in

قصة مومياء (اللايدي داي) المحفوظة بشكل مذهل، والتي تركت الباحثين في حيرة

صدق أو لا تصدق، تعتبر هذه الجثة المثيرة للتقزز أدناه واحدة من أفضل المومياءات المحفوظة بشكل جيد ظفي العالم.

اللايدي داي

بينما قد يبدو وجهها منتفخاً ومشوّهاً، فإن بشرتها لا تزال ناعمة وطرية الملمس، كما لا تبدو عليها أية آثار التخشب الموتي، حيث مازال بالإمكان ثني ذراعيها وساقيها بشكل عادي. حتى أعضاؤها الداخلية مازالت سليمة ومازال يوجد دم في عروقها.

بينما تميل المومياءات الأخرى للتكسر عند أدنى حركة، فإن مومياء (اللايدي داي) محفوظة بشكل ممتاز لدرجة تمكن الأطباء من إجراء عمليات تشريح عليها بعد أكثر من 2100 سنة من وفاتها، ولم يكونوا قادرين على إعادة سيناريو موتها واكتشاف أسبابه فقط، بل تمكنوا حتى من اكتشاف الكثير عن حياتها ونمط معيشتها ومستوى نشاطها، كما تمكنوا حتى من تحديد زمرتها الدموية وهي A، ومنه يعتبر تشريح جثة (اللايدي داي) أكمل ملف طبّي يجرى على شخص قديم من الماضي السحيق.

مومياء اللايدي داي
ترقد جثة (اللايدي داي) اليوم في متحف (هونان) في الصين، حيث مايزال بالإمكان زيارتها – صورة: David Schroeter/Flickr

كانت (اللايدي داي)، أو (تشين زوي)، الزوجة الأرستقراطية لأحد الرجال النبلاء في عصر سلالة (هان) في الصين وهو (لي كانغ)، لا يوجد أي شك في كونها عاشت حياة بذخ وترف، حيث وجد قبرها ممتلئا بوسائل الترف والرفاهية التي لا يسع إلا أثرياء تلك الحقبة تحمل تكاليفها.

تضمنت وسائل الرفاهية التي وجدت في قبرها مئات من الألبسة المطرزة والمصنوعة من الحرير، والتنانير، والقفازات الجميلة، وكيس من الحرير مملوء بمئات الأنواع من الأزهار، وعيدان العطور، وعلب مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، وأكثر من مائة تحفة مصنوعة من الورنيش، وأدوات موسيقية وتماثيل صغيرة لموسيقيين، كما وجدوا حتى وجبات محضّرة مسبقا، وأكثر من ألف غرضٍ آخر.

يقول (ويلو ويلان هاي تشانغ)، مدير دار عرض معهد الصين في مدينة نيويورك حيث تم عرض بعض الأغراض التي وجدت داخل قبرها: ”تظهر هذه الأغراض أن (اللايدي داي) كانت تعيش حياة البذخ والرفاهية، والتي كانت تستمتع بها كثيراً“، وأضاف: ”لقد رغبت في الحفاظ على نفس نمط المعيشة ذلك في الحياة التالية“.

تمثال من الشمع لـ(اللايدي داي) يبرز كيف كانت لتبدو عليه في سنوات شبابها عندما كانت تتمتع بصحة جيدة.
تمثال من الشمع لـ(اللايدي داي) يبرز كيف كانت لتبدو عليه في سنوات شبابها عندما كانت تتمتع بصحة جيدة – صورة: Huangdan2060/Wikimedia

لقد كانت هذه الحياة الجميلة التي عشقتها هي ما تسبب في هلاكها في نهاية المطاف، حيث شاع عن (اللايدي داي) أنها كانت ذات جمال آسر في أيام شبابها، وأنها أغدقت على نفسها في كل ملذة متوفرة آنذاك، بما في ذلك حساء العقارب! حتى أصبحت سمينة جدا غير قادرة على التنقل بصورة طبيعية.

تبرز بعض الرسومات الظاهرة على العلم الذي رُفع خلال جنازتها أنها كانت تتكئ على عكازة أثناء مشيها، ومنها قد تكون لم تعد تستطيع المشي بصورة طبيعية وبدون عكازة بسبب انسداد شرايين قلبها، ومرض تصلب الشرايين الذي أصابها بسبب نمط معيشتها الذي ساده الخمول، كما اكتشف خلال عملية التشريح التي أجريت عليها أنها كانت تعاني من انزلاق غضروفي في عمودها الفقري مما قد يكون تسبب لها في ألم فظيع على مستوى الظهر، وصعّب عليها المشي كثيراً.

رسومات فنية تبرز (اللايدي داي) وخادماتها، مرسومة على علم جنازتها.
رسومات فنية تبرز (اللايدي داي) وخادماتها، مرسومة على علم جنازتها.

كانت (اللايدي داي) كذلك تعاني من الكثير من الطفيليات الداخلية في جسمها، والتي كان مصدر الكثير منها الطعام غير المطهي بشكل جيد أو بسبب نقص النظافة اللازمة، كما كانت تعاني من انسداد الشرايين، وبعض الأمراض القلبية الخطيرة، وهشاشة العظام، والحصى في المرارة التي علقت واحدة منها في قناتها الصفراوية لتعقد من وضعها الصحي أكثر فأكثر.

توفيت (اللايدي داي) عن عمر حوالي خمسين سنة بسبب سكتة قلبية مفاجئة، التي تسببت لها فيها سنوات كاملة من العادات الصحية السيئة، وكانت وجبتها الأخيرة تتكون من البطيخ.

بشكل مثير للسخرية، كان ضريحها يحتوي على عدد مذهل من المعلومات المتوفرة على شكل كتب ولوائح حول الصحة، والصحة الجيدة، وطول العمر، كما وجدت على هذه اللوائح المكتوبة بأحرف صينية وصفات لعدة أدوية وعلاجات صينية تقليدية من أجل علاج صداع الرأس، والشلل، والربو، وأمراض جنسية، وعدة أمراض أخرى.

اكتُشف ضريح (اللايدي داي) في سنة 1971 في موقع أثري عرف باسم (ماوانغدي) بالقرب من مدينة (تشانغشا) الصينية، وعثر على جثة (اللايدي داي) ملفوفة في عشرين طبقة من الحرير، ووضعت داخل سلسلة من التوابيت مكوّنة من أربعة توابيت كل تابوت داخل آخر أكبر منه حجما بقليل.

من أجل الإبقاء على الهواء والماء خارج القبر، تم كسو جدران قبرها بالفحم كما أحكم إغلاق الجزء العلوي منه بواسطة عدة طبقات من الطين، وكان هذا المناخ عديم الهواء والماء فعالا في قتل أي بكتيريا قد تكون داخله، مما ساعد على حفظ الجثة بشكل جيد.

وجد علماء الآثار كذلك آثاراً للزئبق داخل التابوت مما يشير إلى أن هذا المعدن السام استعمل من أجل قتل كل بكتيريا محتملة، كما عثر على جثتها مغموسة داخل سائل مجهول ذو قاعدة حمضية، الذي منع كذلك البكتيريا من النمو والتكاثر داخل القبر، ويعتقد البعض أن ذلك السائل هو في الواقع ماء تسرب من الجثة وليس سائلا حافظا ما تم سكبه داخل التابوت.

تابوت الورنيش الذي وجدت فيه جثة (اللايدي داي).
تابوت الورنيش الذي وجدت فيه جثة (اللايدي داي) – صورة: 猫猫的日记本/Wikimedia

تبقى الطريقة المحددة التي حاربت وفقا لها جثة (اللايدي داي) التحلل محل غموض كبير، حيث أن العديد من الجثث التي دفنت بنفس الطريقة وفي نفس المحيط الخالي من الهواء والماء فشلت لتحفظ بنفس الجودة.

يعتبر التنقيب والعثور على جثث كل من (اللايدي داي) وجثة زوجها وابنها في (ماوانغدي) واحداً من أكبر الاكتشافات الأثرية التي حققها الإنسان في القرن العشرين، ومن خلال طريقة بناء الضريح، ومن خلال عدة أدوات جنائزية عثر عليها معها، تمكن علماء الآثار من معرفة طريقة ونمط حياة الطبقة الأرستقراطية خلال حقبة (هان) في الصين.

ومن خلال عدة وجبات دفنت داخل القبر، وحتى من خلال محتويات عثر عليها داخل معدة (اللايدي داي)، تمكن علماء الآثار كذلك من معرفة تاريخ مفصل عن حمية سلالة (هان) الغربية، وكذا ممارساتها الزراعية، وطرائق الصيد، وترويض وتدجين الحيوانات، وإنتاج الطعام وتحضيره ووصفاته، ومنه نظرة شاملة داخل واحد من أعظم المطابخ وأكثرها استمرارية في العالم.

جاري التحميل…

0