in

عندما غزت تماثيل الثلج الهزلية مدينة بروكسل في سنة 1511

كيف ساعد احتفال متجمد مدينة (بروكسل) على النجاة من شتاء الموت.

تماثيل الثلج في بروكسل في القرن السادس عشر

إن تصميم رجل الثلج في أيامنا هذه بسيط للغاية يكاد يكون مجردا، فهو يتلخص في ثلاث كرات ثلج كبيرة وأطراف من الفحم وزوج من الأعواد وجزرة، وهو ما يعتبر تدهوراً فنياً لما قد كان فيما مضى، حيث كان متقدماً أكثر ومشكلاً تحدّياً فنياً أكبر بشكل ملحوظ.

حتى أنّ (مايكل انجلو) نفسه خاض تجربة في هذا المجال، فمنذ قرون مضت وضع صانعو التماثيل الثلجية والجليدية، الذين كان كثير منهم فنّانًا وحرفيًا بذاته، جهداً ووقتاً كبيرَين في إنتاج هذه التماثيل.

لقد أخذت إحدى الازدهارات الاستثنائيّة في أعمال فنّ الثّلج حيّزاً خلال العصور الوسطى، عندما كانت الأشياء تُصنع بالثّلج للتعبير عن الرأي، فكان هناك تقليد شائع بين الفنّانين في بعض الأماكن يتجلى في حشد المدن بتماثيل جليدية بعد هطول كثيف للثّلج.

في وقت كانت المجاعة والطاعون والمرض والنزاع أموراً شائعة، غدا الثلج غالباً السببَ وراء احتفالات فصل الشّتاء أو أي محفزّات أخرى لرفع المعنويات. الشيء الذي سمح ببعض لحظات الراحة والفكاهة للمواطنين الذين هم في وضع لا يحسدون عليه، فهم في بعض الأحيان يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة.

لقد كان الهدف من الفكرة أن تتمكن عامة الناس من الترويح عن نفسها لأسبوع أو آخر مع رقص فاحش، وشرب مفرط، ونكات سياسية، وعروض فنية للعامة، ولكن بطريقة مشرف عليها. وقد كان هذا بالضبط ما حدث في (بروكسل)، التي لطالما اعتبرت في وقتها مدينة مهمة في دوقية (برابانت)، خلال الشتاء شديد القسوة عام 1511، حيث بات يدعى بـ”شتاء الموت“.

أصبح ”الميدان الكبير“ في (بروكسل) موطنا لتشكيلة متنوعة من لوحات الثلج.
أصبح ”الميدان الكبير“ في (بروكسل) موطنا لتشكيلة متنوعة من لوحات الثلج. صورة: BOB ECKSTEIN

لقد ظلت درجات الحرارة تحت درجة التجمد لمدة ست أسابيع متتالية وذلك بدءاً من 1 يناير، فتمّ الإعلان عن احتفال فصل الشتاء كمصدر ترفيه تشتد الحاجة إليه عن ظروف البرد والصراع الطبقي وعدوان (خيلدرز) التي كانت حينها دوقية أخرى في الشمال ظلت تغير على (بروكسل).

نحن نعلم من القصص المتنوّعة المتضمّنة بعضًا من قصص شاعر البلدة ومذكرات متنوعة، أنّ هؤلاء ليسوا رجال الثلج البسطاء الذين نصنعهم اليوم بثلاث كرات ثلجية كبيرة، فقد كانت كل زاوية في (بروكسل) مُزينة بمنحوتات بيضاء تجسد الأخبار المحلية أو التراث الشعبي التقليدي برونق صامت.

وكان من ضمنها شخصيّات إنجيليّة، وفرسان مشهورون، والأحصنة المجنحة أحادية القرن الخرافية، وحوريّات البحر، ومهرجين، كلهم مصنوع من الثلج والجليد بطريقة جد متقنة ذات تفاصيل دقيقة للغاية.

كما وُضع بعض منها مع الآخر لإنشاء تفاعل وتضاد ذكِيَّيْن. لقد كان بعض رجال الثلج مبنيًا على أيقونات الرزنامة مثل يانوس (يناير) وبلوتو (فبراير)، أو على إشارات الأبراج الفلكية. وكان أيضاً هناك الكثير من المشاهد الثّلجيّة الإيحائية، منها مشهد للمسيح مع سيّدات مدينة (سامرة)، وراهب واعظ بأنف مبلل، والقديس (جورج) ينقذ الأميرة من تنين، وآدم وحواء. فقد أضحت المدينة حديقة للمنحوتات الثلجية، حيث كان هناك 50 مشهدًا منحوتًا بشكل أنيق مع حشد مكوّن من 110 رجل ثلج بالمجموع، حتّى أكسبت حيويّة وانتشار العروض المهرجان لقب ”معجزة عام 1511“.

كانت الراهبات السافرات جزءاً من معرض الثلج المنتشر حول المدينة.
كانت الراهبات السافرات جزءاً من معرض الثلج المنتشر حول المدينة. صورة: BOB ECKSTEIN

إحدى أكثر المنحوتات إبداعاً كانت عندما وقفت شخصية هرقل خارج منزل (فيليب من بورغندي)، ابن (فيليب الطيب) القائد الأعلى لهولندا. حيث يقترح النحت الجميل والمثالي لرجل الثلج أنّه تمّت مساعدة (فيليب) في إعداده من قبل رسّام البِلاط (جان جوسيرت)، وهو رائد في مجال العمارة الإيطالية وفنّ عصر النّهضة الذي كان قد رسم لتوّه لوحات عارية عديدة للبطل اليوناني من أجل (فيليب).

لقد تواجدت هناك أعمال مصنوعة من قبل فنّانين وحرفيين، غير أن هذا الاحتفال كان متمحوراً حول مواطني (بروكسل) العاديين، إذْ مثّل الكثير من منحوتات الثلج مخاوف العامة، ومعنوياتهم المتدنية، ورغباتهم، فكانت هناك لوحات مُدَانة سياسياً وفاحشة جنسياً موضوعة في الشارع ليشاهدها الجميع كشكل من التعليق الاجتماعي والتهجُّم المرئي، حيث نُحتت الأحداث السائدة، والتذمّرات، والمشاكل المحلية، وكل ما كان مزعجًا بالنسبة للسكان.

نُحتت تماثيل ثلجية لرجال يقامرون بالقرب من سوق الخشب، على مقربة منهم تمثال ثلجي لنافورة على شكل صبي وهو يتبول، وهو التمثال الذي أصبح يعتبر اليوم أحد رموز مدينة (بروكسل)، وبحسب مصادر تاريخية كان أكثر من نصف المشاهد المنحوتة من الثلج إما جنسية أو قذرة بطبيعتها، حيث نُحتت الكثير من الشخصيات الثلجيّة وهي في عناق إباحي، فمارس زوجان جليديان الجنس أمام نافورة البلدة، ووقفت العاهرات في زوايا منطقة الضوء الأحمر، وفي مشهد آخر، أغوت راهبة ثلجية رجلاً. لقد كان ذلك ميداناً مفتوحاً يطرح الرغبات المكبوتة ويهيّج المناطق السفلى.

لقد كان رجال الثلج هؤلاء بمثابة نجوم موسيقى الروك اليوم، وكانت معجزة عام 1511 بمثابة مهرجان (وودستوك) الشهير

لقد أصبح عرض من السياسيين المتجمدين بمثابة صفحة الرأي المعبرة عن حكم الأمر الواقع في البلدة، حيث نُحتت أكثر الشخصيات المثيرة للخوف، من الشيطان إلى حاكم (بويدريين) العدو، بوضعيات غير لطيفة، فمثّل تمثال لـ(رادبود) –آخر ملوك (فريزيا) التي تعنيأرض الجليد– الشيطان، وكان مسؤولاً رمزياً عن صقيع الشتاء القاسي الذي هدد الحياة وسبل العيش في كل سنة.

لقد نسي التاريخ معجزة عام 1511 منذ وقت طويل، كما نسي القصائد الشعرية التي وصفت الحدث والتي كتبت بريشة الشاعر الرسمي للبلدة (جان سميكنز)، والتي اعتبرها الكثيرون على مدى سنوات طويلة ضعيفة المستوى، وإلى جانب منحوتات الثلج فقد ساهمت هذه النظرة الدونية إلى هذا الفن في جعل المنحوتات مهملة طيلة كل هذه القرون.

يعتبر الطفل النافورة الذي يتبول في وسط الصورة من أحد رموز المدينة اليوم.
يعتبر الطفل النافورة الذي يتبول في وسط الصورة من أحد رموز المدينة اليوم. صورة: BOB ECKSTEIN

لم تكن معجزة عام 1511 أوّل احتفال ثلجيّ ولم يكن نجومه أوّل رجال ثلج، حيث كانت هناك أحداث أصغر شبيهة به، منها حدث ثلجي جرت فعالياته عام 1481، والأحداث الأخرى في مدن مجاورة استضافت مناسبات مشابهة: على شاكلة (ميشلين) سنة 1571، و(ريجسل) سنتي 1600 و1603، ومدينة (أنتويرب) خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.

غير أن معجزة عام 1522 كانت الأكبر والأشهر من بينها جمعيًا، فقد غيّرت مجتمع (بروكسل) في الحقيقة من خلال إعطاء صوت للعامة، والمساعدة في إحداث تغيير في موازين السلطة والقوة في المدينة، فقد كانت هذه اللحظة الحاسمة لرجل الثلج، اللحظة التي تعالى فيها عن كونه مصدر ترفيه في فصل الشتاء متحولاً إلى قوة سياسية، حيث حرّض رجال الثلج فكراً، وغضباً، وفرحاً، حتى أنه أجبر الناس على مراجعة مكانتهم في العالم، فقد كان رجال الثلج هؤلاء نجومَ روك، وكانت معجزة عام 1511 مهرجان (وودستوك) بحق.

مقالات إعلانية