in

إيحاءات الأعضاء الذكرية في العالم القديم

عُثر مؤخراً على فسيفساء تصور رجلا شاباً يمسك بقضيبه ”المنتصب“ بيده في أحد المراحيض الرومانية في تركيا، غير أن هذا يبقى بعيداً كل البعد عن كونه أمراً مستجداً فلطالما كان إبراز الأعضاء التناسلية الذكرية في الفن تقليداً تعود جذوره إلى الماضي السحيق.

صورة أسد ”قضيب“ مجنح روماني.

عندما بدأت أعمال التنقيب الأثرية في مدينة (بومبي) الرومانية في القرن الثامن عشر؛ تبين أن هذه الأخيرة كانت تعج بمنحوتات تصور الأعضاء الذكرية. كان هذا الفن القديم الذي حُفظ تحت أكوام رماد ثوران بركان (فيسيفيوس) في عام 79 ميلادي غنياً بالمواد الإباحية والشهوانية، لدرجة أن جامع التحف الأثرية الإنجليزي (ريتشارد باين نايت) جادل بوجود مذهب ديني يتمحور حول الخصوبة والجنسانية وعبادة الأعضاء الذكرية في تلك المنطقة.

نشر (باين نايت) كتابه بعنوان: «قصة بقايا عبادة بريابوس» الذي تتضمن صورة صدره عدداً من الأعضاء الذكرية المصنوعة من الشمع، والتي كانت تقدم كقرابين ونذور للإله (بريابوس). بعد مضي أكثر من 200 سنة لاحقاً؛ ما زال بإمكاننا في يومنا هذا رؤية الطريقة التي كانت تُبجَّل بها الأعضاء الذكرية في العالم القديم، وقد كان ذلك يحدث تقريباً في كل مكان.

صورة صدر كتاب المؤلف (ريتشارد باين نايت) بعنوان: «قصة بقايا عبادة (بريابوس)»، التي تظهر قضباناً شمعية كانت تقدم قرابيناً.
صورة صدر كتاب المؤلف (ريتشارد باين نايت) بعنوان «قصة بقايا عبادة بريابوس»، التي تظهر قضباناً شمعية كانت تقدم قرابيناً.

نجح علماء آثار مؤخراً في التنقيب عن مرحاض عمومي روماني في جنوب تركيا يتضمن بعضاً من أكثر الزخارف فضحاً التي تزين أرضيته، وتبين أن مستخدميه آنذاك كانوا يمتعون أنظارهم بها بينما كانوا يقضون حاجاتهم، فكان مستعمل المرحاض ليجد أمامه فسيفساء تبرز شاباً يمسك قضيبه المنتصب بيده، وذُكر اسم هذا الشاب في الفسيفساء على أنه (نارسيسيوس)، الذي وفقا للميثولوجيا اليونانية القديمة وقع في حب انعكاس صورته وتحول هوسه بصورته هذا إلى مرض استهلكه كله.

هنا، في هذا المرحاض الذكري القديم المُكتَشَف حديثاً، ركز (نارسيسيوس) اهتمامه أكثر على قضيبه المنتصب، الذي يبدو أنه كان يداعبه.

أظهرت التقارير التي تناولت هذا الاكتشاف ”الفاضح“ أنه على الرغم من درجة التعقيد التي صرنا عليها في حياتنا العصرية هذه، فما زالت تتملكنا الدهشة التي كانت تتملك عشاق الفنون ”المحتشمين“ من القرن الثامن عشر لدى مصادفتهم للفنون الإباحية القديمة.

تتضمن الفنون التي عُثر عليها في مدينة (بومباي) الأثرية التي قبعت مدفونة تحت أطنان من الرماد البركاني جدارية للإله (بريابوس)، إله الوفرة والخصوبة والحدائق والشهوات، وهو يلوّح بقضيبه هائل الحجم ويضع على كفة ميزان. كانت الأبواب والحدائق في جميع أحياء (بومباي) تقريباً مزينة بأعضاء ذكرية برونزية معلقة مع أجراس، التي كان يطلق عليها اسم (تينتينابولا)، والتي اكتشف وجودها عبر كامل الإمبراطورية الرومانية.

بدون شك، كانت كل تلك القضبان هائلة الحجم المنتشرة في الطرقات، والأبواب، والبوابات، والحدائق، والمراحيض العمومية تجسد العجرفة الذكورية للمجتمع الروماني والإمبريالية التي يتسم بها. غير أن ما يجب قوله هنا، هو أن فن إبراز القضيب البشري الروماني القديم قد كان له سابق وسلف من حضارات غابرة، منها الحضارة الإغريقية.

تقريباً، كانت كل المزهريات الإغريقية القديمة التي اكتُشفت مزخرفة بصور لأعضاء ذكرية بشرية. على سبيل المثال، عُثر على إناء أثري يحمل توقيع الفنان (دوريس) حوالي 480 قبل الميلاد، الذي يصور أنصاف إله الغابة وهم يخوضون في حفلة ماجنة، وكان واحد منهم قد ارتكز بيديه على الأرض واضعاً إياهما خلفه بينما جعل من شكل جسمه قوساً حتى يتسنى له موازنة كوب على قضيبه المنتصب.

إناء أثري يحمل توقيع الفنان (دوريس) حوالي 480 قبل الميلاد
إناء أثري حوالي 480 قبل الميلاد. صورة: The British Museum

لم يتم فقط إبراز أعضاء أنصاف إله الغابة التناسلية بشكل كامل، فقد تضمنت تماثيل لرياضيين وآلهة أخرى تصويراً كاملاً وصريحاً للأعضاء الذكرية، حيث يظهر تمثال برونزي مشهور للإله (زيوس) قضيبه وخصيتاه بشكل ممتاز وبدقة متناهية.

قد يبدو الفن المصري مقارنة بالفن الروماني أو الإغريقي محتشما وخجولاً بعض الشيء، غير أن هذا لا يمثل الحقيقة كاملة. حيث تسببت أعمال تخريب لاحقة في إزالة ”قضبان“ الكثير من التماثيل المصرية الفرعونية. في الواقع، كان واحد من أقدم الآلهة المصرية وهو الإله (مين)، ذاتاً متميزة بقضيبها الضخم، تماما مثل الإله (بريابوس)، فقد تم إبرازه مع عضو ذكري هائل الحجم ومنتصب، الذي يتم تصويره في أغلب الأحيان وهو يمسك به بيده.

في الصورة…فجوة حيث كان في السابق يوجد قضيب في تمثال الإله (مين) من عام 3300 قبل الميلاد.
في الصورة… فجوة حيث كان في السابق يوجد قضيب في تمثال الإله (مين) من عام 3300 قبل الميلاد. صورة: Heritage Image Partnership/Alamy

كما يوجد إثنان من أقدم التماثيل في الحضارة المصرية اللذان يعود تاريخهما إلى ما قبل 3300 قبل الميلاد، واللذان يعود كلاها للإله (مين)، واللذان يبرزان الأعضاء الذكرية لهذا الأخير. توجد هذه التماثيل الآن في متحف (آشموليان) في (أوكسفورد). بإمكانك رؤية الثغرة التي خلفتها إزالة القضيب الذي كان في يوم ما موجوداً على هذا التمثال.

بالعودة بالزمن إلى الوراء قليلاً، أقدم من زمن الحضارات السابقة، وفي العصر الحجري الحديث، نجد تمثالا أو منحوتة تبلغ من العمر 11 ألف سنة توجد الآن في المتحف البريطاني، والتي تبرز عضوين ذكريين وكأنهما عاشقان يلتفان حول بعضهما البعض. تم نحت كلا المنحوتتين من نفس الحجر، واتخذتا شكلا أسطوانياً ورؤوساً دائرية الشكل، مما يشير إلى أنهما قضيبان ”متعانقان“.

منحوتة تبلغ من العمر 11 ألف سنة توجد الآن في المتحف البريطاني، والتي تبرز عضوين ذكريين وكأنهما عاشقان يلتفان حول بعضهما البعض
منحوتة تبلغ من العمر 11 ألف سنة والتي تبرز عضوين ذكريين وكأنهما عاشقان يلتفان حول بعضهما البعض.

اليوم يضع المتحف البريطاني هذه التحفة الجميلة ضمن جولات الـ LGBTQ السياحية التي يقدمها.

السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هنا هو كالتالي: ما الذي تعنيه كل هذه الرسومات والتماثيل الشهوانية؟

تظهر فسيفساء المرحاض العمومي الروماني المكتشف حديثاً في تركيا بأن الرومان والإغريق كانوا يحبون السخرية من أساطيرهم وآلهتهم. كما قد يقترح الأمر في نفس الوقت مناخاً إباحيا مثلياً في هذا المرفق العمومي: حيث توجد فسيفساء أخرى هناك التي تبرز (غانيميدي)، وهو الصبي الذي عشقه الإله (جوبيتر)، وتبرزه الفسيفساء وهو يغتسل عارياً.

تم إبراز (نارسيسيوس) على أنه ذو أنف طويل جدا بالإضافة لـ”أشياء أخرى“! صورة: Antiochia ad Cragum Excavations

يحمل (نارسيسيوس) في هذه الفسيفساء قضيبه بيده اليسرى، تماما مثلما هو الحال لدى تماثيل الإله (مين) المصري. في الواقع، يعود أصل العضوين الذكريين ”العاشقين“ الملتفين حول بعضهما البعض والموجودين الآن في المتحف البريطاني إلى منطقة الشرق الأوسط، في منطقة كانت الزراعة فيها تعيش تطوراً. ربما كانت كل هذه الأغراض والصور الجنسية الذكرية تحتفي بتخصيب الأرض والزراعة.

من بين الأماكن التي عثر فيها على منحوتة عضو ذكري في مدينة (بومبي) الأثرية هو مدخل مخبزة. لم يكن العالم القديم يرى الشهوانيات والإباحية في كل مكان فقط، بل كان ينظر إليها بطريقة من الصعب علينا في زمننا الحاضر استيعابها.

كما قد يكون من المغري بالنسبة لعقولنا محاولة مطابقة الفسيفساء الإباحية التي عثر عليها في مرحاض تركيا الروماني مع أعمال الغرافيتي في مراحيض زمننا الحاضر، غير أن تلك المعادلة خاطئة للغاية على الرغم من كونها مغرية. ذلك أن السابقة ليست أعمال تخريب صدرت عن مستعملي المرفق العمومي، بل أعمال فنية جاءت على يد أي كان من بنى ذلك المرحاض.

جاري التحميل…

0