in

10 مواقف جميلة قام بها أشخاص سيجعلونك تؤمن بالإنسانية من جديد

مواقف بطولية وإنسانية

يبدو هذا العالم أحياناً وكأنّهُ لا يحمل لنا إلّا أخباراً سيئة، ومن السهل فهم وجهة نظر هؤلاء الذين يعتقدون أن الوضع يزدادُ سوءاً شيئاً فشيئاً، فالمُتشائمون يرون أن العرق البشري يتّجه نحو دماره، لمدة سبعين عاماً أظهر البشر قدرتهُم على تدمير معظم أشكال الحياة على الكوكب، وبالنسبة لأصحاب النظرة الأكثر سوداويةً بيننا فإن العرق البشري كان ومازال يسير بهذا الاتجاه منذُ أمدٍ طويل.

وأمام المُعطيات المؤسفة التي بتنا نسمعها بشكل شبه يومي، أصبحت المواقف البطولية بالنسبة للكثيرين قصة جميلة من الماضي، وأصبح الإيمان بفكرة أن العرق البشري قادر على حل خلافاته وإنقاذ نفسه ينحسر بالتدريج لدى الكثيرين، لكن لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، فُهناك الكثير من الأحداث عبر التاريخ برزت فيها مشاعر الخير والتعاطف وانتصرت على الظروف القاسية.

وهذه المواقف المؤثّرة يجب أن تُدرس، وتُفهم، وأن تُطبّق العبر المُستخلصة منها في المواقف المُشابهة، وقد تم الإثبات مراراً وتكراراً أن التعاطف والتفاهم يتفوّقان على الجانب المُظلم لدى الإنسان، لذلك إن هذا الوجدان البشري قادرٌ على تحقيق الانتصار مرّة أخرى وهو ليس أسطورة من الماضي، فكل إنسان يملك القوّة لإحداث تغييرٍ ما، وهُناك أمثلة من التاريخ تبيّن لنا كيف يُمكن ذلك، بعضها أمثلة شهيرة وبعضها أقل شهرةً.

أما يزال الأمر يبدو لكَ ضرباً من الخيال أو مُجرّد تفاؤل ساذج؟ هذه عشرة أمثلة تاريخية ستجعلك تستعيد ثقتك وأملك في الإنسانية:

10. الدكتور (جوناس سولك) ولقاح شلل الأطفال:

الرئيس (روزفلت) أحد ضحايا شلل الأطفال.
الرئيس (روزفلت) أحد ضحايا شلل الأطفال.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تفشّى وباء شلل الأطفال في الولايات المُتّحدة وأخذ بالانتشار بسرعة رهيبة، وبثَّ الرعب في نفوس السكان، وفي عام 1952 كان أكثر من 58.000 مواطن أميركي قد أُصيب بشلل الأطفال، ومات أكثر من 3.800 منهم، وعاني أكثر من 20.000 منهم من نوع من أنواع الشلل الذي يُسببه هذا الفيروس لبقية حياتهم.

ناضل الباحثون من أماكن مُختلفة لإيجاد الدواء لهذا المرض، بينما ركّز آخرون على إنتاج لقاح لهُ لمنع حدوثهِ من الأساس، وقد كان أهالي الأطفال الصغار بالذات مرعوبون من هذا المرض الذي كان يبدو وكأنّهُ يأتي فجأةً عندما يُريد دون أن يكون أحد قادراً على إيقافهِ.

كان الدكتور (جوناس سولك) في مطلع عام 1947 يعمل على تطوير لقاح لفيروس شلل الأطفال في كلية الطب في جامعة (بيتسبرغ) في ولاية (بنسلفانيا)، ولقد تلقّى (سولك) تمويلاً لبحثهِ في بداية عام 1948 من قبل الجمعية الوطنية لشلل الأطفال المعروفة باسم جمعية (الدايمات)، وأُنشئت هذه الجمعية من قبل الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت) الذي كان بدوره ضحيةً لمرض شلل الأطفال.

بعد نجاتهِ من الهجمة الأولى للمرض، تحتّم على (روزفلت) أن يبقى أسير الكرسي المُتحرّك لبقية حياتهِ، ولم يكن قادراً على المشي إلا بمُساعدة عكازات أو دعامات ليستند عليها، ولقد كان الطبيب (جوناس سولك) أحد هؤلاء الأطباء الذين يقررون منذُ بداية مسيرتهم الطبّية أنهم لا يُريدون أن يتعاملوا مع المرضى، بل أراد التركيز على مجال الأبحاث الطبيّة.

أثناء تلقّيه للتدريب الطبّي، كان جلّ تركيز (سولك) مُنحصراً على علم الفيروسات (علم الحُمات)، حيثُ كان يدرس بشكل خاص فيروس الأنفلونزا المُكتشف حديثاً آنذاك، وبينما كان يعمل على الأنواع الثلاثة المُكتشفة من فيروس شلل الأطفال في جامعة (بيتسبرغ)، توصّل إلى إمكانية استخدام فيروس شلل الأطفال الحي كلُقاح، أو أن يستخدم النمط الآخر الآمن من اللقاحات الذي يتكون من فيروسات مقتولة.

اختار (سولك) اللقاح الحاوي على فيروسات مقتولة نظراً لكونه آمناً بكثير، خاصةً بالنسبة للمواطنين المرعوبين من فكرة اللقاح الحاوي على الفيروس الحي، وبالتالي ارتأى (سولك) أن هذا اللقاح سيلقى قبولاً أكبر، وبحلول عام 1952 توصّل إلى لقاح تمت تجربتهُ على حيوانات المخبر وكانت النتائج جيّدة وسليمة، فبدأ تجريبهُ على البشر.

بدأ (سولك) بتجريب اللقاح أولاً على الأطفال الذين أُصيبوا بالشلل، ومن ثمَّ توسّعت تجاربه لتشمل الأطفال الذين أُصيبوا بآفات عقلية جرّاء هذا الفيروس، وفي عام 1952 كان اللقاح قد جُرّب على مجموعة مؤلفة تقريباً من أقل من مليون طفل عُرفت باسم مجموعة ”روّاد فيروس شلل الأطفال“، وقد تم إعلان كون اللقاح فعّالاً وآمناً في السنة التالية بعدما كاد البحث الذي يقوده (سولك) على وشك أن يُسبب إفلاس جمعية (الدايمات).

وقد كان هذا اللقاح السلاح الأوّل ضد هذا الفيروس، وذاعت شهرة (سولك) بعد ذلك، إلّا أنهُ لم يصبح غنياً، حيثُ رفض أن يقوم بتسجيل براءة اختراع لهذا اللقاح، مُعتقداً أنهُ بامتناعهِ عن فعل ذلك سيُصبح اللقاح أقل تكلفةً، كون أن شركات الأدوية لن تضطر لدفع رسوم ترخيص اللقاح، وعندما سؤلَ (سولك) من قبل الصحفي (إدوارد مورو) عمّن يملك براءة الاختراع، أجاب (سولك): ”لا توجد هناك براءة، هل يُمكنك تسجيل براءة اختراع للشمس؟“.

تُقدّر الخسائر الناتجة عن القرار الذي اتّخذهُ (سولك) بكامل وعيه بعدم تسجيل براءة اختراع للقاح بأكثر من 7 مليار دولار كان سيقبضها من رسوم ترخيص إنتاج اللقاح على مر السنين، وعندما أتم الطبيب (ألبرت سابين) تطوير لقاح شلل الأطفال الذي يقدم عن طريق الفم، رفض هو كذلك الحصول على براءة اختراع لهُ ورفض تعويضات شركات الأدوية التي عُرضت عليه، واستمر بإعالة نفسهِ مادياً كأستاذ جامعي في جامعة (سينسيناتي) بولاية (أوهايو).

9. (راؤول فالنبرغ):

(راؤول فالنبرغ):
(راؤول فالنبرغ)

(راؤول فالنبرغ) هو رجل أعمال سويدي تلقّى تعليمهُ في الولايات المُتّحدة، حيثُ درس الهندسة المعمارية في جامعة (ميشيغان)، وبقي هُناك خلال سنوات دراسته وكان يقضي عطلتهُ الصيفية في بلده الأم السويد، وبعد إكمال دراستهِ عمل لفترة وجيزة في جنوب أفريقيا، وفي مدينة حيفا الفلسطينية، وذلك بعدما علمَ أن تعليمهُ الأميركي لم يكن يخوّلهُ من الحصول على رخصة لمُمارسة مهنة الهندسة في بلده.

بدأ (فالنبرغ) العمل في الشركة المركزية للتجارة الأوروبية في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1936 كمُصدّر ومُستورد، وقد كانت هذه الشركة تابعة لرجل يهودي من أصل هنغاري يُدعى (كالمان لاور)، وقد اكتشف (لاور) بعدد فترة قصيرة أنهُ غير قادر على السفر إلى بلده نظراً لتزايد القوانين الصارمة المُعادية لليهود، فما كان إلّا أن سلّم مهمة السفر إلى هنغاريا لـ(فالنبرغ) بغرض تسيير الأعمال.

درس (فالنبرغ) اللغة الهنغارية وبحلول عام 1941 أصبح مُدير مكتب الشؤون الدولية بالشركة، وأصبح يُسافر بشكل مُتكرر إلى ألمانيا وفرنسا المُحتلّة والعاصمة الهنغارية بودابست، ويُذكر أن السويد بقيت مُحايدة عندما اجتاحت الحرب قارة أوروبا، وقد كانت للأعمال التجارية التي سيّرها (فالنبرغ) دور في فهمه للبيروقراطية النازية والمُمارسات التجارية.

وبينما كانت آمال الجيش الألماني على المسرح الشرقي للأحداث آيلةً للهبوط عام 1934، فإن تغييراً مُفاجئاً حصل في النظام الحاكم في هنغاريا فاستطاعت القوّات الألمانية آنذاك احتلال البلد، وفي السنة التالية بدأ الألمان عملية ترحيل اليهود الهنغاريين والغجر إلى مُعسكرات الموت، وفي صيف 1944 توجّه (فالنبرغ) إلى المفوّضية السويدية في بودابست وحصل على تمويل قامت الحكومة السويدية بجمعهِ ليستأجر بها أكثر من 30 مبنى.

أعلن (فالنبرغ) أن هذه المباني تابعة للمفوضيّة السويدية، جاعلاً إياها مناطق مُحايدة وفقاً للقانون الدولي، وقد تم إيواء حوالي 10.000 يهودي وغجري في هذه المباني، والتي كانت تُعنون بعناوين وهمية كالمكتبة، أو منشأة بحثية، أو أماكن ترفيهية وهكذا دواليك، وبنهاية المطاف تم تعيين أكثر من 300 موظف هنغاري وسويدي لمُساعدة (فالنبرغ) في أداء مهمتهِ.

أُلقي القبض على البعض من هؤلاء الموظّفين من قبل (الغيستابو) –الشرطة السريّة النازية– أو وحدات الـ(إس إس) التابعة للحزب النازي الألماني وتم إعدامهم، ومعظم من تم إعدامهم كانوا من الهنغاريين الكاثوليك بما فيهم رجال الدين، وقد عمل الحزب الهنغاري النازي المعروف باسم حزب السهم والصليب على تتبّع تحرّكات الهنغاريين والسويديين العاملين في مهمة الإنقاذ.

قام (فالنبرغ) بالتصدّي لمحاولات هؤلاء بتغيير مكان تواجدهِ يومياً، فكان ينام في مكان مُختلف كل يوم، وبينما كان الجيش الروسي على أبواب العاصمة بودابست، حاول (فالنبرغ) التفاوض مع رئيس الجهاز السري (الغيستابو)، وهو الضابط الشهير في القوات الخاصة الألمانية (أدولف أيخمان) الذي اقترح الخطة التي عٌرفت بـ”الحل الأخير“ والداعية إلى ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال لإبادتهم.

حاول (فالنبرغ) إقناعه بعدم ترحيل اليهود المُتبقين في (بودابست) الذين لم يكونوا تحت حماية (فالنبرغ)، حيثُ كانت الخطّة تقضي بترحيلهم في مسيرة موت شرق المدينة، حيثُ يُترك الأسرى ليموتوا لوحدهم على الطريق.

كان أحد اليهود الذين تم إيوائهم في المناطق السويدية المحمية يُدعى (توم لانتوس)، والذي سيُصبح فيما بعد عضواً بالكونغرس الأميركي كمُمثّل لولاية (كاليفورنيا)، ولقد كان يعمل كساعٍ لدى (فالنبرغ)، وبعد احتلال الجيش السوفييتي للعاصمة (بودابست) عام 1945 تم اعتقال (فالنبرغ) من قبل القوات الروسية، وبقي مصيرهُ مجهولاً مع ظهور الكثير من التقارير المُتضاربة عن مصيره.

قال البعض أنّهُ توفّي في زنزانته، بينما قال آخرون أنهُ قُتلَ بينما كان يتم نقلهُ بين المنشآت الروسية، ويدّعى آخرون أنهُ تم إعدامهُ في سجن (لوبيانكا) عام 1947، حيثُ يذكر أحد التقارير أنهُ قُتلَ رمياً بالرصاص، بينما يُشير تقرير آخر إلى قتلهُ بالسم، كما تُشير تقارير مُتضاربة أخرى إلى نجاتهِ في السجون الروسية حتى ثمانينيات القرن الماضي، ولم تُعلن الحكومة السويدية وفاتهُ إلّا في عام 2016.

نجحت جهود (فالنبرغ) في إنقاذ عشرات آلاف اليهود الهنغاريين والغجر من بطش القوات الألمانية، دافعاً في نهاية المطاف حياتهُ ثمناً لهذا الموقف البطولي، وذلك على أيدي الروس.

8. (نيكولاس وينتون) والأطفال اللاجئون:

براغ
مدينة (براغ)

نهاية عام 1938 وتحديداً في شهر أكتوبر، وصلت أنباء العمليات التي نفّذها النازيون ضد المصالح اليهودية في ألمانيا والتي عُرفت بـ”ليلة البلّور“ إلى بريطانيا، فدُقّت نواقيس الخطر والتفت العالم إلى المحنة والمُعاناة التي كان يتعرّض لها اليهود. وفي تلك الأثناء كان النازيون على وشك الانتهاء من إحكام قبضتهم على (تشيكوسلوفاكيا) بالرغم من الوعود التي قطعها (الفوهرر) في مدينة (ميونخ) الألمانية، حيثُ زعم (أدولف هتلر) أن إقليم (السوديت) الواقع غرب التشيك على الحدود مع ألمانيا هو آخر أرض يطمح بالاستيلاء عليها على القارة الأوروبية.

وافق مجلس العموم البريطاني على إجراء تعديلات بقانون اللجوء البريطاني، سامحاً وفقاً للتعديلات الجديدة بدخول الشباب تحت ست الـ17، على أن يكون لدى هؤلاء الداخلين إلى بريطانياً مكان للإقامة مدبر بشكلٍ مسبق، كما اشترطت السياسة الجديدة أن يقوم اللاجئون بإيداع مبلغ 50 جنيه إسترليني لضمان عودتهم إلى ديارهم، أو أن يقدّموا وعداً مضموناً بذلك.

كان (نيكولاس وينتون) يعمل كسمسار بورصة في لندن، بعدما اكتسب الخبرة من عمله السابق كمصرفي في مدينتي (هامبورغ) و(برلين)، ومن المثير للاستغراب أن اتجاهاته السياسية كانت تميل نحو الاشتراكية على الرغم من طبيعة عمله كمصرفي ومُستثمر، ولقد كان معارضاً للنازيين، وأيضاً للإنجليز الذين كانوا يدعون إلى مُراضاة النازيين بدلاً من مواجهتهم ووضع حدود لمطامع هتلر.

وبينما كان (وينتون) يُخطط لرحلة تزلج في (سويسرا) نهاية عام 1938، تلقّى رسالةً من صديق لهُ يدعى (مارتن بلايك) من العاصمة التشيكية (براغ) يطلب فيها منه أن يأتي إلى (براغ) ليُساعده بمشروع جديد، وقد كان (مارتن) يعمل لدى جمعية بريطانية تُساعد اللاجئين الذين كانوا يهربون من تشيكوسلوفاكيا، وحالما وصل (وينتون) إلى براغ للمساعدة بنقل الأطفال اللاجئين إلى بريطانيا واجه على الفور مشكلتين.

المشكلة الأولى كانت إيجاد عائلات في بريطانيا على استعداد لتبنّي هؤلاء الأطفال، والثانية هي كيفية إيصالهم إلى هناك، فالطريق المُتبّع عادةً كان عبر القطار إلى هولندا ومن ثم بالسفينة إلى المملكة المُتّحدة، لكن بعد حادثة ليلة البلّور أغلق الهولنديون حدودهم أمام اللاجئين، وكل شخص يُقبض عليه وهو يحاول العبور عبر الحدود تتم إعادتهُ إلى ألمانيا، كما كانت القطارات والمركبات البحرية تُفتّش ويتم التأكّد من خلوها من اللاجئين.

أقام (وينتون) في فندق في (براغ) وأنشأ مكتباً في غرفته وباشر بالعمل، وقبل أن تعلن سنة 1939 نهايتها، نجح بإقناع الهولنديين بالسماح بعبور القطارات التي كانت تقل اللاجئين، داعماً طلبه بضمانات من الحكومة البريطانية للهولنديين بأن التواجد الألماني على الأراضي الهولندية ستتم معارضتهُ من قبل الحكومة البريطانية، وهكذا قام بحل إحدى المشكلتين.

أمّا بالنسبة لإيجاد المنازل والمُعيلين لهؤلاء الأطفال فقد تم ذلك عبر الإعلانات في الصحافة البريطانية، والـBBC، والكنائس، والكنيس اليهودي وعن طريق أي وسيلة استطاع (وينتون) الوصول إليها، وقد كانت بعض هذه العائلات المُعيلة تدفع هي كفالة الخمسين جنيهاً، وهكذا تمكّن من نقل 669 طفل إلى بر الأمان في صيف 1939.

لكن للأسف كان تاريخ انطلاق القطار الأخير من براغ المُفترض أن ينقل 250 طفلاً في 1 سبتمبر، أي نفس اليوم الذي غزا فيه النازيون بولندا، وبالتالي أوقف النازيون القطار وأُرسل الأطفال إلى معسكرات الاعتقال.

لم يبذل (وينتون) بعد الحرب أي جهد يُذكر للترويج لما قام بهِ والذي تكلّل بإنقاذ الكثير من الأطفال الذين لم يكونوا كلّهم من اليهود، وفي عام 1988 عثرت زوجتهُ على أوراق حاوية على أسماء الأطفال الذين تم إنقاذهم والعائلات التي أوتهم موثّقةً كامل عمله، فقامت بإرسال هذه الأوراق إلى باحثين مختصّين بشؤون (الهولوكوست) وعرف العالم عندها قصة (وينتون) ودوره في إنقاذ أرواح الكثيرين.

ومن بين العديد من الألقاب والجوائز التي حصل علها (وينتون)، والتي شعر بأنها أكثر ممّا يستحق، حصل بالنهاية على لقب فارس، وتوفي عام 2015 عن عمرٍ يناهز 106 سنوات، أي بعد 76 سنة من يوم انطلاق أحد قطارات الإنقاذ التي نظّمها والذي حمل 241 طفلاً من براغ.

7. (جون باترسون) وفيضان (دايتون) العظيم:

فيضان (دايتون) العظيم
فيضان (دايتون) العظيم

بينما كانت عطلة عيد الفصح على وشك أن تدق الأبواب عام 1913، ضربت ثلاث عواصف عنيفة ولاية (أوهايو) الأميركية، وتسبّبت برفع مستوى مياه الأنهر والجداول المُتفرّعة من نهر (ميامي) العظيم إلى مستوى خطير، وفي يوم الإثنين 24 مارس، أي في اليوم الذي تلى عيد الفصح، أشارت تقارير إلى أن السدود التي كانت تحمي مدينة (دايتون) في ولاية (أوهايو) من الفيضانات بدأت تتصدّع.

إلّا أن مسؤولي المدينة ارتأوا أنّهم قادرون على فعل المزيد وليس فقط إطلاق التحذيرات، ففي ذاك الصباح، قام الكولونيل (جون باترسون) مؤسس ومالك شركة آلات عدّ النقود في (دايتون) بتفحّص السدود، وعند عودته إلى مقر الشركة والذي كان مُرتفعاً فوق المُستوى الذي يُمكن أن يصل إليه الطوفان، قام (باترسون) بحشد عمّالهِ وجعل الشركة مُتأهّبة للمعركة القادمة.

أوقف (باترسون) كل خطوط الإنتاج، وجعل عمّال ونجّاري الشركة يُباشرون ببناء قوارب ذات قواعد مُسطّحة، وأمر مقاصف الشركة بخبز الأرغفة وتخزين الطعام، وطلب من الحرس الوطني أسرّة نقالة وبطانيات، وأرسل سُعاة إلى جامعة (سانت ماري) التي تُعرف اليوم بجامعة (دايتون) لإنذارهم وتنبيههم إلى احتمال قدوم لاجئين هرباً من فيضانات مُترقّبة قريباً.

كما أرسل سعاة آخرين إلى المشافي والصيدليات الواقعة وسط المدينة لضمان احتواء مستوصفات الشركة على مخزون كافي من الضمادات والأدوية، وفي ظهيرة ذاك اليوم، ارتفع مستوى المياه في نهر (ميامي) العظيم والأنهر المُتفرّعة منهُ إلى أعلى من مُستوى السدود التي مازالت قائمة إلى ذلك الحين. وبحلول المساء، بدأت السدود تتشقق وأُطلقت صفارات الإنذار من قبل الشرطة ورجال الإطفاء.

بدأت السدود الواقعة جنوب المدينة بالانهيار قبل حلول الفجر، ولم يدم الأمر طويلاً قبل أن تلحقها السدود الواقعة شمال المدينة، ووصلت المياه إلى وسط المدينة يوم الثلاثاء جارفةً معها المنازل، وكان السُكّان يتجمّعون على أسطح منازلهم ومكاتبهم ويحاولون التشبّث بها، وبحلول يوم الأربعاء وصل الفيضان إلى أعلى مستوى لهُ والذي بلغ أكثر من 6 أمتار، وقد جرفت مياه الفيضان عربات القطار التي اصطدمت بالمباني، فبدأت أنابيب الغاز بالانفجار.

بحلول مساء الثلاثاء كانت شركة آلات عدّ النقود التابعة لـ(باترسون) قد بنت ونشرت 300 قارب في المدينة يقودها موظّفو الشركة ومُتطوّعون آخرون لانتشال السكان من الفيضان وإيصالهم إلى مقر الشركة حيثُ كان يتم إطعامهم، ومُعالجة جروحهم، وكسوهم، وعندما انحسر مستوى المياه بعد الأربعاء، قاد (باترسون) حملة كبيرة لتنظيف المدينة المُدمّرة، مُستمرّاً بتأمين الملجأ لهؤلاء الذين أصبحوا بلا مأوى إلى أن يتم وضع ترتيبات مُناسبة لنقلهم.

لم تقتصر جهود (باترسون) على إطعام وحماية السُكّان، بل أنهُ قد سمح أيضاً لجريدة (دايتون) اليومية بنشر جريدتها باستخدام مطابع الشركة، وقام بتوفير التسهيلات للصليب الأحمر ووكالات الإغاثة الأخرى. بلغ مجموع ضحايا الفيضان 360 ضحية، وقد كان هذا الرقم ليكون أكبر بكثير لولا تدخّل البطولي (باترسون) وموظّفي شركته، كما تم تدمير 20.000 منزل.

بذل (باترسون) جهوداً كبيرة بعد الفيضان لتأسيس نظام السيطرة على الفيضانات على نهر (ميامي) العظيم والأنهر المُتفرّعة منهُ، وظل هذ النظام يحمي مدينة (دايتون) من الفيضانات منذُ ذلك الوقت، كما تحمل كامل تكاليف عملية الإنقاذ.

عندما توفي عام 1922 ورغم نجاحه التجاري الكبير، إلّا أن ثروته كانت صغيرة نسبياً، غالباً بسبب الإصلاحات الاجتماعية التي أطلقها في شركته، فقد عاش حياته على حد تعبيره وفقاً لفكرة أن ”الأكفان لا تحوي جيوباً“.

6. متطوّعو (فوكوشيما) المُسنّون:

طائرة عسكرية
طائرة أمريكية استطلاعية خرجت لتفحص معدل الاشعاعات بعد الحادثة

لقد كانت كارثة محطة (فوكوشيما) النووية الأولى في اليابان ناتجة عن كارثة سابقة لها، وازدادت الكارثة سوءاً بسبب فشل الشركة المُشغّلة للمُفاعل –ألا وهي شركة طوكيو للطاقة الكهربائية TEPCO– باتّخاذ احتياطات الأمان اللازمة لردع حدوث الاحتمالات السيئة، وعُدت هذه الكارثة ثاني أخطر حادثة نووية في التاريخ بعد كارثة (تشيرنوبيل) في (أوكرانيا).

على الرغم من أنّه لم تحدث وفيات فورية جرّاء التعرّض للإشعاع، إلّا أن عدد الوفيات جراء الإصابة بالسرطان الناتج عن الإشعاع بلغت تقريباً 600، ومن المُحتمل أن يكون الرقم أكبر من ذلك، كما أن عملية إخلاء المنطقة تسبّبت بوفاة حوالي 1600 شخص، مُعظمهم من كبار السن الذين حُرموا من أدويتهم والعناية الطبيّة أثناء عملية الإخلاء.

بدأت الكارثة بعد أن ضرب زلزال اليابان الكبير السواحل الشرقية لليابان في 11 مارس عام 2011 مما نجم عنهُ موجات تسونامي في المحيط الهادي، وقد أدّى هذا الزلزال إلى إيقاف عمل مُفاعلات المحطّة بشكلٍ تلقائي كما هي مُصممة لتفعل بهذه الأزمات، فبدأت مُحرّكات (الديزل) البديلة بتوفير الطاقة لتبريد المُفاعل الذي تعطّل وما عاد يُقدم الطاقة لعملاء شركة طوكيو للطاقة الكهربائية.

تعرّض المُفاعل بعد ذلك لموجة تسونامي مُحرّضة بالزلزال بلغ ارتفاعها 15 متراً، وأدّت موجات المياه الهائلة إلى تعطيل مُحركات الديزل، وبالتالي فقدت مضخّات التبريد مصدر طاقتها وبدأت أجزاء المُفاعل الرئيسية بالذوبان نتيجة ارتفاع درجة الحرارة، وامتص الغلاف الجوي المُحيط ومياه البحر قدراً هائلاً من التلوّث الإشعاعي.

سارعت الحكومة اليابانية وشركة طوكيو للطاقة الكهربائية على الفور إلى إعلان أن الوضع أقل سوءاً بكثير مما يُعتقد، مُصدرةً تقارير خاطئة عن الضرر الحاصل ومُقللةً من أهمية الإشعاع المُنبعث، كما قاموا بنفي أن أجزاء المُفاعل الرئيسية قد تعرّضت لأيّة أضرار، وبعد أن أعلنت هيئة الرصد الدولي أنها رصدت كمية من الإشعاع الصادر أكبر بكثير من الأرقام المُعلنة، قاموا عندها أيضاً بنفي أن أجزاء المُفاعل الرئيسية قد ذابت.

كان العمّال في تلك الأثناء يحاولون السيطرة على الأزمة والشروع في إصلاح الضرر وذلك في بيئة مُلوّثة بشكلٍ خطير، وبينما علم الجميع بحجم الكارثة ومخاطر العمل في المُفاعل والبيئة المُحيطة بهِ، نشأت فرقة من المُتطوعين الذين عرضوا أن يأخذوا مكان العاملين في المُفاعل، وهؤلاء المُتطوعون كانوا كلّهم مُهندسين، وتقنيين ومُختصين عملوا بالسابق على تشغيل المُفاعل وتقاعدوا.

عرض هؤلاء المتطوعون أن يستلموا مهام العاملين الأصغر سناً كونهم أقل عرضةً لأن تتأثر حياتهم بواسطة إشعاع المُفاعل، ولم يُعرف العدد الدقيق للمُتطوّعين، لكن من المؤكّد أن العدد كان أكبر من 200 وعلى الأغلب أكبر من ذلك بكثير، ولم تكن لدى هؤلاء نوايا انتحارية، لكنّهم كانوا يعلمون المخاطر التي تُهدد حياة العمّال، إلا أن شركة طوكيو للطاقة الكهربائية بعد أن كانت قد تعبت من الدعاية السيئة قامت برفض عرضهم فقاموا بتغيير الاستراتيجية.

جادل المُتطوّعون أن خلايا الجسم تنقسم بشكل أبطأ عند كبار السن من سرعة انقسامها عند الأصغر سناً، مما يجعلهم أقل عرضةً لمخاطر الإشعاع، وأطلقت عليهم الصحافة حينها اسم الفرقة الانتحارية، كما لقّبهم البعض (بالكاميكازي) نسبةَ إلى الطيارين اليابانيين الانتحاريين الذين كانوا يفجّرون طائراتهم بسفن الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

وقد أجبرت هذه المعاني السلبية كُلّاً من شركة طوكيو للطاقة الكهربائية والحكومة اليابانية على رفض الطلب، فلجأوا إلى الحكومة الأمريكية بغرض الضغط على الحكومة اليابانية لقبول عرضهم واستبدالهم بالعمّال الأصغر سناً المُعرّضين للخطر، وحتى عام 2018 مازال البعض يضغط على الحكومة اليابانية للسماح لهم بتحمّل المخاطر التي يتحمّل أعبائها الجيل الأصغر سناً.

5. (إليزابيث فينكن) في معركة الثغرة:

جرت وقائع معركة الثغرة في ظروف مناخية قاسية.
جرت وقائع معركة الثغرة في ظروف مناخية قاسية.

لم يحمل شتاء عام 1944 ميلاداً مجيداً للقوّات الأميركية التي كانت مُتمركزةً في منطقة (الأردين) –وهي عبارة عن منطقة من الغابات الشاسعة تقع بين بلجيكا ولوكسمبورغ وفرنسا– وكانت القوات قد تمركزت هُناك لنيل الراحة بعد خوضها لمعركة غابة (هورتغن) على الجبهة الغربية، وفي تلك الأثناء، كانت تلوح في الأفق علامات تدل على نيّة الألمان بالهجوم على منطقة (الأردين) بما سيُعرف لاحقاً بمعركة الثغرة، وذلك في ديسمبر من عام 1944.

كان البردُ قارصاً والجو مُثلجاً، وانخرط الجنود الأمريكيون في معركة عنيفة ضد الجنود الألمان المُهاجمين، ووسط هذه الأحداث أرسل رجل ألماني يعمل طبّاخاً في الجيش الألماني طفله البالغ 12 عاماً مع أمّه إلى مقصورة على القرب من الحدود البلجيكية-الألمانية لإيوائهم هناك.

قرع ثلاثة جنود أمريكيين عشية الميلاد باب هذه المقصورة وكان أحدهم مُصاباً، فسمحت لهم السيدة (إليزابيث فينكن) بالدخول وأرسلت ابنها (فيرتز فينكن) لجلب دلو من الثلج لفرك يدي ورجلي الجندي المُصاب المُخدّرة، حيثُ كان ذلك يُعد علاجاً مقبولاً لعضّة البرد في ذلك الحين، ولم يكن أحد من الجنود يتكلّم الألمانية، إلّا أن أحدهم كان قادراً على تكلّم الفرنسية والتي كانت تُجيدها السيدة (فينكن).

شرعت هذه السيدة في تحضير وجبة من البطاطا واللحم لهؤلاء الجنود، وبينما كانوا على وشك الجلوس لتناول أول وجبة ساخنة يتناولها منذُ عدّة أيام، وصلت إلى مسامعهم صوت قرعة على الباب، وبنظرة خاطفة من الشبّاك وجدوا أربعة جنود ألمان يقفون بالخارج. طلب الجنود الألمان من السيدة (فينكن) بكل احترام أن تؤمّن لهم مأوى لهذه الليلة كونهم خسروا وحدتهم وفقدوا الطريق الصحيح للعودة بسبب الظلام الحالك.

فكّرت السيدة (فينكن) مليّاً بهذا الطلب وأخبرتهم أنها تأوي ضيوفاً آخرين، فسألها الألمان إن كانوا جنوداً أميركيين، فأجابتهم السيدة (فينكن) بقولها: ”لن يكون هناك أي إطلاق للنار هُنا“، فتردّد الجنود الألمان، وعندها انتفضت السيدة وتولّت زمام الأمور وطالبتهم بأن يتركوا أسلحتهم عند حزمة الحطب القريبة وأن يدخلوا إلى المقصورة، ولم يستغرق الألمان وقتاً طويلاً حتى يرضخوا للطلب، وربما كان لرائحة الدجاج المشوي دور في اتخاذهم لهذا القرار.

عند عودة السيدة (فينكن) إلى المقصورة، طلبت من الجنود الأميركيين القيام بنفس الشيء وفعلوا، وكان أحد الجنود الألمان يُجيد الإنجليزية وقام بمُعاينة جرح الجندي الأميركي ورأى أن الجرح نظيف وأن على الرجل أن يرتاح فقط وأن يتغذى ليستعيد الدم الذي فقده، وعندما جلسوا إلى العشاء، عرض أحد الجنود الألمان زجاجةً من النبيذ أخرجها من حقيبته، وهي من غنيمة ذاك اليوم بلا شك، وقد كان اثنان من هؤلاء الألمان يبلُغان 16 و17 عاماً فقط.

وبينما شرعوا بتناول العشاء بدأ التوتّر يزول شيئاً فشيئاً بعدما أصرّت السيدة (فينكن) على تبادل النخب والاحتفال بليلة الميلاد على الطريقة التقليدية الألمانية وليس الأميركية، وعند طلوع شمس يوم الميلاد عام 1944، قامت السيدة (فينكن) بإعداد فطور من دقيق الشوفان لضيوفها المُقرّبين من بعضهم، مُستعملةً آخر بيضة لديها كمخفوق للجندي الأميركي المجروح مع بعض النبيذ الذي احتفظت بهِ من الليلة السابقة.

قام الجنود الألمان بتزويد الأمريكيين بالاتجاه الصحيح للعودة إلى الخطوط الأميركية، ومنحت السيدة (فينكن) بركتها إلى جميع الحاضرين، ووعدها الجنود الألمان بنقل أخبارها وكونها بصحة جيّدة إلى زوجها، وثم قاموا بمُصافحة نظرائهم الأمريكيين وانطلق الأعداء باتجاهين مُتعاكسين.

4. (ميلارد فاولر) وإيواء المُشرّدين:

جنود حرس السواحل وهم يدشنون أحد المنازل التي تطوعوا لبنائها في الخلف.
جنود حرس السواحل وهم يدشنون أحد المنازل التي تطوعوا لبنائها في الخلف.

(ميلارد فاولر) هو مُحامي أمريكي ورجل أعمال عصامي أصبح مليونيراً بعمر الـ29 فقط، ولكن هذا الإنجاز لم يكن كافياً بالنسبة لهُ، وعند زيارته لمزرعة (كوينونيا) في ضواحي مُقاطعة (سامتر) في ولاية (جورجيا) في أحد الأيام، تعرّف هُناك على (كلارنس جوردن) مالك المزرعة، وقد تأثّر (فاولر) بنظام المزرعة الذي كان يعمل بنموذج المُجتمع المُتعدد القائم على إنشاء مُجتمع للإقامة به والذي يعتمد بشكلٍ كبير على العمل الجماعي.

قرّر (فاولر) أن يتخلى عن ثروته وأن يُكرّس حياته لخدمة الآخرين، وقد لاقى هذا القرار دعماً من زوجته (ليندا)، وقام (فاولر) و(جوردن) بتطوير نظام يتم فيه بناء المنازل للفقراء بمُساعدة مُتطوعين فقط، أي بواسطة عمالة غير مأجورة وباستخدام مواد يحصلون عليها عن طريق التبرّع قدر المُستطاع، وفي عام 1973 انتقل (فاولر) إلى دولة (زائير) –الاسم السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً– حيثُ قام باختبار هذا النظام في البلد الأفريقي الناشئ.

وجد (فاولر) أنهُ على الرغم من أن كثيراً من المواد كان يتم الحصول عليها عن طريق التبرّع أو إعادة التدوير، إلّا أن ذلك لم يكن كافياً ومازالت هُنالك تكلفة كبيرة لبناء البيوت، وخاصةً من ناحية سعر الأرض، فقام (فاولر) بإعادة النظر في نظامه المُقترح، فجعلهُ يسمح ببيع البيوت بنفس سعر التكلفة دون ربح، والمبالغ التي تُسترد بهذه الطريقة تُستخدم لشراء أراض ومواد جديدة لبناء بيوت جديدة.

عاد (فاولر) إلى الولايات المُتّحدة عام 1976 وتوجّه إلى مزرعة (كوينونيا) وُهناك قام بالتعريف بنموذجه الجديد تحت اسم ”تمويل من أجل البشرية“ الذي سيتغيّر إلى ”مساكن من أجل البشرية“، وشرعت هذه المنظمة ببناء بيوتها الأولى في مدينة (سان أنطونيو) في ولاية (تكساس) وانتشرت بسرعة في أرجاء الولايات المُتّحدة.

أيّد مسؤولو مدينة (سان أنطونيو) الفكرة كوسيلة لتطوير الأحياء الفقيرة للمدينة وجعلها نظيفة، وصالحة للسكن، حيثُ أن الحصول على ملكية المنازل عنى تمسُّكاً أكبر بالحي، وتمت دراسة تجربة مدينة (سان أنطونيو) من قبل قادة المُجتمع المحلّي من مختلف أنحاء البلاد، وبشكل خاص من الإقليم المعروف باسم (أبالاتشيا)، وبحلول عام 1981 كان (فاولر) قد أسس أو ساعد بتأسيس فروع لـِ”مساكن من أجل البشرية“ في 14 ولاية.

لفت المشروع أنظار المُنظمات العالمية والمحلية وحقق نقلة نوعية كبيرة عندما قام (فاولر) بتعيين الرئيس الأميركي السابق (جيمي كارتر) لدعم المنظمة، وقد كان (فاولر) يأمل أن يستفيد من ذلك بجعله ناطقاً باسم البرنامج، إلّا أن (كارتر) شرع بالعمل بتفان بمواقع البناء إلى جانب باقي المُتطوّعين، كما قام بإطلاق برنامج (جيمي كارتر)، وترتكز فكرة هذا البرنامج على بناء البيوت سنوياً لمدة أسبوع في الولايات المُتّحدة وفي دولٍ أخرى بنفس الوقت.

بعد انضمام (كارتر) للمشروع –والذي جلب معه تمويلاً مُعتبراً من جيبه الخاص– أصبحت مبادرة ”مساكن من أجل البشرية“ تتلقّى التبرّعات الخيرية من كل حدبٍ وصوب، بدءًا من شركات البناء والسباكة، وصانعي الأجهزة والآلات، ومزوّدي الدهانات والنوافذ والسجادات وغيرها من مُستلزمات المنازل. وبحلول عام 2013 كانت المُنظمة قد بنت أكثر من 800.000 منزل حول العالم، موفّرةً بذلك المأوى لأكثر من مليون شخص في 92 دولة مختلفة.

طُرد (ميلارد فاولر) من مجلس ”مساكن من أجل البشرية“ عام 2005 بسبب سلوك جنسي غير لائق، إلا أن تحقيقاً لاحقاً قام بتبرئته من كل التهم ليتوفّى عام 2009.

3. (ريتشارد كيركلاند) ومُرتفعات (ماري):

فريدريكسبورغ
معركة فريدريكسبورغ

كانت رحى معركةُ (فريدريكسبورغ) تدور في المدينة التي تحمل ذات الاسم في ولاية (فيرجينيا) الأميركية أواخر عام 1862 ما بين جيش الاتحاد من جهة والجيش الكونفدرالي من جهة أخرى وذلك إبان الحرب الأهلية الأميركية، معركة عُرفت بدمويتها وعدد ضحاياها الهائل، وانتهت بهزيمة نكراء لجيش الاتحاد على الجبهة الشرقية.

فاق عدد ضحايا جيش الاتحاد عدد ضحايا الجيش الكونفدرالي بثلاثة أضعاف تقريباً، حثُ كان قائد جيش الاتحاد (أمبروز برنسايد) يأمر بهجوم تلو الآخر على مواقع مُحصّنة جيداً، ولم يكن قادراً على استيعاب الهزيمة التي تلحق بجيشه نتيجة هذه الهجمات، وغالباً ما تُذكر هذه المعركة على أنها واحدة من أكثر المعارك غير المُتكافئة، وكان قد وصفها أحد الشاهدين على ساحة المعركة للرئيس الأميركي (أبراهام لينكون) بـ”المذبحة“.

بلغت المعركة ذروتها عند هجوم جيش الاتحاد على مواقع الجيش الكونفدرالي على مُرتفعات (ماري) التي تُشرف على مدينة (فريدريكسبورغ)، وكان على قوات الاتّحاد المُتقدّمة عبور بعض الحقول المفتوحة على مرمى النيران، ومن ثم عبور قناة عن طريق الجسور من فوقها مما يُجبر الجنود على التجمّع فوق الجسر، ومن ثم الالتفاف حول بعض المنازل المتناثرة ومبانٍ أخرى، وأخيراً يتوجّب عليهم صعود مُرتفعات (ماري).

قام الكونفدراليون بتجهيز دفاعاتهم وذلك من خلال نصب الحظار –وهو عبارة عن خطوط دفاع مكوّنة من أشجار مُسننة وأسلاك وأشياء حادّة لردع تقدّم العدو– وعوائق أخرى وذلك لإعاقة الهجوم، كما أن جيش الاتحاد سيكون تحت مرمى نيران سلاح المدفعية على كامل طريقهم، بالإضافة لتعرّضهم لرصاص البنادق أثناء تسلّقهم للمُرتفعات.

كانت المذبحة مُرعبة، فقد سقط حوالي 8000 جندي من جنود جيش الاتحاد بعدما رفض القائد (برنسايد) تغيير تكتيكات الهجوم، فكانت الفصائل تُرسل واحدة تلو الأخرى لتُسحق بنيران الكونفدراليين، وعند قدوم الليل الذي يحل مُبكراً في شهر ديسمبر كان جيش الاتّحاد قد تدمّر تقريباً.

ومع هبوط الظلام بدأ بعض الجنود الجرحى الراقدون على الحقول والمُرتفعات والذين مازالوا قادرين على المشي بالتقدّم شيئاً فشيئاً، تاركين وراءهم آلاف الجرحى يصرخون من الألم ويبكون طلباً للماء طوال الليل، وبدأت هذه الصرخات تُزعج ضابط الجيش الكونفدرالي (ريتشارد كيركلاند) بشكلٍ خاص، والذي كان يُحاول النوم أعلى مُرتفعات (ماري).

مع حلول شمس الرابع عشر من ديسمبر، كشفت أشعة الصباح عن آلاف الجرحى الذين كانوا مازالوا راقدين على مرمى نيران الجيش الكونفدرالي، وأعلم (كيركلاند) رؤساءه بنيته بمُساعدة الجرحى، إلا أن طلبهُ قوبل بالرفض ولم يُسمح لهُ برفع علم الهدنة، وبالرغم من ذلك قام (كيركلاند) بجمع بعض مخازن الطعام وقفز بها من فوق السور ليوصلها إلى بعض الجنود الجرحى.

لفت (كيركلاند) على الفور أنظار القنّاصين من جيش الاتحاد، إلّا أنّهُ قام بتجاهل طلقات القنّاصة وبدأ بتوزيع الماء على الجنود الجرحى، وحالما توضّح ما الذي كان يفعلهُ هدأت نيران القنّاصة، وقام (كيركلاند) بالتنقل ما بين خطوط الكونفدراليين والجنود الجرحى ذهاباً وإياباً لمُعظم ذلك اليوم، جالباً معهُ المياه والبطانيات وأيّة وسائل راحة أخرى كان يجدها.

لم تُذكر جهود (كيركلاند) في سجلاته، ولم يذكر أحدٌ الجهود الإنسانية التي بذلها في خضمّ المعركة، إلّا أن الناجين من هؤلاء الجرحى والذين ساعدهم لم ينسوه أبداً وأخبروا قصته ليُصبح معروفاً باسم ”ملاك مُرتفعات ماري“، وقد تم إحياء ذكراه من خلال نصب تمثال لهُ في حديقة مدينة (فريدركسبورغ) الوطنية، وكان ليكون جميلاً القول أنهُ نجا من الحرب الأهلية، إلّا أنّهُ للأسف مات في معركة (تشيكاماوغا) عام 1863 التي اندلعت في ولاية (جورجيا).

2. (داني توماس) ومُستشفى (سانت جود) لبحوث الأطفال:

داني توماس.
(داني طوماس)

أصبح اسم مستشفى (سانت جود) لبحوث الأطفال معروفاً بالنسبة لأي مواطن أميريكي بفضل الدعايات التلفازية الكثيرة الهادفة للحصول على الدعم المالي، وذلك لما اشتهر به هذا المشفى بكونه لا يُغلق بابه بوجه أحد بحجة أنه غير قادر على دفع تكاليف الخدمات الطبيّة، والنظام في هذا المشفى يقبل الدفع من كل من يملك تأميناً صحيّاً، إلّا أنهُ لا يمنع أحداً من الحصول على خدمات المشفى بحال عدم قدرتهِ على دفع التكاليف.

وبسبب سياسة المشفى الداعية إلى قبول أي حالة طبية تستلزم العناية دون النظر إلى القدرة على دفع التكاليف، فإن المشفى يتكلّف سنوياً حوالي 2.4 مليون دولار لتشغيل المُنشأة، وقد بدأ هذا النظام بالعمل بسبب وعد قطعهُ رجل كوميدي، فبينما كان (داني توماس) يحاول كسب العيش عن طريق العمل ككوميدي ارتجالي ومُمثّل باسم (آموس جاكوبس) في مدينة (ديترويت) الأميركية، أخبرهُ صديقه عن تعافي زوجته من السرطان بشكل معجز.

عزا الرجل شفاء زوجتهِ إلى شفاعة القديس (سانت جود) الذي كان أحد تلامذة المسيح الاثني عشر، وبالمُقابل بدأ (توماس) بالصلاة للقديس الذي يُعتبر شفيع القضايا الميؤوس منها، قاطعاً على نفسه وعداً بإنشاء مزار باسم القديس إن حصل على المُساعدة والإرشاد بحياته، وبعد فترةٍ وجيزة انتقل إلى مدينة (شيكاغو) وبدأت مسيرتهُ كمؤد عروض هزلية في النوادي الليلية بالازدهار.

وبينما كان (توماس) يحضر قداساً صباح يوم الأحد، عثر على المقعد الخشبي بالكنيسة على بطاقة مكتوب عليها صلاة موجّهة إلى القديس (سانت جود) تُصلّى لمدة تسعة أيام كما في التقليد الكنسي، مُذكّرةً إيّاه بالوعد الذي كان قد نساه كليّاً، ولم يمضي وقت طويل قبل أن يُصبح (طوم) فناناً مشهوراً يؤدّي عروضه في أفخم النوادي، والأفلام، والبرامج التلفازية، إلى أن مثّل في برنامجه التلفازي الخاص به عام 1953، والذي دُعيَ Room for Daddy.

بدأ (توماس) بالبحث عن سبل لإيفاء وعدهِ الذي قطعهُ للقديس، وقد كان لهُ صديق يعمل كمُدير للمخابر الطبية في جامعة (تينيسي) الواقعة في مدينة (ميمفيس) وكان يُدعى (ليميول ديغس)، وصديقٌ آخر يُدعى (أنتوني أبراهام) يعمل كبائع للسيارات في ولاية (فلوريدا)، وقد وافق صديقاه على تأمين الدعم المادي لهُ وإرشاده.

قام (توماس) بإنشاء منظّمة سمّاها «المؤسسات الخيرية الأميركية-اللبنانية-السورية ALSAC» عام 1957، نظراً لكون (توماس) أميركي-لبناني وينحدر من أصول سورية، وأصبحت هذه المؤسسات ومازالت المُنظّمة المموّلة لمشروع (توماس)، وبينما بدأت الأموال بالتزايد شيئاً فشيئاً، توصّل الأصدقاء الثلاثة (توماس) و(ديغس) و(أبراهام) إلى فكرة إنشاء مشفى لبحوث الأطفال في مدينة (ممفيس)، والذي سيكون مُخصصاً لتطوير العلاج للأمراض المُستعصية.

لم يتبع مُستشفى (سانت جود) للكنيسة الكاثوليكية أو أي كنيسة أخرى، على الرغم من كون مؤسسه (داني توماس) كاثوليكي ماروني مُتديّن، وقد فتح هذا المشفى أبوابه عام 1962، وقد قادت الأبحاث التي أُجريت فيه إلى تغيير طريقة علاج العديد من الأمراض التي تُصيب الأطفال مما أدّى إلى ارتفاع مُعدّلات الحياة بشكلٍ هائل.

ففي عام 1962 كان مُعدّل النجاة لدى المُصابين بالسرطان الأشيع لدى الأطفال ألا وهو الابيضاض اللمفاوي الحاد 4% بينما اليوم هو 94%، وقد ارتفع مُعدّل النجاة الكلّي بالنسبة للأورام التي تُصيب الأطفال من 20% عام 1962 إلى 80% في عام 2015، وإن للبحوث التي أُجريت بمُستشفى (سانت جود) لبحوث الأطفال دور عظيم في ارتفاع هذه النسبة.

تتم اليوم استشارة ودعوة العاملين في مُستشفى (سانت جود) من مراكز علاج أورام الأطفال والباحثين من كل أنحاء العالم للاستماع لنصائحهم، ولا يُرد أي طفل خائباً في هذا المشفى أبداً إن لم يكن أهله قادرين على دفع تكاليف علاجه.

1. سكان مدينة (غاندر)، (نيوفاوندلاند):

طائرات عسكرية.
تم تأسيس مدينة (غاندر) من أجل الطائرات العابرة للمحيط الأطلسي في ثلاثينيات القرن الماضي.

بُعيدَ هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمية بمدينة نيويورك ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) كانت أولى الأوامر التي أُصدرت للسيطرة على الموقف هي جعل الطائرات المدنية المُحلّقة فوق الولايات المُتّحدة أو المُتّجهة إليها تهبط على الفور بأقرب مطار مُتوفّر، وهذا الأمر كان يعني بالنسبة لـ38 طائرة قادمة من دول مُختلفة الهبوط حصراً بمدينة (غاندر).

(غاندر) هي عبارة عن مدينة صغيرة يقطنها 10.000 شخص تقع على جزيرة (نيوفاوندلاند) في كندا، وبينما بدأت الطائرات بالهبوط سُرعان ما عمّت الفوضى المطار الصغير، وكان إيجاد طريقة ركن الأنواع المُختلفة من الطائرات لوحده يُمثّل تحديّاً كبيراً لمسؤولي المطار، ونظراً لكون هذا العدد الكبير من المُسافرين يحتاجون لساعات طويلة لعبور الجمارك وتفتيش أمتعتهم، قام مسؤولو المدينة وسكّانها باتخاذ خطوات استثنائية لحل هذه المشكلة.

بقيت الأمتعة على الطائرات، لكن كان على الكثير من المُسافرين تناول أدويتهم التي بقيت بحقائبهم، وبينما كان الركاب يتحرّكون ببطء، حرص مسؤولو المدينة على بذل قصارى جهدهم لتلبية حاجات الجميع، فقاموا بشراء وتوزيع علك النيكوتين للركاب المُدخّنين، كما قام صيادلة المدينة بالتنسيق مع زملائهم في الدول المُختلفة لصرف الوصفات الطبيّة الموصوفة للركّاب.

لم يكن المُسافرون يعلمون عند عبورهم لبوابة المطار أن إقامتهم بالمدينة ستستمر لمدة 5 أيام بالنسبة لمعظمهم، وعند هذه اللحظة أحس المُسافرون بلطف سكان المدينة وشعروا بتعاطفهم الشديد معهم، فكان السكّان يبادرون المارّين في طرقات المدينة بسؤالهم إن كانوا بحاجة لأية مُساعدة، كما فتح السكان بيوتهم لهؤلاء الغرباء لتناول الطعام والاستحمام أو للزيارات.

كان معظم المُسافرين ينامون في ملاجئ مؤقتة أُقيمت من قبل مسؤولي المدينة لاحتواء هذه الأزمة، وكانت هذه الملاجئ هي المدارس أو الصالات الرياضية أو أقبية الكنائس، وتولّى سكّان المدينة مهمة تأمين الطعام، فكانت أقدار الأطعمة المُتنوعة تصل إلى الملاجئ بصورة مُنتظمة، كما تم تأمين مُستلزمات المراحيض لهم، وحتى الأطفال كانوا يحصلون على الألعاب والحلوى، وجُلبت كميّات كبيرة من الملابس مصحوبةً دائماً مع السؤال، ماذا تحتاجون أيضاً؟

ولمّا طالت مدّة إقامة المُسافرين، عرض سكان المدينة عليهم أخذهم برحلات للترفيه عنهم، فذهبوا لقطف التوت، وزيارة معالم المدينة، أو فقط للتنزّه في الأرجاء، كما أُقيمت عدّة حفلات شواء، ولم يكن أحد في (غاندر) يقبل أخذ المال من هؤلاء المُسافرين العالقين لقاء أي شيء يقدّموه أو أي مبادرة يبدونها.

كما حرص سكان المدينة على توفّر (الكوشر) –أي الطعام الحلال حسب الأحكام اليهودية– ”لضيوفهم“ اليهود، كما قاموا بتأمين أماكن هادئة لضيوفهم المُسلمين ليقيموا صلواتهم، وهذا الموقف من بين كل المواقف كان استثنائياً ومُتعقّلاً جداً نظراً إلى الأسباب التي جعل هؤلاء الناس يعلقون في هذه المدينة من البداية.

قام العديد من هؤلاء المُسافرين في الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر الرهيبة بالعودة إلى مدينة (غاندر) وأصابتهم الدهشة عندما علموا أن سكان المدينة كانوا متفاجئين تماماً بكل الشهرة التي كسبوها لكرمهم وحسن ضيافتهم، فهم فعلوا كل ما فعلوه لأنهم كانوا يؤمنون حقّاً بأن هذا ما يجب عليهم فعلهُ بهذه المواقف.

أخيراً، أعتقد أن من يقرأ هذه المواقف البطولية لابُدّ أن يسترد شيئاً من الإيمان بالجانب الخيّر من البشرية، وإن كان ذلك يبدو مهمة صعبة في ظل أحداث يومية تغرس فينا الفكرة المُعاكسة تماماً، ورغم ذلك فإن التاريخ مليءٌ بالأمثلة القادرة على دحض هذه النظرة مطلقة التشاؤم، ولا يُمكننا نفي أن بعض البطولات التي مازلنا نسمع عنها بين كل حينٍ وحين تخلق فينا شعوراً من الاحترام والإعجاب وحافزاً قوياً لأن نحذو حذو هؤلاء الأبطال.

جاري التحميل…

0