in

هل لون هذا الكأس الروماني القديم أحمر أم أزرق؟

ربما توصل الرومان القدامى إلى الخاصية التلوينية للجزيئات النانوية عن طريق الصدفة!

كأس ليكرغوس

يعتبر كأس (ليكرجوس) واحداً من أجمل القطع الأثرية القديمة. هناك الكثير من القطع الأثرية والآثار المعمارية التي تعود للعالم القديم، وتتركنا مندهشين من جمالها وروعتها وتصميمها المعقد.

كيف استطاع هؤلاء البشر، الذين لم يعرفوا علومنا وحضارتنا الحديثة، صنع أشياء في غاية الجمال والغموض كالأهرامات في مصر أو آثار س(تونهنج) الصخرية في إنجلترا؟

بالمناسبة، لا تقتصر براعة وإبداع القدماء على الآثار المعمارية الكبيرة فحسب، فهناك قطع صغيرة تماثلها من ناحية الجمال، وإحدى تلك القطع هي كأس روماني قديم يعود للقرن الرابع ميلادي ويدعى كأس (ليكرجوس).

كأس (ليكرجوس) بدون أن يتعرض لكمية كبيرة من الضوء
كأس (ليكرجوس) بدون أن يتعرض لكمية كبيرة من الضوء. صورة: Wikimedia Commons

الكأس مصنوع من الزجاج، لكن ما يجعله تحفة فنية هو تغير الألوان: حيث يبدو الكأس أخضراً مائلاً للزرقة إذا تلقى الضوء من الأمام، ويبدو أحمراً مخضباً إذا كان المنبع الضوئي من الخلف. كيف ذلك؟ حسناً، يبدو أن الكأس صُنع باستخدام أولى تطبيقات تقنية النانو المعروفة.

الملك (ليكرجوس) على كأس (ليكرجوس)، المتحف البريطاني.
الملك (ليكرجوس) على كأس (ليكرجوس)، المتحف البريطاني. صورة: Lucas Livingston

صُنع كأس (ليكرجوس) من زجاج ثنائي اللون، حيث تم تشريب الزجاج المنصهر بجزئيات الفضة والذهب، ما جعل لونه يتغير عندما تسقط الأشعة الضوئية على قطع المعدن الصغيرة جداً داخل الزجاج.

كأس (ليكرجوس) في زجاج مزدوج اللون (متغير اللون)، يشع الكأس هنا باللون الأحمر لأن الضوء يسطع على سطحه من الخلف.
كأس (ليكرجوس) في زجاج مزدوج اللون (متغير اللون)، يشع الكأس هنا باللون الأحمر لأن الضوء يسطع على سطحه من الخلف. صورة: Wikimedia Commons

وفقاً لقصة في مجلة «سميثسونيان»، فقد سُحقت الجزيئات المعدنية في الزجاج حتى أصبح قطرها 50 نانومتر، ولنوضح لكم كم هي صغيرة، تخيلوا أن الجزيئات تلك أصغر من 1 على ألف من حجم ذرة ملح! أتقن صناع هذا الكأس عملهم بدرجة شبه مثالية.

الإله (ديونيسوس) على كأس (ليكرجوس)-- المتحف البريطاني.
الإله (ديونيسوس) على كأس (ليكرجوس)– المتحف البريطاني.

الطريقة الأسهل لشرح عمل تلك الخاصية هي تسليط الضوء على القطع المعدنية الصغيرة في الزجاج، فتهتز إلكترونات تلك المعادن بطرق مختلفة. تعكس تلك الاهتزازات قسماً من الضوء المار، وتخلق بذلك تأثيراً مزدوج اللون. يؤثر أيضاً نوع السائل الذي يملأ الكأس على اهتزازات الإلكترونات، مما يؤثر أيضاً على لون الكأس عندما ننظر إليه.

الإله (ديونيسوس) على كأس (ليكرجوس)-- المتحف البريطاني.
الإله (ديونيسوس) على كأس (ليكرجوس)– المتحف البريطاني.

أراد الباحثون اختبار تلك الفكرة، لكنهم لم يستطيعوا استخدام الكوب نفسه، لذا أوجدوا بيئة اختبار مشابهة عن طريق صنع مليارات الحفر الصغيرة ضمن صفيحة بلاستيكية ثم رشها بجزيئات نانوية من الذهب والفضة، ثم ملأوا تلك الحفر بسوائل مختلفة ليروا التأثيرات المختلفة الناتجة.

كأس ليكرغوس

لاحظ الباحثون أن السوائل تؤثر بشكل ما على اللون، فالماء مثلاً أعطى لوناً أخضراً فاتحاً، بينما نتج عن ملء الوعاء بالزيت لون أحمر، وكان الهدف المرجو من هذا الاختبار هو إمكانية العثور على استخدامات عملية أوسع وأكبر من مجرد استخدام للزينة.

يقول المتحف البريطاني: ”يحتوي الزجاج على كميات صغيرة من الذهب والفضة، ما يسبب تحول لونه من الأخضر الكامد إلى الأحمر الشفاف عندما يسطع الضوء عليه“.
يقول المتحف البريطاني: ”يحتوي الزجاج على كميات صغيرة من الذهب والفضة، ما يسبب تحول لونه من الأخضر الكامد إلى الأحمر الشفاف عندما يسطع الضوء عليه“.

أثبت النموذج الذي ابتكره العلماء أنه أكثر حساسية للتغيرات في كميات الملح ضمن المحاليل بـ100 مرة مقارنة بالمستشعرات الحديثة، وهو شيء قد يصبح مفيداً في المستقبل وقد نجد له تطبيقات عديدة: كتحديد العوامل المرضية، أو كشف الإرهابيين الذين قد يجلبون معهم سوائل خطيرة على متن الطائرات.

هُجرت تقنية النانو المستخدمة لصنع الكأس منذ أكثر من ألفية ونصف، ولم يسع البشر وراءها حتى ثمانينيات القرن الماضي، والسبب على الأرجح هو أن الأدوات الضرورية لهذه التقنية لم تكن متوفرة بعد.

بدأت وكالة «ناسا» العمل على الزجاج ثنائي اللون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكنها توصلت إلى إنتاج هذا الزجاج عبر عملية تتضمن تبخير معادن مختلفة في حجرة هواء وتطبيق الجزيئات النانوية الناتجة مباشرة على سطح الزجاج ضمن فيلم رفيع السماكة.

الغطاء واضح ومرئي بالنسبة للإنسان، لكن الزجاج الناتج قد يساهم في حمايتنا من الإشعاع غير المصفى (المفلتر) الصادر عن الشمس، والذي يتعرض له رواد الفضاء والمركبات الفضائية. أصبح الزجاج مزدوج اللون شائعاً في الفنون، تحديداً الفن الزجاجي وتصنيع الفلاتر البصرية والمجوهرات، على الرغم من اختلاف عملية صنع هذا الزجاج عن الطريقة التي صُنع بها كأس (ليكرجوس).

من المثير للدهشة والروعة أن الرومان استخدموا تقنيات منذ 1600 سنة، واليوم نحن نستخدمها من جديد.