في العالم اليوم عشرات التوجهات الدينية الكبرى ومئات إن لم يكن آلاف الطوائف والعقائد الفرعية والمتشعبة منها، هذه العقائد تتنوع في تعاليما ونظرياتها والأجوبة التي تقدمها، وتتراوح في بدايتها بين بضعة منها تبلغ من العمر بضعة آلاف من السنين وأخرى لا تزال فتية بعمر لا يزيد عن قرنين.

هذه المعتقدات المتعددة غالباً ما تمتلك وجهات نظر ثابتة للعالم الطبيعي مع كم كبير من القيود والقوانين التي تحد بشكل كبير من حريات أفرادها وتصرفاتهم، فالمسلمون لا يستطيعون تناول لحوم الخنزير مثلاً والكاثوليك سابقاً لم يكن لهم الخيار في تغيير شريك حياتهم، والمورمون لا يستطيعون تناول أي منبهات أو حتى الشوكولا، والآميش (الذين يقطنون في مزارع معزولة في الولايات المتحدة) لا يستطيعون استخدام أي شيء من نتاج التكنولوجيا الحديثة ويعيشون اليوم كما لو كانوا يعيشون في القرن الرابع عشر.

الموضوع المطروح هنا لا يتناول أياً من العقائد الشهيرة، بل عقيدة جديدة نسبياً تسمى الراستافارية، وهي دين جديد نشأ مع تولي راس تافاري (Ras Tafari) أمر الإمبراطورية الإثيوبية، وبدأ العديد من المبشرين في جامايكا بالتبشير له كالظهور الثالث للمسيح (المخلص). انتشرت الديانة في أوساط السود (ذوي الأصول الأفريقية) في جامايكا مع تمدد حركة (Black Pride) التي كانت تدعم الثقافات الأفريقية كرد فعل على العنصرية ضدهم.

هيلا سيلاسي (راسس تافافري)

امبراطور إثيوبيا والظهور الثالث للمسيح وفق الراستافاريين

الدين الراستافاري يتضمن العديد من التعاليم التي تعنى بالتماهي مع الطبيعة وسوى ذلك، فهو يرفض العلاجات العلمية الحديثة ويتبع أسلوباً علاجياً مكوناً من الامتناع عن أطعمة معينة والالتزام بحمية، بدلاً من استخدام الأدوية أو الأعمال الجراحية وغيرها من أساليب الطب الحديث.

أحد أشهر أتباع هذه الأفكار هو المغني الشهير ”بوب مارلي“ الذي كان له العديد من المحبين والمعجبين حول العالم مما ساهم في إدخال العديدين في هذا التوجه، إلا أنه في النهاية كان ذا تأثير قاتل على مارلي نفسه، ففي عام 1977 أصيب مارلي بأحد أنواع سرطان الجلد الذي بدأ كبقعة داكنة تحت إصبع قدمه، واكتشف لاحقاً حيث شخصه الأطباء ووجدوا أن الحل الأمثل هو استئصال القسم المصاب ومن ثم ترقيعه بجلد من الفخذ.

بوب مارلي

بوب مارلي

نتيجة معتقدات مارلي الدينية قام برفض العلاج المطلوب منه وتجاهل المرض لفترة من الزمن، لينتشر في أماكن متعددة من جسمه منها دماغه ورئتيه ليلجأ بعدها إلى ”العيادة البافارية“ للطبيب جوزف إيسلس الذي تعرض للعديد من الفضائح وقضايا الاحتيال نتيجة ادعائه شفاء السرطان عن طريق أنظمة غذائية فقط، فعلى الرغم من الفضائح المتعددة لهذا الطبيب منذ عام 1961 لجأ مارلي له كونه يقدم علاجاً يتماشى مع معتقداته الدينية، مما أدى إلى تدهور حالته حتى توفي في طريق عودته إلى مسقط رأسه جامايكا.

بطبيعة الحال فدين مارلي ليس الوحيد الذي يعرقل العمليات الطبية ويودي بالنتيجة إلى تفاقم الحالات الطبية وحتى الموت أحياناَ، فكنيسة ”العلم المسيحي“ مثلاً ترفض كل أشكال الطب الحديث وتعتمد على الصلوات للشفاء بدلاً منها، كما أن أتباع دين ”شهود يهوة“ المنشق عن المسيحية يرفضون نقل الدم تحت أي ظرف، كون الإنجيل يحرم ذلك وفق تفسيراتهم.

في يومنا هذا ما زال العديدون من معجبي مارلي يميلون إلى أسلوب الحياة الراستافاري، خصوصاً مع أسلوب الملابس وتدخين الماريجوانا بإفراط مع فخر بكونهم ”راستافاريين“، لا توجد معلومات فعلية عن كون أحد منهم قد رفض العلاج الطبي بسبب معتقداته الدينية، لكن على الأقل في هذ المجال ربما مارلي ليس قدوة جيدة أبداً.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن