معلومات عامة

نزاعات المدن الناشئة في بلاد سومر

mm
إعداد: غياث عباس

”أجل يا أنكيدو؛ إلى (أوروك) ذات الأسوار، حيث يرتدي الناس أبهى الحلل، وفي كل يوم تقام الأفراح كالعيد، حيث الأغاني والطرب والغواني الغيد الفاتنات، اللاتي ملئن فتنة ويضوع الطيب والعطر منهن، وأنت يا أنكيدو الذي تنشد البهجة في الحياة.“

هكذا وصفت المومس المقدسة مدينة (أوروك) لـ(أنكيدو) ابن البادية بعد أن علمته فنون التخصيب ونقلته من عالم التوحش إلى التحضر المديني، نص يطالعنا عن حقب سحيقة بالقدم بالنسبة لكاتبها فحينها لم يكن ثمة تدوين، ولم تذكر الكتابة كمعلم حضاري أثناء سرد ملحمة (جلجامش)، فكتبها الشاعر السومري بعد اختراعها لتنقل لنا صورة ما عن (أوروك): المدينة التي ستمنح اسمها للعراق بأسره، ومدى البذخ التي عاشته.

ولم تكن (أوروك) الوحيدة على الخارطة السومرية، فقد رافقتها مدن (كيش) و(لكش) و(أوريدو) و(أور) و(ماري) و(أوما)، والتي افتقرت إلى الأشجار والأحجار، وانعدمت فيها المعادن تماماً، إلى جانب وفرة في الماء والزراعة والثروة السمكية. هذا الأمر أقلق راحة السومريين، وإن كانت المنازل بنيت من الخوص المناسب للطبيعة المستنقعية للبلاد، إلا أنها لا تليق بالحضارة التي وصلت إليها مدن سومر، ولا بمعابد آلهتها التي أوصلتهم إلى ما هم عليه من رخاء واستقرار؛ الأمر الذي دفع البلاد إلى نزاعات عميقة كما نفهم من القصص التالية:

أنميركار ومدينة أرتا

تروي لنا الألواح الطينة قضية حاجة أمير أوروك (أنمير كار) إلى الحجارة لبناء المعابد والأحجار الكريمة لتزينها والتي كانت تتوافر في مدينة (أرتا) البعيدة قرب الجبال، مما جعله يلجأ إلى الحيلة أو ”حرب الأعصاب“ حسب تعبير صموئيل كريمر، وذلك بالتعاون مع (إنانا) عشتار التي تخلت عن سيد (آرتا) بعد أن وعدها (أنمير كار) ببناء معبدها في (الجيبار) ليبسط سيادته على (آرتا) وينجز نواميسه في (كلاب)؛ بهذا اللفظ تماماً يأتي ذكرها، وهي على يبدو حي من أحياء أوروك وكان الأمير منه ولعله مقاربة للشراسة والبأس ليقترب من معناه العربي المعاصر، والذي يهم أن في نهاية المطاف تسلم (أرتا) زمامها طواعية لـ(أوروك).

إمارة كيش وجلجامش

كما أن هذه الأخيرة تقع تحت عين أطماع إمارة (كيش) ذات السبق في القوى العسكرية، الأمر الذي انعكس على بناها اللاهوتي، فمعبودها (نينوردا) سيد الحروب وربها وسليل (أنليل) الذي سيكون فيما بعد سيدا لمجمع الآلهة. كيش تتمدد وتسيطر ولكن (أوروك) سيدة الجمال والبذخ تتمدد أيضاً كما بين النص السابق.

  • كيش: حاليا ً تل الأُحَيمر، دولة مدينية قديمة في بلاد النهرين، واقعة شرق بابل في محافظة بابل، العراق. وطبقاً للمصادر السومرية القديمة كانت مقرا للسلالة الأولى بعد الطوفان. وحسب الرواية تكونت السلالة الأولى في كيش (حوالي 2750 – 2660 ق. م.) من 23 فترة حكم طويلة (بمعدل 1000 سنة لكل واحدة)؛ ومع ذلك يؤمن معظم الباحثين بأن جزءً من السلالة على الأقل تاريخي.

وباتت تهدد نفوذ (كيش) مما حدا بسلطان هذه الأخيرة (أجا) بتهديد أوروك وسيدها جلجامش سيد (كلاب) بالحرب والدمار إن لم تعترف بسلطان أمير كيش عليها، فسارع جلجامش إلى عقد اجتماع طارئ لمجلسي المدينة (مجلس الأعيان) و(مجلس الحرب) في أور إشارة لحالة هي الاولى التي نعرفها على مستوى العالم بأسره، وهو الذي أذهل كريمر وغيره من دارسي الشرق القديم.

ولكن مجلس شيوخ المدينة المنعقد أجاب جلجامش: ”لنذعن إلى بيت كيش ولا نحارب بالسلاح“.

مجلس الشيوخ يبيع سيادة (أوروك) مقابل السلم، فيمتقع لون (جلجامش) ويثور غضبه بينما يرى مجلس الحرب ضرورة المواجه حفاظا على كرامة المدينة.

فأجاب مجلس المحاربين قائلين له: ”لا نذعن إلى بيت كيش ولنضربه بالسلاح، وعندئذ سر جلجامش سيد كلاب“.

فعلى ما يبدو يحاصر (أجا) المدينة، ومن الواضح كان نتيجة رفض (أوروك) الخضوع عملاً بقرار مجلس الحرب ومصادقة (جلجامش) عليه، وتنهي القصيدة بتفاهم سلمي بين المدينتين لا يمكن معرفة الطريقة لانخرام النص المذكور.

أوما ولاغاش

لكن النزاعات الداخلية لم تكن دوماً تحل بطرق سلمية، فالنزاع بين لاغاش (لكش) و(أوما) على الأراضي الزراعية، تحول إلى صراع مسلح وحرب أهلية طاحنة أدى إلى دمار (أوما) وعقد أول اتفاقية سلم أهلي في التاريخ بتحديد الأراضي والملكيات، ولكن سرعان ما كانت (أوما) تنقض الاتفاقية بظهور أمير يرى في نفسه القوة لاستعادة ما سلب منها.

عاشت مدن أرض سومر وأكاد صراعات سياسية مريرة تحولت في بعض مراحلها لحروب ولكن في الغالب كانت تحل النزاعات بأقل الخسائر وتفاهمات تحول دون سفك الدماء، التي أثارها في الغالب أمراء التوحيد السياسي.

قد يفهم من دارسي التاريخ السومري النزوع نحو تصوير حياة مسالمة للسومريين، ولكن لم يكن الأمر تماما كما في التصور الكلاسيكي عن شعب هادئ مسالم، ومن جهة أخرى يذكر للسومريين رغم تلك المفارقة بين وفرة إنتاجها الزراعي وندرة الموارد الأخرى غير الزراعية، أنها لم تشهد حروبا تتوازى مع تلك الهوة التي سعت إلى جسرها بأكثر الطرق سلمية إذا تعلق بالمدن السومرية فيما بينها. ولكن سيبدو المشهد مختلفاً حين تطالعنا معارك الإله (نينوردا) الطاحنة ضد شعوب الجبال، الذين اعتبروا أجانب في الوعي السومري.

مقال من إعداد

mm

غياث عباس

باحث عربي.