ميديا

”مئة عام من العزلة“.. رائعة من الواقعية السحرية في حكاية مدينة وسبعة أجيال

رواية مئة عام من العزلة

”مئة عام من العزلة“ ليست مجرد مئة عام من العزلة، هي مئة عام من اللهو والرغبات، والحرب والقسوة، والجنون والعقلانية، والنقاوة والقذارة، والبساطة والتعقيد الناتجان عن العزلة، هي أعوام من البدائية ودخول الحداثة، وأعوام من الفقر والغنى وما يمكن أن ينتجه مجتمع بشري بدائي منعزل.

هي قصة مدينة (ماكوندو) وسبعة أجيال من عائلة (بوينديا) على امتداد عشرة عقود من الزمن، يرويها لنا الكاتب الكولومبي (غابرييل غارسيا ماركيز) الحائز على جائزة نوبل للآداب، ليدخلنا في صورة مصغرة للحياة الكولومبية وأسرارها المخفية والمشفرة في كتاب، لا يستطيع أن يفهمها ويكشفها سوى (أوريليانو بوينديا).

رواية مئة عام من العزلة

رواية مئة عام من العزلة

يصل (خوسيه أركاديو بوينديا) وزوجته (أورسولا) إلى المكان حيث أسس قرية ماكوندو التي تصبح فيما بعد مدينة تعج بالحياة، وتملؤها الأحداث غير العادية، وتبقى هذه المدينة منعزلة لسنوات باستثناء زيارات الغجر الذين يجلبون معهم التكنولوجيا والغرائب من العالم الخارجي، وإحدى أبرز شخصيات الغجر هو (ميلكيادس)، والذي تنشأ بينه وبين (خوسيه أركاديو) صداقة عميقة ليصبح هاجس (خوسيه) هو التعرف على أسرار الكون والإكتشافات والإختراعات من خلال مايقدمه الغجر، لينتهي به المطاف بالجنون والجلوس تحت شجرة الكستناء حتى مماته.

ينجب (خوسيه أركاديو) أربعة أولاد هم (خوسيه أركاديو) و(أوريليانو) و(أمارانتا) و(ريبيكا) -ابنته بالتبني، لتكبر العائلة، وتتوالى الأجيال عن طريق هؤلاء الأولاد.

لا تلبث البلدة بعد أن تحتك بالحكومة الجديدة حتى تتعرض لحرب بين المحافظين والليبراليين الأحرار، مايلهم (أوريليانو بوينديا) للإنخراط في الحرب ضد الحكومة المحافظة، فيصبح قائدا ثوريا شجاعا يقاتل ويشعل الثورات لسنوات عديدة، والتي تبوء جميعها بالفشل، وتنتهي بتوقيع معاهدة سلام مع المحافظين.

وتبدأ الرواية بوقوف الكولونيل (أورليانو بوينديا) أمام فصيلة الإعدام، ليتذكر ذلك اليوم الذي اصطحبه فيه والده (خوسيه أركاديو) لاكتشاف الثلج عند الغجر، إلا أن نهاية الكولونيل ليست كما تتوقعها عندما تبدأ القراءة.

أما عن (أورسولا) الأم التي تعيش قرابة مئة عام، فهي من الشخصيات الرئيسية والمحركة للأحداث، وتظهر شخصية المرأة القوية التي تحافظ على توازن منزلها وعائلتها، وتنجح هذه المرأة بتحقيق ما فشل الرجال في تحقيقه: كإيجاد طريق إلى العالم الخارجي من (ماكوندو).

كان لهذه المرأة سلطة على جميع أحفادها التي ظهرت لنا بشكل واضح عندما بدأت بتأنيب (أركاديو) ابن (خوسيه أركاديو الإبن) بعد توليه زعامة مدينة (ماكوندو) خلفاً لعمه (أوريليانو)، وذلك بسبب أعماله الإستبدادية التى بدأ بممارستها إثر إستلامه زمام الأمور، وهنا نجد ما يشبه نوعاً ما أدب (جورج أورويل) في استعراض ما يمكن أن يصل إليه زعماء الثورة بعد نجاح ثورتهم من طغيان واستبداد، والبعد عن الأهداف التي ثار من أجلها ”الليبراليون“، إلا أن نهاية (أركاديو) تكون وخيمة.

العزلة هي المحور الأساسي للرواية -فماكوندو هي المدينة المعزولة عن العالم الخارجي- وما تنتجه هذه العزلة من تغيرات على العلاقات التقليدية، لنشهد الغواية والرغبة الحارقة والعلاقات غير المألوفة، ونستشف في بعض الأحيان نمط الحياة البدائية للإنسان فيما إذا عاش في العزلة، كذلك غرفة الخيميائي التي أصبحت مكاناً لعزلة أفراد عائلة (بوينديا)، كما خدم وجود هذه الغرفة وغيرها من عناصر الرواية كتكرار أسماء أفراد العائلة قضية أخرى كرسها الكاتب (ماركيز) في كتابه وهي الخلود، فقد بقيت هذه الغرفة منذ بداية الرواية -أو بداية الحكاية- المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أفراد عائلة (بوينديا) الإنعزال حتى نهاية القصة.

تنتهي الحكاية على نحو غير متوقع، هذه النهاية التي خُطت في مخطوطات (ميلكيادس) المشفرة، وحملت سر نهاية العائلة والنبوءة التي تقول بأن ”السلالات المحكوم عليها بمئة عام من العزلة، ليست لها فرصة ثانية على الأرض.“

الواقعية السحرية في رواية ”مئة عام من العزلة“:

تعرف الواقعية السحرية كأسلوب روائي استخدمه العديد من الروائيين في العالم، إلا أنها غلبت بشكل خاص بداية على الأعمال الروائية في الأدب الألماني وأدب أمريكا اللاتينية، وتمزج الواقعية السحرية بين عنصري الخيال والواقع دون أن تبتعد عن الأسلوب الموضوعي في سياق السرد في الرواية، وقد ارتبط اسم (ماركيز) بالواقعية السحرية التي غلبت على أعماله، معتمداً على حكايات شعبية عديدة منها حكايات العرب الخيالية (كألف ليلة وليلة التي تعتبر أبرز الأمثلة على الواقعية السحرية في الأدب العربي).

فمن منا لم يصدق بأن التأثير الخارق لعشيقة (أوريليانو الثاني) على مواشيه، جعلها تتكاثر بشكل غير معقول، ”فكانت الأفراس تلد ثلاثاً، والدجاج يبيض مرتين كل يوم، والخنازير تسمن بسرعة غريبة“، فجمع ثروة هائلة في سنوات قليلة دون جهود تذكر.

أو من منا لم يصدق بأن عاصفة مطرية استمرت حوالي خمس سنوات دون توقف، أو أن (الحسناء ريميديوس) طارت مع الملاءة ”بلفحة هواء وضياء مخلفة وراءها بيئة الهوام والزهور صاعدتين في الهواء إلى أن غابتا عن الأنظار في أطباق الجو“، وغيرها من مشاهد تساقط الأزهار والفراشات الصفراء، وصولاً لولادة طفل بذيل خنزير.

لم تسمح لنا كل هذه المشاهد اللامعقولة بالتوقف عن التفكير فيما إن كان ذلك ضرباً من ضروب الخيال، أو أنه واقع بحت، موظفاً إياها في تحفته الفنية التي اعتبرت فيما بعد من أبرز وأهم أعمال مدرسة الواقعية السحرية.

بالنسبة لي، ما يعيب هذه الرواية هو أكثر ما يميزها، فعلى الرغم من كثرة الشخصيات في الرواية -وهذا شيئ طبيعي لأنه يروي قصة سبعة أجيال- وعلى الرغم من وجود أسماء قليلة ومتطابقة للشخصيات كان جلها (أركاديو) و(أوريليانو) مايجعلك تدخل في متاهة إن كنت تقرأ الرواية في فترات زمنية متباعدة؛ إلا أنه أعطى كل شخصية حقها وحيزها الزمني بشكل لا يصدق، فكيف يعقل لإنسان عادي سرد حياة عائلة بكاملها بطريقة متسلسلة الأحداث، وبهذا الكم الهائل من الشخصيات والأحداث والمواقف، وبشكل متداخل كل هذا التداخل، إنها العبقرية الإنسانية والمخيلة الأدبية الواسعة التي تفرد بها (ماركيز).

وتسهيلاً منا لكم من أجل قراءة الكتاب، بسبب أسمائها الكثيرة والمتطابقة قمنا بوضع مخطط لشجرة العائلة، بحيث يكفي أن تبقيها معك أثناء قراءتك للرواية:

شجرة العائلة لرواية مئة عام من العزلة

شجرة العائلة لرواية مئة عام من العزلة

وما أثار انزعاجي أثناء قراءة الرواية، هو اضطراد الأحداث وسرعتها في كثير من الأحيان، فكان الكاتب يمر سريعاً على أحداث موت الأشخاص وكأنه حدث عادي، حيث يجب أن تتوقع موت كل شخصية عندما تقرأ الكتاب، حيث أنه -وعلى الرغم من أن (أورسولا) كانت تعلن الحداد في المنزل، كذلك (فرناندا)- لم يعطِ القدر الكاف لمهولة حدث الموت وهيبته، وقد يعزى ذلك كنتيجة من نواتج العزلة على طبيعة المشاعر الإنسانية.

نشرت الرواية التي منحت كاتبها جائزة نوبل للآداب عام 1967 لأول مرة في (بوينس آيرس)، وترجمت إلى 37 لغة، وبيعت منها أكثر من 30 مليون نسخة، ومازالت هذه الرواية من أهم الأعمال الإسبانية الأمريكية والعالمية.

رواية عميقة ينصح بقراءتها للبالغين والراشدين.

إقتباس:

ومع ذلك، وقبل أن يصل إلى بيت الشعر الأخير، كان قد أدرك أنه لن يخرج أبداً من هذه الغرفة، لأنه مقدر لمدينة المرايا -أو السراب- أن تذروها الرياح، وتُنفى من ذاكرة البشر، في اللحظة التي ينتهي فيها أوريليانو بوينديا من حل رموز الرقاق، وأن كل ما هو مكتوب فيها لا يمكن أن يتكرر، منذ الأزل إلى الأبد، لأن السلالات المحكومة بمئة عام من العزلة، ليست لها فرصة أخرى على الأرض.

عدد القراءات: 3٬477