in

هل تعلم أن الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة بين دولتي روسيا واليابان

انتهت الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها بين الحلفاء: بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، ودول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإمبراطورية اليابان، بتوقيع عدد من الاتفاقيات والمعاهدات بين مختلف الدول المتحاربة، لكن يبدو أن الاتحاد السوفييتي واليابان التي هُزمت في الحرب لم يوقعا أي اتفاقية سلام بعد انتهاء الحرب، ويبدو أن أمور العالم سارت غير آبهة بهذه المعلومة التي لم تكن تساوي على الواقع شيئاً.

في عام 2018، اجتمع الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) ونظيره الياباني (شنزو آبي)، ويبدو أنهما تحدثا في هذه القضية، حيث صرّح الرئيس الروسي لاحقاً: ”علينا إبرام معاهدة سلام قبل نهاية هذا العام، وبدون أي شروط مسبقة“.

فلاديمير بوتين مع شينزو آبي.
فلاديمير بوتين مع شينزو آبي. صورة: REUTERS

وبينما لم يعلق (آبي) على اتفاقية السلام هذه، وافق نظيره الروسي أن غياب اتفاقية بين البلدين أمر غير طبيعي، وقال أن علاقات بلاده مع روسيا تحمل ”إمكانيات لا محدودة“. وفي العاشر من شهر يوليو هذا العام، طرحت موسكو الموضوع مرة أخرى للنقاش وعرضت إطار عملية السلام على اليابان، لكن لم تحصل على إجابة وفق ما قاله وزير خارجيتها (سيرغي لافروف).

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

لماذا بقي البلدان حتى اليوم في حالة حرب، ولو نظرياً على الأقل، ولماذا لم توقع اليابان الاتفاقية بعد؟ يبدو أن العائق الرئيس أمام هكذا سلام هو جزر (كوريل)، التي هي سلسلة من الجزر الواقعة بين روسيا واليابان، احتلها الروس عقب انتهاء الحرب العالمية، ويريدون بقاءها تحت سلطتهم، بينما لا تزال اليابان تعتبرها أرضاً محتلة.

وقعت اليابان والاتحاد السوفييتي اتفاقية عدم اعتداء عام 1941، ولم ينخرطا مع بعضهما في حرب مباشرة حتى أواخر الحرب العالمية، وبعدما ألقت الولايات المتحدة قنبلتيها على اليابان، تفاهمت مع الاتحاد السوفياتي وطلبت من الأخير إعلان الحرب على اليابان مقابل الحصول على شريط من الجزر، هو بالطبع جزر (كوريل).

جزر كوريل.
جزر كوريل. صورة: Wikipedia Commons

وافق الاتحاد السوفيتي على الرغم من امتلاكه أساساً مساحات شاسعة ولا حاجة له بتلك الجزر. هكذا، شن السوفييت الحرب على اليابان بعد 3 أيام من تفجير هيروشيما.

كاد الروس أن ينعموا بتلك الجزر بشكل قانوني وإلى الأبد لو لم يوقع الحلفاء واليابان معاهدة سلام فرانسيسكو عام 1951، حيث نصّت هذه المعاهدة، وبشكل مبهم، على تخلي اليابان عن جميع مطالبها وملكياتها لجزر كوريل، فلم تذكر المعاهدة أي جزيرة من جزر كوريل ستتخلى عنها اليابان، ولم تذكر لصالح من ستتنازل اليابان عنها.

كان الهدف من معاهدة السلام مع اليابان، أو معاهدة سان فرانسيسكو كما عُرفت، إعادة بناء العلاقات السلمية بين اليابان والحلفاء عبر الأمم المتحدة، وإنهاء الأعمال العدوانية ودفع تعويضات الحرب.

أرسل الاتحاد السوفييتي بعثة لتوقيع المعاهدة، لكنها عارضت مسودة المعاهدة التي جهزتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وعارضت تحديداً تولي الدولتين السابقتين مهمة إعداد المعاهدة، بالإضافة إلى عدد من المطالب السوفيتية الأخرى… لذا ارتأى السوفييت أن هذه المعاهدة تخرق اتفاقية مؤتمر يالطا الموقعة بين الاتحاد وبريطانيا والولايات المتحدة.

لم تنتهِ الحرب بين الاتحاد السوفييتي واليابان حتى توقيع الإعلان المشترك عام 1956، وجاء في الإعلان استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقرر البلدان حينها بدء المفاوضات لإبرام اتفاقية سلام وحلّ مسألة انضمام اليابان إلى عضوية الأمم المتحدة وتعويضات الحرب.

وفقاً للفقرة التاسعة من الإعلان المشترك، كان على اليابان نقل ملكية جزر (تشيشيما) –كوريل–، وجزر (شيكوتون) إلى الاتحاد السوفيتي، وهذا ما أثار حفيظة الولايات المتحدة، فحذرت اليابان من إبقاء جزر (ريوكيو) تحت سيادتها إذا استمرت الأخيرة بمنح الجزر للاتحاد السوفييتي، ما أدى إلى عرقلة مسير الاتفاقية.

وحتى اليوم، لا تزال تلك الجزر إحدى المشاكل القائمة بين البلدين، حيث تصر روسيا على ما جاء في إعلان عام 1956.

أدى ذلك في نهاية المطاف إلى مطالبة اليابان والاتحاد السوفييتي، أو روسيا حالياً، بملكية تلك الجزر.

حروب أخرى من التاريخ لم تنتهِ بشكل رسمي

الصين واليابان

جنود صينيون يرتدون أقنعة الغاز أثناء الحرب العالمية الثانية ضد اليابان.
جنود صينيون يرتدون أقنعة الغاز أثناء الحرب العالمية الثانية ضد اليابان. صورة: Wikipedia Commons

يبدو أن الخلاف حول جزر كوريل ليس الوحيد المتبقي من الحرب العالمية الثانية، والسبب هو كما قلنا فشل المفاوضات بين البلدين. قبل الحرب العالمية الثانية، احتلت اليابان أجزاء واسعة من الصين، وعانت الأخيرة كثيراً تحت وطأة الاحتلال الياباني وممارساته الوحشية.

في تلك الفترة أيضاً، كانت الصين تخوض حرباً أهلية، وكان لديها حكومتان تدعيان تمثيل الصين رسمياً، ولهذا السبب، لم تشارك الصين في الاتفاقيات التي صيغت عقب الحرب لأن الأطراف الدولية لم تستطع الاتفاق على دعوة أيّ من الحكومتين.

أرادت الولايات المتحدة دعوة جمهورية الصين التي اتخذت من تايوان مقراً لها (تمثل تايوان اليوم)، بينما رغبت المملكة المتحدة دعوة جمهورية الصين الشعبية التي تشمل برّ الصين الرئيسي. بالتالي، لم تُدعَ أي من الحكومتين من أجل توقيع معاهدة سان فرانسيسكو. ولاحقاً، رفضت جمهورية الصين الشعبية هذه المعاهدة، وادعت أنها غير شرعية ولا يجب الاعتراف بها. بالتالي وقعت اليابان بدون وجود الصين، ما يعني عدم وجود اتفاقية قانونية بين الدولتين.

إمارة الجبل الأسود وإمبراطورية اليابان

ـ
ملتقى المنتصرين في الحرب في مؤتمر فيرساي سنة 1919. لوحة بريشة (ويليام أوبرن).

في البداية، علينا أن نتحدث عن الحرب الروسية اليابانية التي اندلعت عام 1904 وانتهت بعد سنة واحدة، وهي صراع مسلح بين الإمبراطوريتين السابقتين نشب إثر خلاف بينهما حول مخطط لتقسيم منشوريا والكوريتين فيما بينهما.

شنّت اليابان هجوماً بحرياً مفاجئاً على مرفأ (آرثر)، وهو قاعدة بحرية روسية في الصين، وفي عام 1904، أعلنت إمارة الجبل الأسود الحرب ضد اليابان ووقفت إلى جانب روسيا، على الرغم من البعد الهائل بين الدولتين، وهذا هو السبب الرئيس الذي منع وقوع أي نزاع عسكري مسلح بين البلدين.

استطاعت الإمبراطورية اليابانية تحقيق انتصارات في المعارك اللاحقة، والسبب على الأرجح أن الإمبراطورية الروسية لم تقدّر قوة خصمها. في شهر يناير عام 1905، سقط مرفأ (آرثر) في يد اليابانيين تحت قيادة الأميرال (هيهاتشيرو توغو)، وفي شهر مارس، هُزمت الجيوش السوفيتية في شينيانغ في الصين، وفي شهر مايو، دُمر أسطول البلطيق الروسي قرب جزر تسوشيما.

قرر الروس التوقف عن المقاومة بعد تلك الهزائم، لذا توسّط الرئيس الأمريكي (ثيودور روزفلت) بين الطرفين وأبرم اتفاقية بينهما في (بورتسموث) في (نيو هامبشاير). لكن للأسف، لم تكن إمارة الجبل الأسود موجودة عند توقيع تلك الاتفاقية.

على أي حال، بعد انفصال الجبل الأسود عن صربيا عام 2006، زار المسؤولون اليابانيون هذا البلد البلقاني للاعتراف باستقلاله من جهة، ولإيصال رسالة أعلنت فيها اليابان النهاية الرسمية للحرب بين البلدين.

كوستاريكا وأندورا ضد ألمانيا في الحرب العالمية الأولى

تصوير لمقتل أرشيدوق النمسا (فرانز فرديناند).
تصوير لمقتل أرشيدوق النمسا (فرانز فرديناند). صورة: Wikipedia

عقب اغتيال أرشديوق النمسا (فرانس فرديناند)، أعلنت أندورا –وهي دولة أوروبية صغيرة جداً على الحدود الواقعة بين إسبانيا وفرنسا– الحرب على الإمبراطورية الألمانية، وكانت من أوائل الدول التي تعلن الحرب عام 1914. لم يكن لأندورا جيش مجهز للقتال، لكنها أعلنت الحرب بشكل رسمي. وعندما انتهت الحرب، كانت أندورا من أواخر الدول التي أعلنت السلام.

على أي حال، يبدو أن الجميع نسي دعوة أندورا لتوقيع معاهدة فرساي. في عام 1939، وقعت أندورا اتفاقية سلام وحياد مع ألمانيا النازية، أي قبل وقت قصير جداً من بدء الحرب العالمية الثانية.

على عكس أندورا، تذكر الجميع أن كوستاريكا أعلنت الحرب على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، ودُعيت لتوقيع معاهدة فرساي كغيرها من الدول.

لكن في حالة كوستاريكا، برزت معضلة كبيرة، حيث استلم الجنرال (فيديريكو تينوكو غرانادوس) مقاليد الحكم إثر انقلاب عسكري قبل عام فقط من انتهاء الحرب، لذا لم تعترف الأطراف الأوروبية بالحكومة الجديدة. وهكذا، لم يُدعَ مبعوثو كوستاريكا، ما جعل البلد في حالة حرب مع ألمانيا. في نهاية المطاف، وقع الطرفان اتفاقية بوتسدام عام 1945 التي انتهت على إثرها الحرب العالمية الثانية.

الحرب الهولندية على جزر سيلي

معركة Scheveningen التي تمثل أولى معارك الحرب الأنغلو-هولندية.
معركة Scheveningen التي تمثل أولى معارك الحرب الأنغلو-هولندية. صورة: Wikimedia Commons

هناك أمثلة مشابهة من التاريخ عن هذه الحادثة، مثل حرب الأعوام الـ335 بين هولندا وجزر سيلي الواقعة في الجنوب الغربي لإنجلترا. يرتبط تاريخ هذه الحرب بتاريخ إنجلترا نفسها، ففي خمسينيات القرن السابع عشر، كانت انجلترا في خضم حرب أهلية بين الموالين للملكية والموالين للبرلمان الإنجليزي، وتلقى هؤلاء البرلمانيون دعماً من الهولنديين.

في عام 1651، اضطر أنصار الملكية للانسحاب نحو جزر سيلي، لذا أعلن قائد الأسطول الهولندي المتوجه لمساعدة البرلمانيين الحربَ على جزر سيلي. وعندما وقع الهولنديون والكومنولث الإنجليزي اتفاقية سلام عام 1654، نسوا تماماً أن الهولنديين أعلنوا الحرب سابقاً، ولو بشكل غير قانوني، على جزر سيلي، ولم تذكر الاتفاقية أي شيء بخصوص هذا الموضوع.

بقي الهولنديون وجزر سيلي في حالة حربٍ حتى عام 1986، عندها اكتشف أحد المؤرخين هذه القصة وشجع على إبرام معاهدة سلام. إن كنت تعتقد أن تلك أطول حرب لم تنتهِ بشكل رسمي، فأنت مخطئ.

الحرب الكورية

صورة من الحرب الكورية.
صورة من الحرب الكورية. صورة: Wikimedia Commons

في الحقيقة، لم تُطلق رصاصة واحدة بين الجانبين الكوريين الشمالي والجنوبي منذ نحو 70 سنة، لكن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت، بل أن الحرب لم تنته من الناحية التقنية. بالطبع، أنهت اتفاقية الهدنة الكورية الصراعات التي أودت بحياة نحو 2.5 مليون كوري في السابع والعشرين من شهر يوليو عام 1953، لكن إيقاف إطلاق النار لم ينتهِ باتفاقية أو معاهدة سلام، ففي تلك الفترة، رفض رئيس كوريا الجنوبية تقسيم شبه الجزيرة.

إن اتفاقية السلام بين البلدين اليوم لن تكون سوى اتفاقية رمزية، لكنها قد تؤدي إلى بعض التغيرات في علاقة البلدين، وإذا قرر الجاران الكوريان التصالح، هناك عقبة أساسية تقف في وجههما، وهي سجناء الحرب.

قد يبدو الأمر غريباً بالنسبة لغير الكوريين، فمن الطبيعي إطلاق سراح السجناء عند توقيع معاهدات كتلك. في عام 1953، أصبح سجناء الحرب شوكة في حلق كلّ من الطرفين، ما قوّض أي فرصة لتحقيق السلام وأطال فترة الصراع الدامي.

انتهت الحرب بمفاوضات حول سجناء الحرب من كلا الطرفين، وأدت في نهاية المطاف إلى تبادل الأسرى. وبالمناسبة، كانت عمليتا تبادل الأسرى بعد الحرب من العمليات الصعبة والمليئة بالتوتر.

تكمن المشكلة في أن العديد من سجناء الحرب الشيوعيين آنذاك قالوا أنهم اضطروا إلى القتال لجانب كوريا الشمالية والصين، وأبدوا اعتراضهم على العودة إلى بلدانهم عند تبادل الأسرى. أدى هذا الأمر إلى عرقلة المفاوضات بين الطرفين، حيث رفضت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة تسليم الأسرى الشيوعيين بناءً على أسباب إنسانية واضحة.

في النهاية، بعدما أرهقت الحرب الجانبين، قبلت كوريا الشمالية والصين بالحل الذي اقترحه الأمريكيون، وهو إما رجوع السجناء إلى بلدانهم أو إعطائهم حق اللجوء في البلد الذي سُجنوا فيه.

برزت مشكلة أخرى هي رغبة الرئيس الكوري الجنوبي آنذاك (ري سنغمان) باستكمال الحرب حتى توحيد كوريا بأكملها، بل هدد بتحريك قواته ضد الحلفاء خلال عمليتي إعادة الجنود.

كان عدد السجناء الجنوبيين في كوريا الشمالية 80 ألف تقريباً، وهناك أُمروا بالعمل الإجباري وأُعيد تعليمهم ودمجمهم مع المجتمع الكوري الشمالي. في عام 2010، قدرت كوريا الجنوبية عدد الأسرى الذين بقوا أحياءً بـ560 شخصًا.

انسحبت الولايات المتحدة من كوريا الجنوبية عام 1953 بعد توقيع اتفاقية هدنة ووقف لإطلاق النار، ما أنهى الصراع الكوري، لكنه لم ينهِ الحرب الكورية حيث رفضت كوريا الجنوبية تقسيم البلاد.

فشلت محاولة لعقد مؤتمر سلام عام 1954 في جنيف السويسرية، ولم يتمخض عنها اتفاقية سلام. وبما أن الهدنة هي اتفاقية عسكرية وليست اتفاقية بين دولتين، بالتالي لا تزال الحرب الكورية قائمة.

مقالات إعلانية