ميديا

دخلك بتعرف ”قواعد العشق الأربعون“ وبعض مواضع الجدل فيها؟

”اختر الحبّ، الحبّ! فمن دون حياة الحب العذبة، تمسي الحياة عبئاً ثقيلاً“

للحب، وبالحب كُتبت قواعد العشق الأربعون، وعندما تقرأ هذا العنوان للمرة الأولى قد تعتقد -كما اعتقدت أيضاً- بأنها ربما مجرد قواعد في ماهية الحب أو العشق أوحتى الجنس، ولكن ما إن تبدأ في قراءة هذا الكتاب حتى تذهب بعيداً إلى عالم الصفاء والنقاء الروحاني.

هي طرائق الحب، وطرق للحرية أكثر من كونها قواعداً، ففي كل قاعدة ستجد الدعوة لحرية النفس وتحرير الذات، هي رحلة ستأخذك إلى عالم مختلف في زمان ومكان مختلفين، حيث يكون الحب والذوبان في الذات الكلية هو جوهر الحياة وهدفها السامي.

بأسلوبها السلس والشيق، وضعت لنا الروائية التركية المشهورة ”إليف شفق“ هذه الرواية، والتي كانت نتاج تجربتها الروحية وتأثرها بالمذهب الصوفيّ، وهو نتاج بحثها عن الحب والعشق الإلهي بطريقة ”شمس“ و”جلال“.

تدور أحداث الرواية في خطين زمنيين متوازين، الأول منهما يمثل الحياة التي تمر بها ”إيلا“؛ الزوجة التي تعاني من الرتابة في حياتها مع زوجها وأولادها، بينما يمثل الخط الثاني الأحداث التي تلت لقاء ”جلال الدين الرومي“ بصديقه الروحاني الدرويش الرحال ”شمس التبريزي“ وذلك في القرن الثالث عشر.

جلال الدين الرمي

وتستعرض الرواية تغير حياة ”إيلا“؛ الزوجة اليهودية والتي تعاني من الكآبة، لتصبح عاشقة مجنونة بصاحب كتاب ”الكفر الحلو“؛ ”زاهارا“، وهو الكتاب الذي يتحدث عن ”شمس التبريزي“ و”جلال الرومي“ وقواعد العشق الأربعين، وتكتشف ”إيلا“ مع ”زاهارا“ المسيحي الذي اعتنق مذهب ”شمس“ الصوفي بأن ”التبريزي“ لم يمت منذ 800 سنة، إنما هو شخصية جدلية تتكرر في كل العصور.

فيما يكون معظم التركيز على قصة ”شمس وجلال“، وتبدأ الرواية بكلمة لـ”شمس التبريزي“:

”عندما كنت طفلاً، رأيت الله، رأيت الملائكة، رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي، ظننت أن جميع الرجال رأوا مارأيته، لكني سرعان ما أدركت أنهم لم يروا“.

لتبدأ بعدها قصة رحلته الممتدة من ”سمرقند“، وصولاً إلى ”قونية“ التركية، التي يلتقي فيها رجل الدين ”جلال الدين الرومي“، ويسطع نور ”شمس“ على حياة ”الرومي“، وينقله بعدها من عالم الظواهر إلى عالم البواطن، وذلك في الوقت الذي كانت فيه النزاعات الدينية والطائفية غير منقطعة النظير، فيتحول ”الرومي“ بعد لقائه بهذا الرفيق الاستثنائي؛ من رجل دين عادي إلى شاعر يجيش بالعاطفة وداعية للحب، فيبتدع الرقص المولوي، ويتحرر من جميع القيود التي يفرضها الدين التقليدي في سبيل الوصول إلى نشوة الروح واللحاق بالروح الإلهية.

جلال الدين الرمي

جدلية بعض الأفكار التي طرحتها الرواية

– المذهب الصوفي المكروه من الدين الإسلامي التقليدي:

لاشك بأن الرواية تستعرض قصة علمين من أهم أعلام الصوفيين آنذاك، ولاشك بأن الصوفيين يؤمنون بعقيدة وحدة الوجود، وهو مايتعارض مع الدين الإسلامي بشكل عام، ومذهب أهل السنة والجماعة بشكل خاص، حيث اعتبر من يعتقد بوحدة الوجود بأنه ”زنديق“ خارج عن دين الإسلام.

وتقضي عقيدة وحدة الوجود بالإيمان بأن الله والطبيعة واحد، فيما يتشعب ويتعقد مفهوم التصوف (طالع مقال: مفهوم التصوف والالتباس الحاصل بسبب اسمه).

– العشق الإلهي ليس حكراً على فئة من البشر:

يظهر جلياً في هذه الرواية دعوة ”شمس الدين التبريزي“ إلى روحانية عالمية شاملة، مشرعاً أبوابه أمام جميع البشر من مختلف الخلفيات، وأيضاً ”جلال الدين“، الذي تحول إلى داعية عشق لا نظير له، ودعا إلى ”وحدة الأديان“.

– مفهوم الجهاد في الدين:

في الوقت الذي اشتعلت فيه الصراعات الدينية، وشكل ”الجهاد“ والدعوة له في الدين الإسلامي عنصراً أساسياً للقيام بالحروب تحت مفهومه العام ”الحرب على الكفار“، وهو ما دعا إليه الكثير في ذلك الزمن، دعا ”جلال“ إلى مفهوم آخر للجهاد، بعيداً عن قتال الكفار ومحاربتهم؛ وهو ”الجهاد الداخلي“، والذي ينص على جهاد ”الأنا“، والجشع، والطمع، والحقد، والحسد، وكل مساوئ النفس البشرية.

– استنكار الفكر الديني التقليدي:

تعرض الكاتبة فكرة الصوفية الباطنة بأسلوب استنكاري، وذلك على لسان إحدى شخصيات الرواية ”المتعصب“، وهذه الشخصية تعارض التفكير الذي جاء به ”شمس وجلال“، وتظهر بعقلية سطحية متطرفة، ساخطة على المجتمع، ولا تزن الأمور بعقلانية وتروّ، وتستغل أيضاً وضعها لتحقيق المكاسب وإفادة معارفها.

يمثل ذلك الشاب الذي سمته ”المتعصب“، الفكر الديني المتشدد، وتقول الكاتبة: ”رجل متشدد يعيّن ’بيبرس‘ ابن أخيه في الحراسة بالواسطة، يرى الدنيا بنظرة تشاؤمية، ويرى ما مر من كوارث مثل الهجوم المغولي هو عقاب من الله على هذه البلاد.“

– وردة الصحراء:

الفتاة التي كانت تعمل في البغي، ولكنها في قرارة نفسها رغبت في الابتعاد عن هذا الأمر، وكانت تسعى لحضور خطب ”جلال الدين الرومي“، وفيما يرى البعض وجوب تجريم هذه الفتاة ”بالحرام“ وتسميتها بالعاهرة، إلا أنها تقابل ”شمس“ الذي يساعدها على خلع رداء ذاتها، والذهاب إلى عالم العشق الوجودي.

امراة صوفية

– شرب الخمر:

يبدو للقارئ بشكل واضح كيف يستطيع الصوفي شرب الخمر، والرقص كتعبير عن الزهد، وبحثاً عن الانسجام الروحي والولوج في ماهية العشق الإلهي، وبينما يعتبر الصوفي أن النية هي الأهم في الأعمال لا ظاهرها.

يعتبر شرب الخمر من الكبائر لدى قسم كبير من المسلمين، مما جعل هذا الموضوع محط جدل في الرواية، وتقول أحد القواعد: ”عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة، فإنها تصبح غرفة صلاته، لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى الغرفة نفسها، فإنها تصبح خمارته، ففي كل شيء نفعله قلوبنا هي المهمة، لا مظاهرنا الخارجية.“

تتكون الرواية من 5 فصول:

  1. الأرض: الأشياء التي تكون صلبة متشربة وساكنة.
  2. الماء: الأشياء السائلة تتغير ولا يمكن التنبؤ بها.
  3. الريح: الأشياء التي تتحرك، وتتطور، وتتحدى.
  4. النار: الأشياء التي تدمر وتتحطم.
  5. العدم: الأشياء الموجودة من خلال غيابها.

هي رحلة روحية وأدبية ساحرة، وهي لا تخلو من بعض الخيال، إلا أنها تجربة وجدانية جميلة، وتنبع أهميتها من نبذ التطرف الديني، والأخذ بباطن الأمور لا ظاهرها، والأهم من ذلك كله؛ الحب الذي تدعو إليه في كل ثنية من ثنايا فصولها، ولكن عليك الحذر عند قراءتها من فرط العاطفة التي تطغى على استخدام العقل.

تقول القاعدة الأربعون: ”لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي… فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو نقي وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفا عندما تعشق النار الماء“.

مقال من إعداد

mm

علي عبد اللطيف

طالب في كلية طب الأسنان، مهتم بالنواحي العلمية والأدبية والثقافية، ونشر الثقافة والارتقاء بواقع فكري أفضل.

عدد القراءات: 5٬178