in

دخلك بتعرف قصة الدولة التي كانت تتواجد بين الولايات المتحدة وكندا؟

يرى الملاحظ للشريط الحدودي الفاصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا أنه أبعد ما يكون عن المثالي، فهو يشبه إلى حد بعيد محاولة طفل صغير لرسم خط مستقيم، في الواقع كان هذا الشريط الحدودي مصوغاً بشكل سيئ لدرجة تسبب في الكثير من المشاكل بين البلدين، ولحد الساعة مازال يجعل الفصل بين حدود البلدين أمرا عويصاً.

لكنه قبل مائتي سنة في الماضي، تسبب في نشأة دولة ثالثة بين البلدين، دولة بأكملها!

كان الجزء الشرقي من كندا الآن تحت سيطرة فرنسا قبل أن تستحوذ عليه الإمبراطورية البريطانية في حرب السبعة أعوام التي نشبت بين البلدين، وهو الأمر الذي مثّل مطلع حقبة السيطرة البريطانية التامة على جميع الأراضي في القارة الأمريكية الشمالية تقريباً.

بعد هذا قررت المستعمرات أخيراً أن دفع الضرائب للإمبراطورية البريطانية لم يكن عادلا وقررت على إثر ذلك الانفصال عن حكمها والاستقلال بسيادتها، وبعد حرب طويلة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها عن بريطانيا في سنة 1776.

كونغرس المستعمرات الأمريكية.
كونغرس المستعمرات الأمريكية.

جلس البلدان على طاولة المفاوضات التي تمخضت معاهدة باريس، والتي من بنودها أحكام الشريط الحدودي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا البريطانية آنذاك.

في بندها الثاني، حددت معاهدة باريس هذه الحدود بين البلدين، وأدرجت أنه في نقطة ما من هذا الشريط الحدودي، يفصل بين البلدين جدول يمثل رأس نهر (كونيكتيكوت)، وتكمن المشكلة في أن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا حدد هذا الجدول على طريقته، فوفقا للولايات المتحدة كان هذا الجدول هو جدول (هولز)، الذي يصب مباشرة في نهر (كونيكتيكت)، بينما حدد البريطانيون رأس نهر (كونيكتيكوت) على أنه ما كان يسمى بـ(بحيرة كونيكتيكوت الرابعة) وشمل الأمر على الروافد التي تربط بين البحيرة الثالثة والثانية والأولى لنفس النهر، وكذا بحيرة (فرانسيس).

أي أنه كان لكلا البلدين نظرة مختلفة عما ستكون عليه الحدود، ومنه ظهرت مشكلة تتعلق بمنطقة ريفية صغيرة تتوسط الجدولين اللذان كانت كل دولة تعتقد أنهما يمثلان الحدود الرسمية.

المنطقة المتنازع عليها بين الولايات المتحدة وكندا البريطانية.
المنطقة المتنازع عليها بين الولايات المتحدة وكندا البريطانية.

شهدت هذه المنطقة الصغيرة كلا البلدين وهو يمارس سطلته وسيادته عليها، وكانت المشكلة الأكبر هي الضرائب، حيث كانت المنطقة تدفع الضرائب للولايات المتحدة وكندا في نفس الوقت، ومنه كان دفع الضرائب المزدوج هذا في نظر سكان المنطقة غير مقبول تمامًا، وعلى إثر ذلك أعلنوا استقلاليتهم عن كلا البلدين، وفي سنة 1832 برزت جمهورية الجدول الهندي The Republic of Indian Stream.

أسس السكان المنطقة وكتبوا دستورهم الخاص، وانتخبوا حكومتهم الخاصة، ومرروا قوانينهم، وأسسوا نظام جباية، وتصرفت دولتهم كأي دولة أخرى ذات سيادة.

دستور

بالطبع، لم يمر هذا الاستقلال الحديث مرور الكرام، بل أثار موجة من ردود الأفعال حول شرعيته من عدمها.

كان إعلان جمهورية الجدول الهندي عن استقلالها شبيها بإعلان الولايات المتحدة عن استقلالها منذ عقود آنذاك، وهي الآن دولة ذات سيادة ومعترف بها من طرف الجميع، لكن الولايات المتحدة كانت أكبر حجما وسكانها أكثر عددا ويملكون الكثير من الأسلحة.

بشكل أساسي، تجاهلت كندا البريطانية إعلان المنطقة لاستقلالها وواصلت إرسال جامعي الضرائب إليها، بينما بدى وكأن الولايات المتحدة أقرت بوجود الجمهورية الجديدة، حيث بدأت تفرض رسوم جمركية على الواردات التي تأتي منها مثلما تفعله مع أي دولة أخرى.

في نهاية المطاف، أعلن ملك هولندا الذي كان مسؤولا على الإشراف على مشكلة الحدود بين الولايات المتحدة وكندا على أن المنطقة تابعة لكندا البريطانية، ومنه أمر سكانها بأداء الخدمة العسكرية في صفوف الجيش البريطاني.

رفضت جمهورية الجدول الهندي هذا الأمر بمجمله وراسلت النائب العام في الولايات المتحدة طالبة الانضمام إلى دولة الولايات المتحدة الأمريكية بشرط أن لا يتم ضمها إلى ولاية (نيوهامشاير)، فكان رد النائب العام بالرفض وأعقب ذلك بكونها لا تزال جزءا من ولاية (نيوهامشاير) الأمريكية، لذا استعدت الميليشيا في (نيوهامشاير) لغزو المنطقة والسيطرة عليها بالقوة، فصرح الكنديون بأنهم على استعداد لإرسال جيشهم للدفاع عن المنطقة التي قالوا عنها بأنها لا تزال ملكا لهم.

بعد مد وجزر، دعت ولاية (نيوهامشاير) تصريحات الكنديين على أنها محاولة تضليل لا غير، ثم غزت ميليشياتها الجدول الهندي، وهو الأمر الذي كان سكان المنطقة يرغبون في حدوثه منذ البادئ، لأنهم أعربوا عن نيتهم للانضمام إلى دولة واحدة وأن لا يخضعوا لسيطرة دولتين اثنتين، وكانوا يفضلون الولايات المتحدة، التي كان ينقصها حافز فقط لضم المنطقة إليها.

تم على إثر ذلك تشريع الحدود الجديدة لجعل منطقة الجدول الهندي تابعة للأقاليم الأمريكية بموجب معاهدة تم توقيعها بين كندا والولايات المتحدة سنة 1842، وعاش الجميع بعدها سعداء.