in

كيف يتلاعب المسوقون بعقولنا: التلاعب النفسي في الإعلانات

نرغب جميعاً بالاعتقاد أننا لا نخضع ولا ننجر لإعلانات المنتجات، وأن خدع تلك الشركات لا تنطوي علينا. لكن إليك حقيقة: تلك الإعلانات «السخيفة» التي شاهدتها خلال حياتك قد أثرت على خياراتك الشخصية بلا شك! إلا إذا لم تشاهد أي إعلانٍ لمنتج ما حتى الآن، وهذا أمر بعيد عن المنطق أليس كذلك؟

لكن كيف تغير الإعلانات أراءنا حول منتجاتٍ أو علامات تجارية معينة؟ وربما تساءلتم سابقًا عن سبب شرائنا لمنتجات محددة بعدما شاهدنا إعلاناً لها على التلفاز مثلاً؟ لكن في الواقع، تغيّر الهدف وراء الإعلانات بشكل كبير عما سبق، فلم تعد الشركة تتطلع لبيع منتجاتها على الفور بعد إصدار إعلان لتلك المنتجات، ولا تتوقع أيضًا أن يتصل الزبائن ويطلبوا شراء المنتج، وهذا ما كان يحصل سابقاً في منتصف القرن الماضي.

إعلان سيارة من القرن الماضي. صورة: The Advertising Archives

إذاً، لم يعد هدف الشركات إخبار المستهلك بمنتجاتها وميزات تلك المنتجات. فلنأخذ مثلاً شركة «مكدونالدز» التي تمتد أفرعها لتغطي جميع بقاع العالم تقريباً، فما الفائدة من صرف الأموال على الدعايات إن كانت شركة مثل «مكدونالدز» معروفة ومشهورة جداً؟ السبب هو أن الشركة تحاول بناء «اعتقاد» لدى الناس أنها «علامة تجارية كبرى». أي أصبح لدى المستهلكين صورة تربط الوجبات السريعة بـ «مكدونالدز». لنتابع أكثر كي نفهم الحقيقة وراء السبب الذي يدفع الشركات إلى الإعلان عن منتجاتها.

هناك طريقتان نفسيتان رئيستان يستخدمها المروجون اليوم للإعلان عن المنتجات، تُعرف الطريقة الأولى باسم «تأثير التعرّض المحض»، ما يعني أن الناس يميلون لتفضيل المنتجات لأنهم على دراية بها فقط، أي أنهم يعلمون بوجود تلك «الماركات». بالتالي تهدر الشركات الكثير من الأموال على منتجات شهيرة أساساً، والسبب هو –بشكل أو بآخر– شعور الناس بالارتياح عندما ينتمون لمجموعة ما. فمثلاً، إذا ذهبت إلى متجر أو مصرف ولاحظت وجود طابورين من الأشخاص المنتظرين أحدهما أطول من الآخر بقليل، سيختار معظم الناس الطابور الأطول –إلا إذا كانوا في عجلة من أمرهم مثلاً– لأنهم قد يعتقدون أن غالبية الناس اختارت الطابور الأطول لسبب ما، بالتالي لا بد أن أحد الطابورين أفضل من الآخر. فمن الأسهل والأريح علينا «السير وراء القطيع».

تُطبق الفكرة نفسها في الإعلانات، فكلما «تعرّض» المستهلك لعلامة تجارية ما، سيبدأ المستهلك بالشعور أنه «يعرف» تلك العلامة التجارية، أي تصبح مألوفة بالنسبة له، وربما سيشتريها في المرة القادمة. فإذا ذهبت إلى سوبرماركت، ستشتري على الأغلب منتجات تعرفها وشاهدت دعايتها على التلفاز مثلاً، مهما كانت تلك المنتجات، وستكون راضياً جداً عن اختيارك حتى لو كان سعر المنتج أغلى من منتجات أخرى مشابهة تماماً لكنك لم تسمع بها على الإطلاق، بل ربما ستعتقد –لا شعورياً– أن هذا المنتج أفضل من باقي المنتجات، وستسأل نفسك ”إذا لم يكن المنتج جيداً، فكيف أصبحت الشركة المصنعة إحدى الشركات الكبرى؟“.

حبوب دواء أدفيل.

فلنأخذ أيضاً الأدوية المسكنة للآلام التي بإمكانك شراؤها بلا وصفة طبية. فجميع تلك الأدوية تحوي نفس المكونات الكيميائية، لكن أسماءها مختلفة وفقاً للشركات المصنعة لها. وإذا احتوت تلك الأدوية على مكونات مختلفة، فلا يمكن للشركة المصنعة إطلاق نفس الاسم عليها. فلو أخذنا دواء «أدفيل» –وهو مضاد التهاب غير ستيروئيدي– للاحظنا أن اسمه العلمي «إيبوبروفين»، أي أنه لا يختلف على الإطلاق عن دواء «إيبوبروفين»، وهو دواء مكافئ للأدفيل –لهما نفس المكونات تماماً ومتكافئين من ناحية الشكل الدوائي وشدته ونوعيته، لكنه يُسوّق باسمه العلمي بدلاً من الاسم التجاري– لكن الناس غالباً ما تقوم بشراء «أدفيل» على الرغم من فرق السعر بينهما.

أي من الأسهل لنا اختيار ما يختاره معظم الناس، وغالباً ما نبتعد عن الأدوية منخفضة السعر لأننا نعتقد أنها «أقل نفعاً» من الأدوية التي تحوي نفس التركيب الكيميائي، لكنها تحمل اسماً تجارياً آخراً.

أجرت «جامعة سينسيناتي» الأمريكية دراسة على مرضى داء باركنسون، فأعطت قسماً منهم دواء ما ادعوا أنه أعلى ثمناً ويحمل اسماً تجارياً، بينما أعطت القسم الآخر دواءً مكافئاً لا يعود لشركة ما، وأقل ثمناً.

بعدما تناول المرضى الدواء «باهظ الثمن»، لاحظ أصحاب الدراسة ازدياد المهارات الحركية لدى 28% من المرضى الذين تناولوا الدواء الباهظ مقارنة بأولئك الذين تناولوا الدواء الأرخص، بينما في الواقع، تلك الأدوية ليست إلا محاليل ملحية.

السبب هو اعتقاد المرضى الذين تناولوا الدواء الباهظ أن الشركة ومنتجاتها أفضل، لذا شعر المرضى أنهم بحالٍ أفضل جراء العلاج الوهمي أو البلاسيبو. وبالنتيجة، يبدو أن إنفاق المزيد من المال سيجعل الإنسان أكثر سعادة أو أفضل، في معظم الأحوال طبعاً وليس دائماً.

عندما نشاهد إعلان العصير هذا، خاصة في الأيام الحارة، سنتمنى لو كان هذا الكأس في متناول يدنا!

تُعرف الطريقة الأخرى باسم «الإشراط الكلاسيكي» أو «الإشراط البافلوفي»، وسميت بذلك تيمناً بالعالم الروسي (إيفان بافلوف) والدراسة التي أجراها في تسعينيات القرن التاسع عشر. لاحظ (بافلوف) أن اللعاب بدأ يسيل من فم كلبه عندما يدخل الغرفة، حتى لو لم يحمل (بافلوف) طعاماً بيده في المرات اللاحقة. السبب هو أن الكلب توقع حصوله على الطعام في كلّ مرة يأتي فيها (بافلوف) إلى الغرفة. بعدها، قرر (بافلوف) إشراك الجرس في تجربته في كلّ مرة يجلب فيها الطعام للكلب، وبالتالي وبعد فترة، أصبح لعاب الكلب يسيل كلما سمع الجرس.

يُطبق هذا المبدأ النفسي على البشر أيضاً. حيث تحاول الشركات منح علاماتها التجارية بعض «المشاعر» أو ردات الفعل أو الصور التي تربطها بالمنتج. كإعلان سيارة ما تسير ضمن منطقة ريفية جميلة، ما يجعلك تشعر بالهدوء والاسترخاء مثلاً جراء هذا المنظر البهيج. هذا ما تسعى إليه الشركات، حيث تحاول عرض صورٍ ما مرتبطة بمنتجها، وبالتالي سيرتبط المستهلك –لا إرادياً أيضاً– بتلك الإعلانات والصور أو العبارات المرفقة معها. والشيء المثير للاهتمام أن هذه التقنية تقدم نتائجاً إيجابية للشركات وبشكل دائم! مهما حاول المرء عدم الانصياع لتلك الدعايات.

تطرح شركة فورد سيارتها هذه وتصوّر لك الغبار المتطاير عند سيرها على الطرقات الجبلية، ما يجعلنا نعتقد لا شعورياً أن هذه السيارة جيدة جداً. صورة: Ford

يجري هذا الأمر بشكل واضح في إعلانات شركات السيارات التي تلجأ دائماً إلى هذه الحيلة. فنادراً ما يكون للإعلان أي علاقة بالسيارة، ولن تشاهد معلومات واضحة عن مواصفات السيارة أو ما شابه ذلك، بل غالباً ما تتمحور الإعلانات حول شخص يقود السيارة. ففي إعلانات السيارات الفاخرة مثلاً، ستلاحظ أن سائقها غالباً ما يلبس ثياباً رسمية فخمة أو ينزل من سيارته ليحضر حفلاً ما، بينما تلاحظ في إعلانات السيارات الرياضية متعددة الأغراض SUV أن السيارة تسير في مناطق طبيعية وتشعر حقاً بروح المغامرة أثناء قيادة تلك السيارة، هذا ما تبحث عنه الشركات تماماً، فهي لا تروّج للسيارة، بل لأسلوب حياة مالكي هذه السيارة، وهذا ما يطمح المرء إلى تحقيقة عند رؤية الإعلان، جميعنا يرغب بحضور أحداث رفيعة المستوى في سيارته الفخمة، وجميعنا يرغب بمغامرة على الشاطئ في سيارته الكبيرة والواسعة!

إعلان لسيارة تويوتا هايلاندر، لاحظوا أيضاً البيئة المحيطة التي استخدمتها الشركة في إعلانها. صورة: Toyota

لعلّ إعلان سماعات Beats واحدٌ من أفضل وأنجح الإعلانات التي رأيناها في حياتنا، فـ Beats تهيمن على 27% من سوق السماعات البالغ قيمته 1.8 مليار دولار أمريكي، على الرغم من أن الجميع يعلم مدى جودة سماعات Beats، والتي قد تصنف «متوسطة الجودة» في أحسن الأحوال، بل أن صحيفة «نيويورك تايمز» أوردت ثمن تصنيع سماعات Beats، وهو 14 دولار، مع أن الواحدة منها تُباع بـ 250 دولار.

نجم كرة السلة الأمريكية ليبرون جيمس مرتدياً سماعات Beats، تلك طريقة شائعة في جلب المزيد من المستهلكين عندما يشاهدون نجومهم المفضلين وهم يرتدون منتجاً ما. صورة: YouTube / NBA / Beats by Dre

لكن السبب وراء اعتبار «بيتس» من المنتجات الفخمة هو التسويق: فمنذ بدايتها، أنفقت Beats الكثير والكثير من المال لرعاية نجوم ومشاهير. فتشاهد اليوم معظم الرياضيين في العالم وهم يرتدون سماعات Beats في المقابلات أو أثناء التدريبات، هذا ما سيقنع المستهلك أن تلك السماعات رائعة جداً، وهي باهظة الثمن لأنها أفضل نوعٍ من السماعات. لذا، فالثمن المرتفع والمواد الجيدة التي يُصنع منها المنتج، إضافة إلى التغليف الجيد والإعلانات بالاعتماد على المشاهير، جميعها أمور تجعل الناس يتهافتون على شراء المنتج، حتى لو لم يكن هذا المنتج جيداً، أي تماماً كما يحصل مع دواء أدفيل!