تاريخ

”سبي النساء“… النسخة اليابانية

كان مصطلح ”نساء المتعة“ يشار به إلى نساء وفتيات يافعات أخذن من مناطق محتلة من طرف الجيش الإستعماري الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، وتم استغلالهن في الاستعباد الجنسي بين جدران ما كان يطلق عليه اسم ”محطات المتعة“، ولم يتم البوح بما كن يعانين منه وما كنا يتحملنه إلا بعد عقود لاحقة.

على الرغم من كونها قصة تعرضت للاختزال الكبير والتهميش ولم يتم سردها بتفاصيلها كاملة، إلا أن قصة ”نساء المتعة“ هؤلاء اللواتي اشتغلن في بيوت الدعارة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية هي قصة صادمة بحق، وتسترعي المزيد من الاهتمام أكثر من الذي تحظى به الآن، فبعد كل شيء كانت هذه النساء في الأساس عبارة عن عبيد استغللن جنسيا.

وبما أن مهنة الدعارة كانت مهنة شرعية آنذاك في اليابان، كان من المنتظر أن تتضمن أولى محطات المتعة عاهرات وبائعات هوى متطوعات، اللواتي سيتولين مهمة إمتاع الجنود. كانت العديد من بيوت الدعارة هذه المرخص لها موجودة في منطقة يطلق عليها اسم ”الهند الشرقية الهولندية“، أو ما يعرف اليوم بـ(أندونيسيا).

كانت محطات المتعة في شكل أساسي عبارة عن إعادة إنشاء لبيوت الدعارة المقننة هذه، والتي تم اعتمادها بالقرب من الثكنات العسكرية، لكن بارتفاع وتيرة الحرب واحتدام الصراعات فيها، وباحتلال اليابان للمزيد من الأراضي، تحولت محطات المتعة لاستعباد النساء.

كان هدف الجيش الإستعماري الياباني لدى اعتماده إنشاء ”محطات المتعة“ هو إعادة الاعتبار لسمعته من خلال نفي ودحض وكذا منع الاغتصاب أو السلوكات الجنسية المنحرفة التي لازمت منشآته العسكرية آنذاك، كما كانت كذلك عبارة عن وسيلة للإبقاء على صفوف الجنود مستمتعين أكبر قد ممكن والإبقاء عليهم أصحاء كذلك، ذلك أن الجنود الذين اقترفوا جرائم الاغتصاب بشكل واسع عند احتلالهم لمناطق جديدة خلال الحرب انتهى بهم المطاف مصابين بالعديد من الأمراض والأوبئة المنتقلة جنسيا.

نساء المتعة خلال الحرب العالمية الثانية يقفن في الصف فتيات صينيات ومالايانيات -من (مالايا) سابقا التي أصبحت جزءا من (ماليزيا) الآن- أخذن ليتم استغلالهن كنساء متعة لفائدة الجيش الياباني، بين سنتي 1939 و1945.

نساء المتعة خلال الحرب العالمية الثانية يقفن في الصف، وفتيات صينيات ومالايانيات -من (مالايا) سابقا التي أصبحت جزءا من (ماليزيا) الآن- أخذن ليتم استغلالهن كنساء متعة لفائدة الجيش الياباني، بين سنتي 1939 و1945.

تم بعد ذلك توسيع استعمال محطات المتعة وإنشاء المزيد منها للأسباب الآنف ذكرها بشكل خاص بعد ”اغتصاب نانكينغ“ The Rape Of Nanking الرهيب الذي وقع خلال الحرب اليابانية الصينية الثانية The Second Sino-Japanese War سنة 1937، عندما قام أفراد الجيش الياباني باغتصاب حوالي عشرين ألف امرأة في المدينة الصينية (نانكينغ).

كان أفراد الجيش الياباني كذلك يأخذون النساء من المناطق التي كانوا يحتلونها قسرا، بشكل أخص من كوريا والصين، وحتى الفيليبين، ثم كان الجيش يوعز إليهن أعمالا ووظائف على غرار التمريض في صفوف الجيش الياباني الإستعماري والطبخ وخدمات التنظيف والغسل.

لكن في حقيقة الأمر، كانت كل النساء اللواتي تم جلبهن للأسباب السابقة يتعرضن للاغتصاب، والخوض في نشاطات جنسية قسرا، فأصبحن بذلك عبيد جنس يتعرضن بشكل مستمر للضرب والاغتصاب والتعذيب.

استعان الجيش كذلك بالعديد من الحيل والتكتيكات من أجل تجنيد النساء والفتيات ليصبحن نساء متعة، وكانت إحدى الطرائق خادعة بطبيعتها حيث كان الجيش غالبا يضلل النساء فيما يتعلق بمفهوم وكذا ماهية ما تعنيه محطة المتعة؛ كانت العديد من النساء الكوريات يعتقدن بأن الخدمات التي كان عليهن تقديمها في محطات المتعة تتضمن العناية بالجرحى من الجنود، والإبقاء على معنوايتهم عالية بشكل عام.

تضمنت طريقة تجنيد أخرى اقتناء الفتيات اليافعات؛ ذلك أن المستعمرات اليابانية على غرار تايوان وكوريا كانت فقيرة للغاية خلال زمن الحرب بسبب احتكار اليابان جميع وسائل الإنتاج فيها من أجل خدمة الحرب فقط، لذا كانت العائلات اليائسة تقوم ببيع أفرادها من البنات إلى المجندين في الجيش الإستعماري الياباني. تحت السلطة العسكرية، كان مدير تجنيد عسكري في بورما يشتري نساء كوريات مقابل مبلغ 300 إلى 1000 ين ياباني، حسب حالة ومظهر وسن المرأة.

ثم كانت هناك تلك الطرائق حيث يتم جر النساء قسرا، واختطافهن عنوة، مع وجود شهود كانوا قد رأوا المجنِّدين وأفراد الجيش الياباني يقومون بقتل كل فرد من أفراد عائلة ضحايا الاختطاف يحاول إنقاذهن.

وباتخاذ الحرب منحى سيئا بالنسبة لليابان والجيش الياباني، ساء وضع نساء المتعة كذلك، ففي صائفة سنة 1942، وبدءا من هزيمتهم في معركة (ميدواي) ضد وحدات القوات البحرية التابعة للجيش الأمريكي، عانى الجيش الياباني العديد من الهزائم المتوالية، وتسبب هذا بدفعه إلى الانسحاب من جزيرة إلى أخرى بينما كانت قوات الحلفاء تتقدم لاحتلال كل جزيرة يجليها.

نصب تذكاري لتخليد ذكرى نساء المتعة الأليمة.

نصب تذكاري احتجاجي بطبيعته للتذكير بالجرائم المرتكبة في حق نساء المتعة، يقف منتصبا أمام السفارة اليابانية في العاصمة الكورية الجنوبية (سيول).

كانت وحدات الجيش الياباني المنهزمة تصطحب معها نساء المتعة حيثما حلت، مما أدى إلى انفصال هؤلاء الضحايا عن أوطانهن وعائلاتهن، وما جعل مستقبلهن كذلك يتضح ويتجلى على أنهن عبيد جنس وسجينات لا حرية تلوح في أفقهن البعيد.

باقتراب حلول نهاية الحرب، كانت نساء المتعة إما يتم هجرهن وتركهن للهلاك في العراء من طرف الجيوش اليابانية المنسحبة، أو كن يعلقن مع الجيش المنهزم ليواجهن ما كان الجيش سيواجهه من مصير.

انتهت حرب المحيط الهادئ في الخامس عشر من شهر أغسطس من سنة 1945. لم تعد بعض النساء إلى أوطانهن وعائلاتهن إلا بعد حلول سنوات التسعينات من القرن الماضي -بعد مدة طويلة من انتهاء الحرب- كما لم تعد معظم النساء إلى منازلهن على الإطلاق.

يقدر أن 25 بالمائة فقط من نساء المتعة كن يتحملن الاستغلال اليومي الذي كن يتعرضن له، وكن ينجين منه، أما أولئك اللواتي وجدن طريق العودة إلى أوطانهن ومنازلهن وعائلاتهن، فقد واجهن العديد من المشاكل الصحية، بما في ذلك عدم القدرة على الحمل والإنجاب، كما اضطررن إلى حمل الشعور بالعار وندوب نفسية وصدمات عقلية لازمتهن ما حيين، جراء ما كن قد تعرضن له من أهوال.

للأسف، لم يتم سرد الحقائق حول نساء المتعة وما كان عليهن تحمله ومعاناتهن الأليمة بتفصيل دقيق، كما رفضت الحكومة اليابانية في الكثير من المناسبات مناقشة ما عانته هاته الفتيات والنساء خلال تلك الحقبة السوداء، وتم كذلك إتلاف الكثير من الوثائق الرسمية، إن لم تكن كلها، التي تناولت موضوع نساء ومحطات المتعة.

في سنة 1992، عثر بروفيسور التاريخ الياباني (يوشياكي يوشيمي) على وثائق رسمية في مكتبة (وكالة الدفاع الذاتي) اليابانية، وقام بنشرها على مختلف وسائل الإعلام، أظهرت هذه الوثائق روابط واضحة بين الجيش الياباني الاستعماري ومحطات المتعة التي تم إنشاؤها.

فقط في أواخر القرن العشرين تقدمت بعض ضحايا محطات المتعة للإدلاء بشهاداتهن وسرد قصصهن الأليمة، واحدة من تلك القصص تعود لـ(ماريا روزا هانسن)، التي عاشت في الفلبين وتعرضت للاغتصاب لمرات عديدة من طرف الجنود اليابانيين قبل أن يتم إجبارها على أن تصير ”امرأة متعة“ في سنة 1943 عن عمر يناهز الخمسة عشر سنة، بقيت على تلك الحال المزرية لمدة تسعة أشهر حتى تم إنقاذها من طرف إحدى وحدات المجموعة المسلحة الثائرة ضد الاحتلال الياباني في شهر يناير من سنة 1944. في سنة 1992، وعن عمر يناهز الخمسة وستين عاما، قررت (ماريا روزا) التقدم والخروج من الظلال لإخبار قصتها للعالم، كانت أول امرأة فيليبينية تقوم بذلك، وتوفيت بعد ذلك في سنة 1997.

أدت قصتها إلى جانب اكتشاف الوثائق السرية من طرف بروفيسور التاريخ (يوشياكي يوشيمي) إلى إجبار رئيس مجلس الوزراء الياباني (كويشي كاتو)، الذي كان قد نفى في وقت سابق تورط الحكومة فيما كان يجري في محطات المتعة، إلى التقدم هو الآخر والاعتراف بالتورط الحكومي الذي كان قد نفاه سابقا.

غير أنه، عندما سؤل عما استغرق الحكومة كل هذه المدة للاعتراف بتورطها في قضايا محطات المتعة صرح (كاتو) لصحيفة (النيويورك تايمز): ”لقد قمنا بأفضل ما كنا نستطيعه، لا يسع أيا كان التفكير في مشاكل من هذا النوع في زمن السلم، لكنها كانت قد وقعت في خضم الحرب التي يتحدى فيها السلوك غالبا الفطرة السليمة.. لكن علي الاعتراف بأن الأمر استغرقنا وقتا طويلا لنعترف بهذه المشاكل على نحو صحيح“.

نساء في احتجاج على اليابان ونساء المتعة.

نساء كوريات في احتجاج على ما يعتبرنه ”استجابة غير لائقة“ من طرف اليابان على اسغلال النساء الكوريات ونساء أخريات كنساء متعة خلال الحرب العالمية الثانية، خلال منتدى ”نساء العالم“ الرابع، لدى هيئة الأمم المتحدة، في الثاني من شهر سبتمبر سنة 1995. -كتب على اللافتة: ”يا مجرمي الحرب اليابانيون: توبوا“.

في سنة 2015، وخلال ندوة صحفية جمعته مع الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما)، وُوجه الوزير الأول الياباني (شينزو آبي) بموضوع نساء المتعة خلال الحرب العالمية الثانية، كما تم سؤاله عما إذا كانت حكومة بلده مستعدة لتقديم اعتذارات عن هذا الأمر أم لا، فكانت إجابته كالتالي: ”يؤسفني كثيرا، ويسبب لي ألما فظيعا التفكير فيما كانت نساء المتعة يعانين منه من آلام وأهوال كنتيجة لكونهن ضحايا للاتجار بالبشر“، وأضاف: ”وهذا شعور أشاركه بشكل مساوي مع من سبقوني في الحكومة اليابانية“.

لم يتم الجزم ما إذا كان بالإمكان اعتبار تصريح (آبي) اعتذارا رسميا أم لا، كما كان (آبي) كذلك قد خصص مبلغ مليار ين ياباني -أي ما يعادل ثمانية ملايين دولار- من أجل تمويل عمليات دعم ومساعدة نساء المتعة الناجيات وعائلاتهن.

بخروج القضية للعلن في السنوات الماضية، تم تشييد نُصَب وصروح خاصة بـ”حركة السلم“ في بلدان على غرار اليابان، وكوريا الجنوبية، والفيليبين، وحتى في أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.

تقف هذه النصب التذكارية لتشريف نساء المتعة، كما تم تشييد نصب من هذا النوع، الذي يعتبر خاصا وفريدا من نوعه، أمام السفارة اليابانية في العاصمة الكورية الجنوبية (سيول).

عدد القراءات: 42٬613