in

هل أتاك حديث أم الدنيا؟

أعلم أن من المصريين من سيتهمني بالشعور بالدونية، ولكن في حقيقة الأمر فالخطاب القائل بأن مصر أم الدنيا كلها هو الذي يمتاز بالفوقية الشديدة المقيتة والخادعة، وكلما استمر هذا الخطاب كلما كبرت الفجوة التي وضعت مصر وحيدة بلا أي توأم لها في المنطقة إسوة بالخليج أو بدول شمال أفريقيا مثلاً.

حشود المصريين في ثورة الخامس والعشرين من يناير
اندلعت ثورة 25 يناير في مصر للمطالبة بالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، هذه المبادئ الراقية التي لا تتفق مع الأحداث العنصرية والنزعة التفوقية التي تصدر كلّ فترة عن المصريين. صورة: KHALED ELFIQI/EPA

”أم الدنيا يا مصر فوق الكل اشهد يا زمان“، ”يا حبيبتي يا أم الدنيا يا أغلى الأوطان“، ”أم الدنيا مين ولا في زيها فين بلدي في حباب العين“، هل ترددت على مسامعك أي من تلك الجمل الغنائية التي تجتاح وسائل الإعلام المصرية تزامناً مع ذكرى انتصار حربي ما أو احتفال كروي مثلًا؟ هل ترى كمصري أن بلدك بالفعل هي ”أم لكل الدنيا؟“ وهل أتاك –كعربي– حديث أم الدنيا؟

ما هو حديث أم الدنيا؟ هو ذلك الحديث الذي يضطر غير المصريين إلى سماعه والإيمان به جبراً وترديده أيضاً في كل مناسبة سانحة، وإلا فأطنان من عبارات المن والسباب والعجرفة ستلاحقهم وتطاردهم أينما كانوا، فبالنسبة لقطاع عريض من المصريين؛ كل شيء في الكون أساسه مصري.. كل العلوم انطلقت من مصر حصراً.. كل أمجاد العرب اشتعلت ببارود مصري أولاً.

وبالمناسبة، كاتب المقالة مصري فخور بهويته التي تحمل قصصاً عظيمة لحضارة أعظم، ولكنه يرى ببساطةٍ أن حديث أم الدنيا هو أحد الأسباب الأساسية في معظم الخلافات والجدالات الطاحنة بين المصري وغير المصري، أو سأكون أكثر صراحة وأعترف بأن المصري معرض للكراهية والنبذ أكثر من غيره أينما حل، والسبب أحياناً ”أم الدنيا“.

لماذا أكتب هذه المقالة الآن؟ السبب يبدأ من الجزائر ويمر بالمغرب ويصل إلى (مريام فارس) في لبنان، لنستعرض أولاً ما حدث قبل مباراة منتخب المغرب الافتتاحية في بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة في مصر، حيث انتشر مقطع فيديو لجمع من الجماهير المصرية أثناء مطاردتهم مشجعات مغربيات والتضييق عليهن، وبالطبع لا مانع من بعض التحرش اللفظي، ولا أستطيع تأكيد أو نفي حدوث اعتداءات عليهن لعدم وضوح ما حدث، بعد اضطرارهن إلى التوقف عن السير والاحتماء بالسور الجانبي المحاذي لهن، وهنا انتهى المقطع.

بدأت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بنشر المقطع، وعلى ما يبدو أن موجة غضب مغربية مستحقة سوف تهب على المصريين جراء ما حدث، والحقيقة أن هذا الحدث مشابه كثيراً لأحداث مباراة مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم في نوفمبر 2009 ضد مشجعات الجزائر خارج ستاد القاهرة الدولي، حيث قرر بعض الشباب المصريين عقاب جماهير الجزائر على الإشارات المسيئة التي قاموا بها أثناء اللقاء، فأعطوا لأنفسهم سلطة الاعتداء على الجزائريات عقب المباراة، وربما لا يعلم البعض أن حالات التحرش بالمشجعات الجزائريات قد حدثت بالجملة، وامتدت المطاردات لساعات قبل أن يتمكن الأمن من السيطرة على الأمور. لكن الحادث خلّف جروحاً نفسية جزائرية لم تهدأ إلا برد الاعتداء على بعثة الجماهير المصرية بعد شهور قليلة أثناء مباراة المنتخبين في السودان.. فماذا حدث بعد ذلك؟

اندلعت حملة مصرية تصم الآذان وتنادي بحشد المصريين للوقوف صفاً واحداً أمام كل من تسول له نفسه الاعتداء على مواطن مصري حتى ولو كان الاعتداء مجرد ردّ فعل، أتذكر حينها خطاب الرئيس السابق محمد حسني مبارك للأمة قائلاً: ”إن كرامة المصريين من كرامة مصر، ومصر لا تتهاون مع من يسيئون لكرامة أبنائها“.

ثم جاءت مكالمة نجله علاء مبارك لإحدى القنوات المصرية متوعداً الشعب الجزائري بويلات الغضب الرسمية. وتبارى بعد ذلك مطربو مصر في أداء أغانٍ تحقر من الجميع في سبيل رفعة المصريين فقط منها مثلاً: ”هنا قامت ثورة حركت العرب فاتحرروا“، وأغنية أخرى تقول ”أم الدنيا بقيت أبوها واللي يتطاول عليها نقل قيمته“.

كل ذلك لأن الجزائريين قرروا رد اعتبارهم عمّا حدث ضدهم من اعتداء في مصر، وبالطبع لا أبرر رد الفعل خاصة أن من تم الاعتداء عليهم من قِبل جمهور الجزائر معظمهم من الفنانين الذين لم يُشاركوا في أحداث القاهرة.

والآن، تخيل أنك جزائري قام بعض المصريين بالاعتداء على معارفك ثم قام معارفك برد الاعتداء هذا فانتفض المصريون ليذكروك أن لولاهم لما كان استقلالك، أي أنه لا وزن لمئات الآلاف من شهداء الاستقلال الجزائري أمام مجهودات أم الدنيا في معركة حرية أمتك، هل ستشعر بالإمتنان والعرفان مثلاً؟ هل ستخضع لهذا الابتزاز وتخر ساجداً تحت أقدام أم الدنيا؟

ماذا لو تكرر هذا الحدث بسبب مقطع الفيديو وقرر المغاربة رد الصاع صاعين؟ بم ستذكرهم.. وما هي خطتك للمن عليهم؟ وحتى لو افترضنا أنك قد قدمت إلى جميع شعوب المنطقة يد العون أحياناً، فهل ذلك يغنيك عن الاعتذار في وقت الخطأ ويجعل مكابرتك منطقية وكأنها حقّ كفله لك التاريخ؟

وبذكر التاريخ، سأوجه كلماتي القادمة للمصريين تحديداً: ربما عليك أخي المصري أن تُراجع مثلاً تقارير المواقع المصرية عن حجم المساعدات التي قدمتها 12 دولة عربية لمصر أثناء أشهر انتصارات المصريين في العصر الحديث، وأقصد حرب أكتوبر، بالجند والسلاح والأموال والوقود والضغط الدولي وغيرها من المساعدات، التي لولاها لربما كان الحال قد بقي على ما هو عليه في سيناء حتى اليوم.. أليست تلك تضحيات أيضاً أم أن المن لا يعرف إلا عنوان سيرة جمال عبد الناصر؟

إذا نظرت للأمور بعين محايدة فسترى أن التاريخ دوماً ما يسير في طريق باتجاهين، منك وإليك. فإذا كنت قد قدمت يد المساعدة للسوريين من أجل البحث عن حياة كريمة أثناء أزمتهم، فتذكر أن ملايين المصريين قد انتعشت جيوبهم جراء سماح العراق لهم بالعمل بدون شروط في أرضه حينما ضاقت عليهم مصر.

وإذا كنت ترى أن الحضارة المصرية لا مثيل لها، فكما قدّمت إلى العالم فن التحنيط، فتذكر كيف أنعمت علينا سوريا بفن الموسيقى، ووضعت حضارات العراق أسساً لقصص الشخصيات الدينية التي تم نحتها على جدران معابد بابل. طبعاً لا أقيس هنا الحضارات بالمسطرة لأقول أيها أكبر من الأخرى، ولكن لكل حضارة رونقها ونتاجها، ولا يعني ذلك أنه لا بد أن تُصبح أي منها أمّاً للحضارات الأخرى.

المحطة الأخيرة: مريام فارس

مرة أخرى قرر المصريون التنمر على هيئة شخص ما لأنه لم يقدم فروض الإجلال لهم، والضحية هنا المطربة اللبنانية مريام فارس التي أجابت عن سؤال صحفي لها حول عدم إحيائها لحفلات في مصر في الفترة الأخيرة بأن أجرها قد ارتفع بعد ما وصلت إليه من نجومية، وأن متعهدي الحفلات في مصر غير قادرين على دفع ذلك الأجر، لذا بدأ المصريون وفي مقدمتهم الفنانون المشهورون بالتنمر على قصة شعر مريام فارس وشكلها قبل وبعد الشهرة وعلى صوتها، حتى وصفها أحدهم بـ”الكارتة الخانفة“ أي مجعدة الشعر التي يصدر عنها صوت مكتوم بسبب أنفها، ورد أحدهم بأن مصر هي من صنعت مريام فارس وألحق تغريدته بهاشتاج قومي (#هي_دي_مصر_يا_مريام) إسوة بالمقولة الشهيرة (#هي_دي_مصر_يا_عبلة) التي استخدمها فنان كان يؤدي دور ضابط مخابرات بعد القبض على جاسوسة.

العجيب أن قبل أيام قليلة من تلك الأزمة كانت هناك تسريبات عن رفض عمرو دياب ومحمد منير إحياء حفل افتتاح بطولة كأس الأمم الأفريقية في مصر نظراً لأن مصر لا تستطيع دفع أجورهم، ولم يقل أحد لهم (هي دي مصر يا هضبة) مثلاً، ربما لأن كليهما مصري الجنسية ويحمل ختم ”أم الدنيا“.

لن أجادل في قضية الإعلام المصري ومساعدته مريام في بلوغ نجوميتها الحالية، فهذا وضع طبيعي نظراً للقوة الإعلامية الهائلة التي تمتلكها مصر والتي جعلتها منفذاً لجميع الفنانين العرب، ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن التنمر ضد هؤلاء الفنانين حق أصيل للمصريين. ولا يجب أن ننسى أيضاً أن السينما اللبنانية في وقت ما قد فتحت أذرعها واستقبلت الأعمال المصرية على شاشاتها حينما كانت تلك الأعمال ممنوعة من التصوير والعرض في مصر، ومرة أخرى لا أقيس الحالتين بالمسطرة.

أعلم أن من المصريين من سيتهمني بالشعور بالدونية، ولكن في حقيقة الأمر فالخطاب القائل بأن مصر أم الدنيا كلها هو الذي يمتاز بالفوقية الشديدة المقيتة والخادعة، وكلما استمر هذا الخطاب كلما كبرت الفجوة التي وضعت مصر وحيدة بلا أي توأم لها في المنطقة إسوة بالخليج أو بدول شمال أفريقيا مثلاً.

ولكي أكون مُنصفاً، فتلك الآفة لم تترعرع فقط في الأراضي المصرية وإنما في معظم الأراضي العربية، فهناك من يرى أن الشام أصل الأنسانية وهناك من يؤمن أن شمال أفريقيا أمة مختارة بذاتها وهناك من يقسم أن السعودية هي مركز الكون، والواقع يقول بأن الجميع في مأزق ولكن من الأفضل أن يتحدث كل عن وطنه حتى لا تضيع كلماته وسط اتهامه بالحقد على أوطان غيره، وأعتقد أن تلك مهمة يجب أن يقوم بها عدة شخصيات بجنسياتها المختلفة عن طريق خطاب موحد ينزع العصبية ويعترف بأن تلك الخطابات الوطنية الفوقية ما هي إلا مُسكنات وجرعات يُكمِل بها الجائع صحنه، ويُرقّع بها الفقير ملابسه المهترأة، فيما ينعم الحاكم بنوم هانئ مرتدياً زياً حريرياً بعد عشاء على مائدة عظيمة، فيما تؤنسه ترانيم جموع الشعب الوطنية خارج أسوار قصره.

جاري التحميل…

0