ميديا

كيف كانت بداية حلم باولو كويلو بأن يصبح كاتبا؟

باولو كويلو

نسمع أو نقرأ دوما قصصا عن نجاح بعض العلماء أو المشاهير بمساعدة ومساندة عائلاتهم مثل (اديسون) الذي أخرجته المدرسة من صفه بحجة عدم كفاءته وغبائه وكيف قامت والدته بأعطاءه الدروس المنزلية، وبكثير من الدعم والثقة والمحبة ساعدته بأن يوصل لما وصل إليه من أختراعات حتى بلغ عددها (1033) براءة أختراع مسجلة باسمه، حتى أنه قد اخترع المصباح لأجلها لأنها لم تكن ترى جيدا لضعف نظرها في آخر سنوات عمرها.

لكن القصة مختلفة هنا نوعا ما وهي عن بروز الرغبة الأدبية وحب الكتابة لديه مع عدم رغبة والدته بأن يخوض هذا الغمار، وأن يدرس الهندسة بدل أن يصبح كاتبا، وأختار المضي في ذلك الطريق المبهم رغبة منه وإيمانا بنفسه.

من منا لا يعرف الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو مع رواياته العظيمة التي أثرت على النتاج المعرفي والتراث الأدبي العالمي، لكن كيف كانت بداية حلمه؟

كانت بأن يصبح كاتبا يخصص كل وقته للكتابة وحدها وليس بأوقات فراغه فقط. وأنا بشكل شخصي لا تفارقني أبدا مقولة باولو التي تصرخ دوما بداخلي يبرز من خلالها كيف أستطاع أن يتغلب على كل المعوقات في طريقه الأدبي وينجح بشكل مميز في مجال الكتابة الأدبية.

”لم يتوقع أحد أن ينجح شخص برازيلي في سويسرا في أن يجد لقمة العيش بواسطة قلمه؛ لكنكم ترونني الآن“.

وهذا الحوار الذي قام بكتابته في مقدمة روايته (كالنهر الذي يجري) وهو حوار مع والدته عن رغبته المستقبلية ونظرته للكاتب ورغبة والدته تجاه مستقبله، وكيف وضع اللبنة الأولى على طريق مشواره الحافل وبمقارنة بدايته مع حجم اسمه الحالي في التراث المعرفي والإنتاج الأدبي العالمي هو خير دليل على أن النجاح قرار ذاتي لا يقل أبدا عن الدعم الأسري والأجتماعي.

رواية كالنهر الذي يجري

رواية كالنهر الذي يجري

وهذا هو الحوار بين كويلو ووالدته:

في سن الخامسة قلت لأمي:

”لقد أكتشفت هوايتي، أريد أن أصبح كاتبا“.

أجابتني بحزن:

”يا بني، والدك مهندس وهو رجل منطقي وعاقل ولديه رؤية دقيقة للعالم، فهل تعرف ما معنى كاتب؟“.

أجبت:

”هو شخص يكتب كتبا“.

فقالت:

”عمك هارولد، وهو طبيب يكتب كتبا، وقد طبع بعضها من قبل. أدرس الهندسة وبعد ذلك سيكون لديك الوقت للكتابة في لحظات فراغك“.

فقلت:

”لا يا أمي، أريد أن أكون كاتبا ولا أريد أن أكون مهندسا يكتب كتبا“.

هي:

”ولكن هل التقيت يوما بأحد الكتاب؟ أو هل رأيت كاتبا يوما؟“

أنا:

”أبدا. في الصور فقط“.

ترد فتقول:

”ولماذا إذا تريد أن تكون كاتبا وأنت لا تعرف جيدا ما هو!“

لكي أتمكن من الرد على أمي؛ قمت ببحث ووجدت ما بدى لي الكاتب في بداية الستينات:

1. الكاتب يضع نظارة باستمرار وشعره غير مصفف، ويمضي نصف وقته غاضبا من كل شيء والنصف الآخر محبطا، يعيش في البارات متحدثا مع كتاب آخرين يضعون نظارات وغير مصففي الشعر ويتكلمون عن أشياء صعبة. ولديه دائما أفكارا عجيبة عن روايته المقبلة، ويكره الرواية التي انتهى من طباعتها.

2. من واجب الكاتب ألا يكون مفهوما من جيله وإلا فإنه لا يعد عبقريا أبدا، لأنه مقتنع بأنه ولد في عصر يسوده الأنحطاط. والكاتب يجري دائما عدة تصحيحات وتغييرات على كل جملة يكتبها، ومفردات رجل عادي تتكون من ثلاثة آلاف كلمة والكاتب الحقيقي—ولأنه ليس رجلا عاديا—لا يستخدمها أبدا، لأن في القاموس مئة وتسعين ألف كلمة أخرى.

3. وحدهم الكتاب الآخرون يفهمون ما يعنيه الكاتب، ومع ذلك فهو يكره الكتاب الآخرين سرا (لأنهم يسعون إلى الأمكنة نفسها التي يحفظها تاريخ الأدب عبر العصور).

4. الكاتب يبرع في استخدام موضوعات ذات أسماء مخيفة: سيموطيقيا، إبستمولوجيا، والحساسية الجديدة وعندما يرغب في أن يصدم يعمد إلى استخدام جمل مثل (آينشتاين غبي) أو (تولستوي مهرج البرجوازية).
إنهم مصدومون جميعا ولكنهم يكررون على مسامع الآخرين أن نظرية النسبية خاطئة وأن تولستوي كان يدافع عن الطبقة الأرستقراطية الروسية.

5. يقول الكاتب لكي يغري امرأة (أنا كاتب) ويكتب قصيدة على الحقيبة والأمور تمشي دائما.

6. ونظرا لثقافته الواسعة فإنه يجد دائما عملا كناقد أدبي وفي هذه اللحظة يبين كرمه وهو يكتب عن كتب أصدقائه. نصف النقد مكون من شواهد من كتاب أجانب والنصف الآخر عبارة عن تحليل للجمل مستخدما دوما عبارات من أمثال (القطع المعرفي) أو (الرؤية المندمجة مع المحور الموافق) ولا يشتري الكتاب لأنه لن يعرف كيف سيواصل قراءته عندما يتبدى القطع المعرفي.

7. عندما يدعى إلى الحديث عما يقرأه حاليا فإنه يذكر دائما كتابا لم يسمع به أحد.

8. ثمة كتاب وحيد يثير إعجاب الكاتب وزملاءه الكتاب وهي رواية أوليس لجيمس جويس. والكاتب لا يذكر هذه الرواية بسوء أبدا ولكن عندما يسأله أحدهم عما تقوله الرواية فإنه لا يتمكن من الإجابة. الأمر الذي يدعو إلى الشك في أنه قرأها بالفعل.
من العبث ألا تكون أوليس قد أعيدت طباعتها لأن جميع الكتاب يستشهدون بها بوصفها عملا رائعا. ربما مرد ذلك هو غباء الناشرين الذين يفوتون فرصة كسب كثير من المال من كتاب قرأه الجميع وأحبوه.

رواية أوليس

رواية أوليس

بعد أن تزودت بهذه المعارف كلها وألتفت إلى أمي وشرحت لها كيف يكون الكاتب بالضبط ففوجئت بعض الشيء وقالت:

”من الأسهل أن يكون الإنسان مهندسا، ومع ذلك فأنت لا تضع نظارة“.

ولكني كنت منكوش الشعر وأحمل علبة الغولواز في جيبي وأتأبط مسرحية (حدود المقاومة) ومن حسن حظي الكبير أن أحد النقاد وصفها بأنها المشهد الأكثر غرابة الذي رآه في حياته.

دارسا هيغل ومقررا قراءة أوليس على أية حال، حتى أتي اليوم الذي تقدم إلي فيه مغني روك وطلب مني أن أكتب له نصوصا ليغنيها، فأبعدني عن البحث والخلود وأعادني إلى طريق الناس العاديين.

ومن هنا كانت أنطلاقته في مشواره الأدبي بداية كان حلما وبعدها كتب كلمات لأغاني الروك ومن ثم مقالات صغيرة إلى أن مهد لنفسه ساحة الأدب العالمي برواياته وكتاباته العظيمة.

هذا المقال يعرض مسيرة الكاتب وتمسكه بحلمه بغض النظر عن طبيعة كتاباته.

عدد القراءات: 1٬180