعمي هذه الفكرة هي (كايت ويلز) الخبيرة في مجال اللغويات في العصور الوسطى.

بالطبع أزعج ذلك الكاتب لكن كونه من القرن الرابع عشر فقد كان حليماً بهذا الشأن فترك الصفحة وتابع الكتابة.

الدجاجة التي اجتازت كتاباً بدل الطريق:

بصمات لأرجل دجاجة كانت تتمشى فوق إنجيل
بصمات لأرجل دجاجة كانت تتمشى فوق إنجيل. صورة: مدونة مكتبة جامعة (غلاسكو)

استمرت ظاهرة ترك حيوانات المزرعة بصماتهم على الكتب حتى بعد ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر. يظهر في الصورة الإنجيل وقد خطى عليه طائر ما، أغلب الظن أنه دجاجة داست بأقدامها فوق صفحات الإنجيل المفتوح.

رسمات الأطفال الحالمين:

كانت بعض رسومات الأطفال مبدعة للغاية
كانت بعض رسومات الأطفال مبدعة للغاية. صورة: Eric Kwakkel/Tumblr

عارض كاتب هولندي في القرن السادس عشر مزج اثنين معاً: وهما الأطفال والكتب، قائلاً أنه إن أردت أن تحافظ على سلامة كتاب فيجب أن تمنع أي تماس بينه وبين طفل، بل وقام بكتابة أحد الكتب في حوالي 1572م بعنوان How One Shall Preserve All Books to Last Eternally، ومعناه «كيف يحفظ المرء كتابه من التلف للأبد»، ويحوي الكتاب قائمة بثمانية قواعد يجب اتبعاها، منها عدم الكتابة على هوامش الكتب، وأن لا يوضع الكتاب بالقرب من موقد النار، وعدم الإمساك بالكتاب بأصابع غير نظيفة… وغيرها.

على الرغم من هذه القواعد فقد خرق الكاتب قاعدته الأولى وأضاف كتابة في هامش إحدى الصفحات تقول: ”وآخر القواعد هي أن لا تعطي كتابك لأي طفل“، وذلك لأن هذا الأمر سيعرض الكتاب لعواقب وخيمة، وأضاف الكاتب: ”يجب على الشخص أن لا يسمح للأطفال بالتعلم من أي كتاب إن كان ينوي الحفاظ على كتابه سليماً، فإن أي شيء يقع في قبضة الصغار يبقى هناك أو يتلف“.

رسمة لطفل في كتاب من العصور الوسطى
أسلوب الشرغوف: وهو حين يرسم الأطفال الأشخاص البالغين برؤوسٍ مربعة وأرجل طويلة. صورة: Cogent OA

لكن ما حدث هو أن كل كتاب وقع بين أيدي الصغار انتهى الأمر به مليئاً برسوماتٍ ظريفة. عادة ما يرسم الأطفال الأشخاص البالغين برؤوس مربعة وأطرافٍ طويلة، وهذا ما يبدو واضحاً في الصورة السابقة، إذ يظهر شخص بالغ برفقة بقرة أو عنزة، ومن الواضح أن هذا الرسم من فعل طفل صغير إذ يميل الأطفال حين رسم البشر إلى تقليص الرسم إلى الأشياء الأكثر أهمية من وجهة نظرهم: وهي الرأس والأطراف.

تعج الكتب الأدبية في العصور الوسطى برسومات مماثلة، ويطلق على ذلك النوع من الرسومات Tadpole Figures أي «شخصيات الشرغوف»، والسبب وراء رسم الأطفال للبالغين بهذا الشكل هو كون مهاراتهم الحركية لا تزال غير ناضجة كفاية، ومن هنا تأتي الأقدام والأذرع الطويلة.

تقول عالمة النفس التنموي (روساليند أدريان) أن أسلوب الشرغوف المستخدم في هذه الرسومات يدل على أن الأطفال في حوالي الرابعة من عمرهم، وما سهل عملية تحديد أعمار هؤلاء الأطفال هو رسمهم لأقدام تشكل ثلثي حجم الشخص كاملاً، إن هذا الأمر يتغير بالطبع مع تقدم الأطفال بالعمر، إذ تتطور قدرتهم على تحديد المقاييس الصحيحة للجسم البشري.

هنالك أمر آخر مميز بالنسبة للرسمة السابقة، وهو أمر يرجح وجوده بسبب كون الأطفال فضوليين على الدوام، وهذا ما دفع الطفل الذي قام برسم هذه الصورة إلى أن يطمس أعين الجسم جاعلاً إياها كبيرة وممتلئة.

لم تكن الخربشات وطبعات الأقدام هي الأشياء الوحيدة التي تُركت في الكتب، فقد نسي أحدهم نظاراته داخل كتاب:

تشير الأدلة إلى أن أولى النظارات قد اخترعت في القرن الثالث عشر، ومنذ ذلك الحين والناس يتركون نظاراتهم طي النسيان في أماكن غريبة، وتتضمن تلك الأماكن الكتب بالطبع، ولعل الناس كانوا يستخدمون نظاراتهم كإشارة للدلالة إلى أين وصلوا في قراءة كتاب ما لينتهي الأمر بهم إلى ترك نظاراتهم بين صفحات الكتب إلى أجل غير مسمى!

كتاب قديم من العصور الوسطى
يبدو أن أحدهم نسي نظاراته هنا! صورة: The Harry Ransom Center Magazine

تظهر بعض اللوحات والرسومات في كتب العصور الوسطى مصورةً أشخاصاً يرتدون نظارات، وتحوي كتبٌ أخرى أدلةً مادية على الأمر!

يظهر في الصورة السابقة أثرٌ لنظارة وضعت بين صفحات كتاب يعود إلى القرن الخامس عشر وبالتحديد إلى مدينة (فيينا) في إيطاليا. كتب Micah Erwin لمجلة Ransom Center قائلاً أن النظارات الطبية قد اخترعت حوالي نهاية القرن الثالث عشر من قبل راهب عاش بالقرب من (بيزا) في إيطاليا.

تألفت أولى النظارات من زوجين من الزجاج المحدب واللذين يحيط بهما إطار مصنوع من العظم أو الحديد ويتم وصل الجزئيين ببعضهما فوق الأنف بوساطة برشام، ويمكن أن تثبت هذه النظارات فوق الأنف أو أن يتم الأمساك بها فوق الأعين ريثما ينتهي الشخص من استخدامها.

امتلكت النظارات في النسخ الأحدث إطاراً جلدياً وأحياناً إطاراً مصنوعاً من الأسلاك، نعلم هذا بفضل العينات الباقية وكذلك من اللوحات التي رسمت في تلك الفترة.

قُدم لنا أقدم تصويرٍ لنظارات طبية من قبل فنان عمِل على لوحة جداريّة زَيّنت ديرًا دومينيكيًا في (تريفيزو) بإيطاليا وذلك في عام 1352م. يعتقد العديد من الباحثين أنه بحلول نهاية القرن الخامس عشر كانت النظارات قد أصبحت أمراً شائعاً في معظم أنحاء أوروبا، وقد استوردت دول مثل انجلترا الآلاف من الأزواج، وبهذا أصبحت (فلورنسا) مركزاً رئيساً لتصنيع النظارات، منتجة بعض من أفضل وأعلى مستويات الجودة في ذلك الوقت.

دليل آخر لإستخدام أحدهم نظاراته كإشارة إلى أين وصل بالقراءة ثم نسيانه إياها
دليل آخر لإستخدام أحدهم نظاراته كإشارة إلى أين وصل بالقراءة ثم نسيانه إياها. صورة: Eric Kwakkel/Tumblr

إن الأدلة المادية لهذه النظارات قليلة ونادرة خصوصاً تلك التي كانت تثبت بالبرشام، لم يجد علماء الآثار سوى زوجاً واحداً من النظارات في هذه المدينة القديمة بالرغم من كون إنتاجها في ذلك الوقت كان ضخماً، والأمر سيان في الولايات المتحدة، رغم احتواء مكتباتها على آلاف المخطوطات والكتب التي تعود إلى العصور الوسطى، إذ لم يتم العثور سوى على زوجٍ واحد من النظارات في مكتبة Folger Shakespeare وذلك داخل النسخة 46 من The First Folger، وهي أولى النسخ المنشورة لمسرحيات (شيكسبير) والتي طبعت عام 1623م، وعثر أيضاً على أثر لزوج من النظارات في مجلد يعود إلى القرن السادس عشر في الجامعة الكاثوليكية في (واشنطن).

قام أحد الباحثيين المختصين بالعصور الوسطى بتفحص 3000 كتاب ضمن الولايات المتحدة ولم يعثر سوى على زوج واحد من النظارات القديمة منسياً في كتاب.

وجد العديد من الأشخاص أن أفضل مكان للتدرب على الرسم هو كتبهم نفسها:

كان يتم الرسم في أغلبية الأحيان داخل الحروف الكبيرة في أول الكلمة
كان يتم الرسم في أغلبية الأحيان داخل الحروف الكبيرة في أول الكلمة. صورة: Erik Kwakkel/Leiden

عندما يتعلق الأمر بكتب العصور الوسطى، يجب أن نتفحص دوماً الصفحات الأخيرة لأنها المكان الذي يحوي العديد من الاكتشافات المذهلة، وقد لاحظ البروفيسور Eric Kwakkel، وهو بروفيسور في تاريخ الكتب في جامعة (كولومبيا) البريطانية، أن الكتاب والخطاطين في تلك الفترة كانوا يتدربون على الرسومات ويجربون ريش الكتاب على الصفحات الأخيرة، وقد كان العديد من تلك الرسومات غريبة وظريفة، ولعل الفنان الذي رسم ما في الصورة أعلاه كان يتسلى برسم أشياء مضحكة، ومن المحتمل أيضاً أنه كان يختبر ريشة الكتابة.

كان يتم الرسم في أغلبية الأحيان داخل الحروف الكبيرة في أول الكلمة.
كان يتم الرسم في أغلبية الأحيان داخل الحروف الكبيرة في أول الكلمة. صورة: Erik Kwakkel/Leiden

كان ريش العصافير هو الريش الأكثر استخداماً في ذلك الوقت، وكان ينبغي قصه على الدوام عند الاستخدام.

إن الصفحات الأخيرة في الكتب لم تكن هي النهاية بل على العكس تماماً، إذ يقول Kwakkel أننا نستطيع معرفة الكثير عن الكاتب بفضل هذه الصفحات، فحاجة الكاتب إلى تجربة الريشة عدة مرات في اليوم أدت إلى ظهور رسومات مبدعة للغاية، ويعلق أخيراً: ”وهكذا تصبح الصفحة الأخيرة من الكتاب هي أرضية للإبداعات الفنية، مشكلةً شيئاً جذاباً أخيراً يتصفحه القارئ قبل أن يغلق الكتاب“.

اختبر هذا المؤلف الريشة الجديدة عن طريق رسم بعض الأشكال بالحبر
اختبر هذا المؤلف الريشة الجديدة عن طريق رسم بعض الأشكال بالحبر. صورة: Erik Kwakkel/Leiden

وفرت هذه النصوص لنا نظرةً نحو الماضي، إلى عالمٍ اختفى منذ زمن، عالم مليء بالأشياء التي تختلف عن زمننا هذا وبالرغم من ذلك تتشابه معه بشكل غريب.

في المرة القادمة التي تمتنع فيها عن كتابة أي شيء على صفحات كتابك المفضل فكّر بالأجيال القادمة التي سيقع الكتاب بين أيديها، وخذ بعين الاعتبار فكرة أن تترك لهم ملاحظة ظريفة.

جاري التحميل…

0