معلومات عامة

اللغة العربيّة بين الأسطورة والواقع

اللغة العربيّة

تنويه: نقصد باللغة هنا ما يعرف علميا بـ”اللسان“، أي مجموعة الرموز والأصوات والمعاني الخاصة بمجتمع معين والتي تسمح له بممارسة ملكة اللغة.

يرفض الكثير منا الإعتراف بأن ما نتعامل معه عندما نقول ”اللغة العربية“، لا يتعدى كونه مجموعة من العبارات ذات الهدف الوظيفي المطوّع بما يناسب مكان وزمان محددين، وبأنّه على عكس الإدّعاء القائل بتجذّر اللّغة العربيّة في التّاريخ وبكونها أفضل لغات العالم، هي في الواقع لا تتعدّى كونها تفرّع بسيط لإحدى فئات العائلة اللّغوية السّامية.

في الواقع، إن صفة التّعالي التي اكتسبتها هذه اللغة بالنسبة لبيئات اجتماعيّة معيّنة—رغم ترجمتها العمليّة بعدم إخضاعها للدراسة التّمحيضيّة التي تزيل هالة القدسيّة وتنقد الموروث التّبجيلي—لم تمنع العلوم اللسانية من استخدام وسائلها كافة للنظر عن كثب في منظومة لغوية تبلورت في رقعة جغرافية جمعت آسيا وافريقيا.

لا ريب أن المشرط الذي نمتنع عن اعماله في كياننا اللّغوي لأسباب أشد شهرة من أن يتم التّذكير بها، هو رغم ما يحدثه من انتقاص مؤلم لنرجسيتنا (الزائفة بأي حال)، مهمّ؛ مهمّ لفهم طبيعة مجتمعنا من خلال احصاء الدلالات التي تحملها كل من وحداتنا اللغوية، ومهمّ أيضًا لفهم حجم التأثير الثقافي المتبادل مع باقي الأمم.

ولكن، كيف يمكننا فعل ذلك؟

إنّ تعقّب المسار التاريخي للغة معيّنة يعطينا فكرة معمّقة عن البيئة الإجتماعية التّي تستخدم تلك اللّغة، وعن الطّبيعة الجغرافيّة للمنطقة التي يقطنها متحدثوها، وعن البيئات الإجتماعيّة الأخرى الّتي يتم معها التبادل التجاري والثقافي. واللغة العربية رغم مكانتها الدينية لا تشكل استثناءً فيما يتعلق بالتطور المستمر المبني بشكل خاص على الإشتقاق الدلالي والهادف إلى الحفاظ على عصريّة اللغة وصلاحيتها.

طبعًا، ندرة انتشار الدراسات عن هذا الموضوع، حيث ركز الإستشراق (ماسينيون كمثال) فقط على اللسانيات المقارنة في فترة تدوين القرآن الكريم، تجعل مهمة التعقّب التأريخي شبه مستحيلة، ولكن، لحسن الحظ، يسهل ملاحظة التّطويع البيئي الحالي من خلال احصاء تواتر العبارات ودلالاتها ودلالاتها الحافّة في الأدبيات العربيّة الخاصة بكل حقبة تاريخية، ولعلّ أبرز النصوص التي تعرضت لهذا التمحيض هو نص القرآن الكريم، فقد أحصى السبكي فيه 27 لفظًا أعجميا، وزادها ابن حجر 24، وأتمها السيوطي إلى أكثر من مائة لفظ، هذا في ما يتعلق بمتن المصحف فقط، لكن التبادل اللغوي، وعجز اللغة العربية (وأي لغة أخرى في العالم) عن التعبير عن كل الأفكار النابعة من خارج بيئتها، تتم ملاحظته في كل تفاصيل الحياة اليوميّة، أما بشكل علمي، فقد أحصى الأب رفائيل نخلة اليسوعي على سبيل المثال في اللغة العربية 988 كلمة آرامية، و854 فارسية و472 يونانية و67 لاتينية و42 عبرانية.

اللغة العربيّة

صورة لـnmhschool من فليكر

قد يقول البعض أن وجود عناصر من لغات أخرى قد تعني أن اللغة العربية هي أصل اللغات لا فرع منها ونتيجة، وقد يكونون محقين في زعمهم، لكن ما يقدمه لنا علم الآثار حاليًا لا يسمح لنا باعتبار العربية أقدم من الآراميّة على سبيل المثال، أضف إلى ذلك، أن ما يمكن اعتباره أقدم ما تم اكتشافه من تعبير لغوي، هو ما اكتشفه فريق تنقيب بقيادة دانييل ستوردر في تل أسود في سوريا (لوح)، وهو على أي حال لا يشبه العربية بشيء.

خلاصة القول، أن اللّغة العربيّة كما غيرها من اللّغات ليست بأي حال موضع تبجيل أو تقديس فقط لكونها خدمت كوسيلة نقل لخطاب ذات طابع قداسي، فهذا النوع من التعظيم الأعمى المبني على تطويع يناسب خطابًا يدّعي الكمال هو بطبيعة الحال ما يمنع متحدثي العربية من اكتشاف مكامن النقص في مجتمعاتهم المترفعة بجهلها التبجيلي عن الحياة اليومية الواقعية.

وبانتظار بصيص أمل يضيء درب دراسات اللغة العربية بأسلوب علمي، سيبقى العرب فوق الزمان، فوقه بشكل مثير للإشمئزاز والسخرية في آن واحد.

عدد القراءات: 7٬348