معلومات عامة

كيف ومتى أصبحت سراويل الجينز ذات شعبية كبيرة؟

سراويل الجينز

تعتبر سراويل الجينز واحدة من أكثر قطع الملابس شهرة على الإطلاق مع ملايين الأزواج التي تصنع وتباع يوميا حول العالم، لكن ما الذي يجعل من سراويل الجينز هذه ذات شعبية كبيرة لهذه الدرجة؟ ولأي غرض وجدت لأول مرة؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، من الضروري والمنطقي أن نحدد ما نعنينه بقولنا لكلمة ”جينز“، لأن سياق الكلمة تغير خلال القرون القليلة الماضية.

كما يوضحه موقع (موسوعة الموضة) Fashion Enyclopedia، وجد مصطلح ”جينز“ منذ سنة 1600، أين أنشئ للدلالة على ”الملابس القاسية والخشنة التي يرتديها العمال“، وبما أن النسيج الذي كان يستخدم في صناعة هذه الملابس كان مصدره منطقة (جنوة) Genoa في إيطاليا، فإنه كان يشار إليه بشكل عام باسم (جين) Jean أي القادم من جنوة.

أراد صانعو الأقمشة في منطقة (نيم) Nimes في فرنسا تقليد صناعة هذا النسيج ونجحوا في ذلك، واشتهر لاحقا منتوجهم هذا باسم (دينيم) Denim، وهو تهجين لكلمتي De Nimes أي القادم من (نيم).

لكن ما الذي يجعل الجينز الحالي والحديث مختلفا عن بناطيل العمل التي كانت تغطي سيقان العمال في القرن السادس عشر؟

يعتبر الفرق المفتاحي والرئيسي هو في الكيفية التي تربط فيها الجينز الحديثة بين قطعها، وهي باستعمال ”البراشيم المعدنية“.

إذا كنت حاليا ترتدي زوجا من الجينز، وهو أمر محتمل جدا إحصائيا، فقد تلاحظ بأنه قد تمت خياطة أجزائها مع بعضها البعض وربطها في نقاط مفتاحية باستعمال براشيم صغيرة.

فكرة استعمال البراشم المعدنية في دعم وتقوية خياطة بناطيل العمل من بنات أفكار شخص واحد عرف باسم (جايكوب دايفيس)

فكرة استعمال البراشم المعدنية في دعم وتقوية خياطة بناطيل العمل من بنات أفكار شخص واحد عرف باسم (جايكوب دايفيس)

هذه البراشيم هي إضافة جديدة نوعا ما إلى الجينز، ويعزى السبب في فترة صلاحية سراويل الجينز هذه وعمرها الافتراضي الطويل جدا إلى هذه البراشيم.

على عكس ما كنت تظنه، وعلى عكس نمط الخياطة المعهود الموجود على الجيوب الخلفية لهذه السراويل، ليست البراشيم هناك من أجل العرض فقط، فهي موجودة هناك في أماكن خاصة، هذه الأماكن التي تتعرض فيها هذه الألبسة إلى الضغط والتمزق بشكل أكبر، مثل الجيوب، وأحيانا السحاب.

تعتبر فكرة استعمال البراشم المعدنية في دعم وتقوية خياطة بناطيل العمل من بنات أفكار شخص واحد عرف باسم (جايكوب دايفيس)، وهو أميركي من أصول (لاتفية) كان يعيش في ولاية (نيفادا) بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل كبائع أدوات خياطة في متجره الخاص خلال القرن التاسع عشر.

 جايكوب دايفيس

جايكوب دايفيس

كان (دايفيس) يكسب رزقه من خلال بيع الملابس والمواد العامة الخاصة بالخياطة، وكان يتعامل مع العديد من عمال المناجم الذين كانوا يقطنون ذات المنطقة.

تفيد الأسطورة بأن زوجة أحد عمال المناجم جاءت إلى (دايفيس) تشكو من واقع أن زوجها كثيرا ما يمزق جيوب بنطاله الخاص بالعمل، وطلبت منه أن يجد طريقة من أجل تقويتها، تستمر الأسطورة بأن (دايفيس) استلهم ذلك من سرج حصان كان في متجره، وتبادرت إلى ذهنه الفكرة اللامعة في تدعيم وتقوية الجيوب وقطع أخرى عبر استعماله للبراشم المعدنية.

المزعج في الأمر، أن التفاصيل الدقيقة التي أحاطت بصناعة أول زوج سراويل جينز كما نعرفها اليوم ستبقى مجهولة إلى الأبد، لذا تركنا مع الأسطورة السابق ذكرها فقط، لكن على الأقل فكرة أن (دايفيس) استلهم صناعتها كما نعرفها اليوم من خلال شكاوي زبونة، أو زبائن له بسبب تمزق سروايل الجينز خاصتهم باستمرار هي فكرة لطيفة ومنطقية، غير أن الأمر الذي نحن متيقنون منه هو أن بناطيل العمل المدعمة بالبراشيم من صنع (دايفيس) كان لها صدى كبير جدا بين السكان المحليين، ولم يستغرقها الأمر كثيرا حتى أصبحت الطلبات عليها خيالية.

بإدراكه إلى كونه قد صادف منجم ذهب أفضل من مناجم الذهب الفعلية التي كان زبائنه يعملون عليها، أصبح (دايفيس) قلقا جدا من أن يسرق أحد عمله أو اكتشافه، وعمد إلى تسجيل براءة اختراعه تلك، إلا أنه، وعلى الرغم من نجاحه القصير، لم يكن متاحا له وباستطاعته القيام بكل ذلك بنفسه، حيث كان في حاجة إلى 68 دولارا كاملة وهي تعادل 1300 دولار في أيامنا هذه، لذا اتصل بشخص سيقترن اسمه بالمنتوج على مدى القرون القادمة، هذا الشخص هو (ليفي ستراوس) Levi Strauss.

ليفي ستراوس

ليفي ستراوس

كان (ستراوس) تماما مثل (دايفيس) ذا أصول أوروبية (تنحدر أصوله من منطقة بافاريا في ألمانيا)، والذي كان قد سافر إلى الولايات المتحدة من أجل تحقيق هدفه بإنشاء ثروة.

كان الرجلان قد تعارفا من خلال الزيارات التي كان يقوم بها (دايفيس) إلى متجر (ستراوس) من أجل اقتناء الأغراض والمكونات التي تدخل في صناعة بناطيل الجينز المدعمة بالبراشم خاصته، وبعد تبادل بعض الرسائل القصيرة، والمليئة بالأخطاء الإملائية كذلك، إلتقى الرجلان، وبفضل أموال (ستراوس) تمكنا من تسجيل البناطيل المدعمة بالبراشم كبراءة اختراع بنجاح في سنة 1873، وفي نفس السنة بدأ الصديقان والشريكان بإنتاج السراويل على نطاق واسع.

وبشكل مثير للفضول، قام الفريق في بادئ الأمر بإنتاج نوعين من الجينز: كان الأول هو ذلك الأزرق ”الدينيم“ الذي تجده في كل متجر تقريبا، والنوع الثاني كان مصنوعا من نسيج من القماش الكتاني الغليظ، والذي عرف بـ(قطن البط) Duck Cotton -كان (دايفيس) يستعمله غالبا في صناعة الخيم وأغلفة العربات.

أثبت النوع الأول أنه أكثر شعبية ونجاحا من الثاني، وسرعان ما أصبح النوع الوحيد الذي تنتجه الشركة.

كان السبب وراء شعبية الدينيم الكبيرة التي تجاوزت شعبية ”قطن البط“ مزدوجا: أولا، يصبح نسيج الدينيم أنعم مع مرور الوقت (على عكس قطن البط الذي يجعلك تشعر في كل مرة تلبسه فيها بأنك ترتدي غلاف العربة)، وهي صفة جذابة تجعلك ترغب في ارتداء قطعة الملابس التي تتصف بها كل يوم، والسبب الثاني، هو كونه كان ذا منظر أفضل وأكثر جمالا من قطن البط.

كانت سراويل جينز الدينيم تصبغ في الأصل باللون الأزرق النيلي، ذلك أن الصبغة النيلية كانت رخيصة ومتوفرة بكثرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا لكون الصبغة داكنة بما فيه الكفاية لتخفي كل بقعة.

سبب آخر كان يرتبط بتطبيق كميات قليلة من تلك الصبغة في كل زوج سراويل كافيا، أضف إلى ذلك طبيعة وشكل نسج الدينيم الذي جعل من المستحيل تسرب الصبغ إلى الجهة الأخرى من النسيج، مما يعني أن احتمال أن تتلون ساقاك بلون سروالك كان منعدما، وهو أيضا صفة جذابة أخرى في قطعة الملابس التي قد تتعرق فيها بمعدل يومي.

نمط الخياطة والطرز الموجود على الجيوب الخلفية في سراويل جينز من تصميم شركة (لوفيس ستراوس).

نمط الخياطة والطرز الموجود على الجيوب الخلفية في سراويل جينز من تصميم شركة (لوفيس ستراوس).

كانت حقيقة أن الصبغ يلتصق فقط بالجهة الخارجية لجينز الدينيم تعني أنه مع مرور الوقت، وبالاستعمال المتكرر لها، فإن صبغتها تبهت تدريجيا بحكم أن الصبغة ستزول لا محالة، وهي صفة مرغوبة كذلك إلى يومنا هذا، مع كون البعض حتى يفضلون اقتناء النوع الباهت مسبقا منها.

لذا، كيف انتقل عالم السراويل المدعمة بالبراشم الحديدية من كونه مرتبطا حصريا برعاة البقر، ليصبح وجها بارزا للموضة العالمية بالنسبة لجميع الشرائح، من الهيبيين المتعرّقين، إلى المسنين الظريفين؟

موضة سراويل الجينز، التي لن تموت أبدا على ما يبدو

موضة سراويل الجينز، التي لن تموت أبدا على ما يبدو.

حسنا، يعزى ذلك إلى العديد من العوامل المهمة: السبب الأول، وهو على ما يبدو أكبر حدث يحصل في عالم السراويل المسمرة، هو انتهاء مدة صلاحية براءة اختراع (ليفي ستراوس) في سنة 1908، مما أعطى للعشرات، بل المئات من المقلدين الفرصة ليغرقوا السوق بمنتوجاتهم، وقد كان الأمر الثاني هو نمط حياة ”راعي البقر“ المميز الذي بدأ يشتهر في العالم.

بينما جعل الرابط الوثيق الذي جمع بين سراويل جينز الدينيم والعمال الحرفيين والقرويين من الأغنياء من طبقات المجتمع ينفرون من ارتدائها، فإنه مع مرور الوقت، بدأت فكرة جاذبية ارتداء شيء أمريكي خالص تترسخ في الأذهان، وأصبح الجميع في ثلاثينينات القرن العشرين يتسابقون من أجل تجربة نمط حياة راعي البقر، بما في ذلك ارتداء سراويل جينز الدينيم المبرشمة.

كان الأمر الثالث الذي ساعد جينز الدينيم على الوصول إلى الشعبية العالمية، هو شعبيتها بين الجنود الأمريكيين الذين كانوا يخدمون في زمن الحرب العالمية الثانية، والحروب التي تلتها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث كانوا يعشقون ارتداءها عندما يكونون خارج الخدمة.

وقد كان الأمر الرابع الذي ساعد هذه المنتوجات على الوصول إلى الشعبية بين الأجيال الفتية هو صدور بعض الأفلام مثل: Rebel Without a Cause وThe Wild One، التي يرتدي فيها الثائرون من شخصياتها سراويل الجينز كتعبير منهم على تمردهم على توقعات المجتمع وتقاليده.

بعد صدور هذه الأفلام في الخمسينينات من القرن الماضي، انفجرت الطلبات على سراويل الجينز بين عشاقها من الصغار، واستمر الطلب على تلك الحال حتى سنوات الستينات والسبعينات، أين كان الاختيار دائما يقع على سراويل الجينز من قبل كل حركة شبانية مضادة للثقافات السائدة آنذاك.

أما في سنوات الثمانينات، فقد عرفت الطلبات على سراويل الجينز أوجها، ووصلت لذروتها بعد إطلاق العديد من الحملات الإعلانية التلفزيونية المشحونة جنسيا، مثل إعلان الممثلة الشهيرة Brook Shields الخاص بشركة Calvin Klein، وإعلان Laundrette الذي تسبب في رفع مبيعات علامة (لوفيس ستراوس) بنسبة 800 بالمائة في المملكة المتحدة.

معلومة إضافية:

إن نمط الخياطة والطرز الموجود على الجيوب الخلفية في سراويل جينز من تصميم شركة (لوفيس ستراوس) هو علامة مسجلة للشركة، والتي قامت بإدخالها كطريقة منها لإبراز وتمييز سراويلها من تلك الخاصة بمنافسيها.

فإن حاولت أية شركة أخرى أن تضع نمطا مشابها لنمط الخياطة أو جيوب سراويل لوفيس، فستعرض نفسها للمتابعة القانونية وتبعاتها.

في الواقع تعتبر شركة (لوفيس ستراوس) الشركة الأولى في العالم التي ترفع دعاوي قضائية بداعي حماية العلامة المسجلة في عالم الأقمشة وصناعة الألبسة، حيث بلغت نسبة هذه الدعاوي حوالي ثمانية في كل عام منذ سنة 2001.

المصادر

عدد القراءات: 769