in

العثور على عظام حمير داخل قبر سيدة صينية نبيلة، والسبب هو رياضة البولو!

حمار

تميل الحمير لكونها تلك الحيوانات ذات السمعة السيئة، فهي أقصر قامة وأكثر اكتنازاً وبطئا من الأحصنة.. قريباتها المتميزة، ولطالما اقترن اسم الحمار بالغباء والعناد والبلادة، خاصة في الثقافة الحديثة.

لكنها لو كانت ما تزال حية في يومنا هذا، لخالفتنا هذه المرأة الصينية النبيلة الرأي جميعنا، ذلك أنه قد عثر في داخل قبرها على ثلاثة هياكل عظمية تعود للحمير، لذا ما سر الحب الذي تكنه امرأة نبيلة عاشت في حقبة سلالة (تانغ) الحاكمة للحمير؟

تدعى هذه المرأة صاحبة القبر المثير للجدل (كوي شي)، وهي سيدة نبيلة ولدت لعائلة مرموقة وتوفيت في (تشيان) في الصين سنة 878 للميلاد. لقد أحبت السيدة (شي) هذه الحيوانات العنيدة لدرجة أن وصيتها قبل وفاتها تضمنت طلبها دفن ثلاثة منها على الأقل معها.

يبدو أن هذه الحيوانات التي على الرغم من عنادها فهي تبقى وفية للغاية، كانت في الواقع تمثل مركب السيدة (شي) أثناء لعبها رياضة البولو التي تحبها كثيراً، وربما كانت تفضل ركوب الحمير لممارسة هذه الرياضة –التي تمارس عادة على أظهر الخيول– لأنها قصيرة القامة وبطيئة السرعة مما يجعلها أقل خطورة، وذلك وفقا لدراسة نشرت في مستهل شهر مارس 2020 في مجلة Antiquity.

تمثل هذه الاكتشافات أول دليل ملموس عن رياضة بولو الحمير في الإمبراطورية الصينية. في السابق، كان الأمر محصورا بين صفحات كتب التاريخ، كما أن هذه الاكتشافات تدحض بعض التوقعات المجتمعية حول الصين القديمة، وهي أن الحمير كانت لا تستخدم إلا للمهام الشاقة وخاصة في النقل، وهو ما تتفق عليه رئيسة البحث (فيونا مارشال)، عالمة آثار لدى جامعة واشنطن.

بعض مما عثر عليه داخل قبر السيدة النبيلة (كوي شي).
بعض مما عثر عليه داخل قبر السيدة النبيلة (كوي شي). a- ركاب، وb- حجر منقوش، وc وd- عظام حمير. صورة: Cambridge

تقول الباحثة (مارشال): ”الحمير.. ليست مرتبطة عادة بالقوم رفيعي المقام“، واستطردت الباحثة التي ساعدت في استخراج قبر (كوي شي) في سنة 2012: ”كانت حيوانات يستخدمها عامة الشعب“.

غير أن (كوي شي) وجدت نطاقا غير مألوف ونبيل نوعاً في نظر البعض لهذه الحيوانات القوية. لقد كانت هي وزوجها، وهو جنرال صيني يدعى (باو غاو)، يحبان رياضة البولو كثيراً، وهي رياضة ذات شعبية كبيرة لكنها خطيرة في نفس الوقت، حيث لطالما تسببت في إصابة وحتى قتل بعض لاعبيها إثر سقوطهم من على صهوة أحصنتهم.

حتى (باو غاو)، الذي اشتهر ببراعته في هذه الرياضة فقد إحدى عينيه خلال مباراة. ومن بين ضحايا هذه اللعبة أيضاً نذكر الإمبراطور الصيني (موتسونغ)، الذي لقي مصرعه بعد أن سقط من على صهوة جواده أثناء إحدى المباريات هو الآخر.

من أجل خفض خطر الإصابة والموت في هذه اللعبة، جاء النبلاء بفكرة استبدال الأحصنة بالحمير وأطلقوا على اللعبة اسم Lvju، فكانت الحمير أبطأ وأكثر ثباتا وأخفض ارتفاعاً ومنه أقل خطورة.

على الرغم من أن لعبة Lvju الجديدة كانت تلعب بالتزامن مع لعبة البولو النموذجية، فعلى حد علم الباحثين، لم تخلد صفحات التاريخ والفن سوى نسخة الأحصنة منها.

لم تشر السجلات إلى حب (كوي تشي) الكبير تجاه الحمير قبل وفاتها، لكن يبدو عليها أنها كانت متحمسة لعيش حياة الآخرة بمعيتها، حيث وفقا للباحثة (مارشال)، قبل أن تتوفاها المنية عن عمر 59 سنة (وفاتها لا علاقة لها برياضة البولو)، طلبت (كوي شي) في وصيتها بأن يتم ضم عدة من الحمير التي كانت تركبها في لعبة البولو إلى جثمانها حتى تستمر في لعب رياضتها المفضلة إلى الأبد.

جمجمة وفك حمار دفن داخل ضريح (كوي شي)، التي كانت تحب لعب البولو على ظهور الحمير.
جمجمة وفك حمار دفن داخل ضريح (كوي شي)، التي كانت تحب لعب البولو على ظهور الحمير. صورة: Cambridge

في نهاية المطاف، تم فتح ضريح (كوي شي)، وهناك عثر على عظام الحمير التي أشارت تقنية التأريخ باستخدام الكربون المشع أنها وضعت هناك في نفس الزمن الذي توفيت فيه (شي).

أشارت كذلك بعض العلامات المميزة التي عثر عليها على عظام الحمير إلى أنها قضت معظم حياتها في العدو السريع والالتفاف والدوران المفاجئ، وهي حركات لا تمارس تقريبا إلا في رياضة البولو.

قال (سونغماي هو)، باحث لدى أكاديمية (شانكسي) لعلوم الآثار: ”يمنحنا هذا السياق دليلاً على أن الحمير التي عثر عليها داخل قبرها كانت تستخدم في لعبة البولو، وليس للنقل“.

غير أن (ويليام تايلر)، وهو عالم أنثروبولوجيا في جامعة (كولورادو) والذي لم يكن له دور في الدراسة الآنفة، بدا أكثر تحفظاً في تصريحاته، حيث أشار إلى بعض الشروحات البديلة حول العلامات الموجودة على عظام الحمير التي دعت الباحثين إلى الجزم بأنها نتاج استخدامها في رياضة البولو، قائلا بأنها على الرغم من أنها قد تكون استخدمت في لعبة البولو، فإنها قد تكون استخدمت أيضا في سحب العربات أو طحن الحبوب، وهي نشاطات من شأنها أيضا إحداث نفس العلامات على عظامها.

في كلتا الحالتين، سلطت اكتشافات الباحثين الضوء على إنجازات هذه الحيوانات التي دائما ما يستهان بها ويقلَل من قيمتها وتقديرها، أو مثلما تصف الأمر (ساندرا أولسن)، وهي عالمة آثار في جامعة (كانساس): ”حان الوقت الذي يجب فيه أن نعترف بقيمة الحمير“.