ميديا

دخلك بتعرف كتاب Homo Deus؟

كتاب Homo Deus

على غرار كتاب Sapiens؛ فـHomo Deus مليء بالتحديات ولكن بدل البحث في تاريخ البشرية يبحث (يوفال هراري) في هذا الكتاب في مستقبل البشرية، موضحًا أنه يقدم احتمالات وليس تكهنات لأنه من المستحيل التنبؤ بالمستقبل. لست مجبرًا على الموافقة على كل ما يطرحه الكاتب لكن لا ضير من الاطلاع على نظرة علمية مدروسة لما يخبئه التطوّر للبشر.

يعود الكاتب ليذكّرنا بأن لا شيء مميّز في وجودنا، حادث عرضي نتيجة صدفةٍ تطورية مثل باقي الكائنات. ثم يتتّبع كيف أدركنا أننا لا نختلف جوهريًا عن باقي الحيوانات وصولاً إلى الفلسفة الإنسانية والهيمنة على موارد الكوكب، ويختم بتوقّع هيمنة الذكاء الصناعي على البشرية.

منذ عشرات الآلاف من السنين قام أسلافنا (عندما كانوا لا يزالون صيادين جامعين) وبسبب قُصرهم المعرفي، باختراع الآلهة (حيوانات، أشجار، أحجار) من أجل تفسير منطقي للظواهر الغريبة وغير المتوقعة. لاحقا أدّت الثورة الزراعية إلى فائض في الإنتاج الغذائي، فاخترعنا التجارة التي رافقتها الحروب وانتشار الأمراض وبالتالي تغيّرت الآلهة من كائنات مادية إلى كائنات خيالية خارج قوانين الطبيعة لنرمي عليها تفسير ما نجهله.

وكانت الأجندة الأساسية للفصيلة البشرية على مر العصور الماضية هي مواجهة المجاعة، والطاعون، والحرب، في معركتها من أجل البقاء، لكن مع تطور الحضارة البشرية والثورة العلمية والصناعية باتت نسبة الذين يموتون من السمنة وأمراضها وبسبب الشيخوخة والهرم والانتحار تفوق بأضعاف نسبة الذين يموتون من الجوع أو الأمراض الوبائية والحرب والأسلحة مقارنة بفترة ما قبل الزراعة الصناعية.

بعدما تخطينا التحديات الرئيسية (وهنا يستثني دول العالم الثالث الغارقة بالفقر والأزمات السياسية) نتوجّه اليوم لخلق تحدّيات وأهداف جديدة مثل الخلود التقني للجسد، والسعادة، وربما الألوهية من خلال التحسين البايوتكنولوجي.

”سنسعى لتطوير الإنسان الى إله، وتحويل الهومو سابينز الى هومو ديوس (الإنسان الله)“.

هومو ديوس

في محاولة لمعرفة الأسباب التي مكّنت البشر من ”غزو العالم“، يبدأ بإلغاء بعض المعتقدات الشائعة وتحطيم الاعتقاد بتفوق البشر على باقي الكائنات الحية، فنحن أيضًا في جوهرنا مجرد خوارزميات يتم التحكم فيها عن طريق الجينات والهرمونات والتجارب المتراكمة، وبالتالي سلطتنا الاخلاقية على الكائنات مجرد خرافة.

إذًا ما الذي مكّن البشر من فرض هيمنتهم إذا كان الوعي نتيجة خوارزمية شيفرتهم الوراثية؟

في حين أن الحيوانات تعيش واقعًا مزدوجًا: موضوعي وذاتي، فقد تمكّن البشر من تطوير واقع ثالث وهو الخيال كطريقة تواصل جماعية لتساعد على التعاون بأعداد ضخمة، فتطور تاريخ الكائن البشري من مجرد شيفرة وراثية لإضافة شبكة من القصص المحكية، فاليوم يدور تاريخنا حول مجموعة من الجينات والميمات، وزادت هذه المقدرة مع اختراع الكتابة وبلغت ذروتها مع اختراع المطبعة، فأصبح من الممكن بسهولة إدارة المعلومات في شبكات واسعة، وكل شخص في هذه الشبكة هو بمثابة خطوة في الخوارزمية الجماعية التي هي أساس البيروقراطية.

يخلق الواقع الثالث شبكةً من المعنى والفهم المشترك للواقع الموضوعي، وهذا الفهم المشترك هو ما ينظم حياتنا الاجتماعية والسياسية ويجمعها.

لكن مع عدم وجود معنى كوني أو هدفٍ مسبق لوجودنا كيف نعطي المعنى لحياتنا؟

هنا يتحدث عن ”الثورة الإنسانية“ التي شغلت العالم خلال القرون القليلة الماضية، إنها التجربة الإنسانية التي تعطينا معنى.

”الوصية الأساس للإنسانية: خلق معنى لعالم لا معنى له“.

فيما مضى كانت مهمة تمييز ”الخير“ من ”الشر“ موكلة للآلهة، اليوم هذه الاجابات تعتمد على أفكارنا التي تعطي معنى لحياتنا الاجتماعية والسياسية، والإنسانية هنا هي نتيجة خبرات واسعة تقودنا إلى الحكمة.

يقسم الكاتب الإنسانية إلى ثلاثة أقسام:

1. ”الإنسانية الليبرالية“ أو ”الليبرالية“ وتعتمد على ”الحرية الفردية“ و ”المساواة الاجتماعية“ كمفاهيم أساسية لها، تتبنى مبدأ الأممية العلمانية وتدعم حرية التعبير والمعتقد، وحرية الإعلام، والعولمة الاقتصادية والديمقراطية السياسية، ومنح الفرد أكبر قدر ممكن من الحرية، ومجموعة واسعة من الآراء القائمة على شرحها لهذين المبدأين.

2. ”الإنسانية الاشتراكية“ والتي ظهرت في القرن التاسع عشر وتعتمد على الملكية الجماعية والإدارة التعاونية، في تفضيل قوي للتحليل الاجتماعي الاقتصادي الذي يأخذ مصلحة المجموعة في الاعتبار.

3. ”الداروينية الاجتماعية“ حيث يؤدي الصراع مع الانتخاب الطبيعي إلى ظهور بشر أكثر تفوقًا، حيث حررت الداروينية النازية من أي عباءة أخلاقية.

خلال القرن العشرين استمدينا المعنى من هذه الحركات، رغم أن الليبرالية كانت مهزومة حتى نهاية الثمانينات لكنها عادت وانتصرت في الوقت الحالي، كنتيجة حتمية لتفوّق الليبرالية في التأقلم مع العولمة والرأسمالية.

أظهرت الاكتشافات العلمية الحديثة، لا سيما في مجالَي الأحياء وعلم الأعصاب ضآلة ”الإرادة الحرة“ التي نتمتع بها، فقد أظهرت نتائج فحوصات الدماغ لصنع القرار بشكل مقنع، أن معظم خياراتنا هي في الواقع غير واعية رغم ظهورها بشكل واعي. وإذا كان الذكاء الصناعي سيسيطر على معظم الوظائف التي يؤديها البشر وفي نهاية المطاف جميعها، فما الحاجة في النهاية لكائن هو بعد كل هذا مجرد آلة خوارزمية؟

من أجل البقاء لا بد من الارتقاء لنتمكن من مجاراة الذكاء الصناعي، من خلال النانوتكنولوجي، والواجهات الحاسوبية في الدماغ، والهندسة الوراثية، ستشكل هذه المرحلة عملية التطور إلى فصيلة جديدة متطورة بالنسبة لنا مثلما نحن بالنسبة للنياندرتال.

ولكن في خضم عملية الارتقاء قد تدمرنا العملية نفسها، فنفقد قيمتنا النسبية مع تطور الخوارزميات، وقد نصبح مجرد بيانات كونية عابرة.

كتاب فيه الكثير من الأفكار المحفزة على التفكير في الحاضر والمستقبل.

لا يدّعي الكاتب أن توقعاته حتمية لكنه يقدم طرحًا مدروسًا مدعمًا بالدراسات العلمية الحديثة في محاولة لفهم مسار تطور البشرية.

عدد القراءات: 893