ميديا

قبل أن تنقد أحدا، عليك معرفة هذه الأمور!

صالون حلاقة وتجميل

من الضروري بدايةً، أن نعرف ونفَرِّقَ جيداً بين مصطلحين يكثرُ الخلطُ بينهما؛ النقد (Critique) من جهة، والانتقاد (Criticism) من جهة أخرى، فهناك فرقٌ كبيرٌ بين هاتين المفردتين، بالرغم من أن معظم الناس يستعملونهما قاصدين بهما نفس المعنى.

فالنقد يُعرَّف لغةً بأنه: ”تمييز الجيد من الرديء، والحَسَن من القبيح“. ويمكن تعريفه أيضاً بأنه: ”بيانُ الأخطاء ومحاولة تقويمها“. وحسب مُعجم المعاني الجامع: ”نقَدَ الشّيءَ: بيَّن حسنَه ورديئه، وأظهر عيوبه ومحاسنه“.

وتأسيساً على ذلك نَخلُص إلى نتيجة، أن النقد اصطلاحاً يعني:

فعلٌ غير منحاز، يوَضِحُ الإيجابيات والسلبيات دون اتهام أو تقريع أو اعتداء، وينتهي إلى تحليلٍ مفصل وتقييمٍ للشيء محل النقد.

في حين أن الانتقاد

يهتمُ أكثر بتصَيُّد الأخطاء والجوانب السلبية دون تصويب أو تبيان للحقيقية ويتوجه غالباً لذم أو انتقاص صاحب العمل ذاته. ويُعرف بأنه: ”التعبير عن عدم الموافقة على شخص أو شيء“ فهو بالعادة عملٌ سلبي غيرُ مُدَعَّم بالأدلة أو التوضيحات.

النقد

والإشكال الكبير اليوم هو أن معظم النُقَّاد لا يجيدون غيرَ النظر إلى الجانب السلبي وهو جانب مفترض في أي عمل! وبالتالي فهم لا يُضيفون شيئاً لمسيرة الإبداع والإنتاج. ولهذا السبب لا يتذكرهم الناس، ولا يحتفظُ التاريخ بأسمائهم، إلا ما ندر!

وبغض النظر عن كل التعريفات، فالنقد سواءً كان نقداً ذاتياً أم نقداً غيريّاً، هو عملية مهمة جداً في مسيرة تقدم البشرية وارتقاء المجتمعات، وضرورية لتطور كافة أنواع الإبداع، فمع التطور الكبير الذي تشهده الأجناس الإبداعية من سينما ومسرح وموسيقى ورواية وشعر وقصة وغيرها من الفنون؛ نجد أنه لا بد من وجود حركة نقدية موازية لما يتم عرضه وتقديمه من إبداعات في شتى المجالات. وبدون وجود نقد حقيقي، لما يُعرض ويُقدَّم من إبداعات، فلن يكون هناك أي فرصة للتطور والارتقاء، والبعد عن الأخطاء.

وفي الآونة الأخيرة نلاحظُ ازدياداً ملحوظاً في ممارسة النقد من قبل الكثيرين في العالم العربي، وبالرغم من كثرة الأخطاء التي تشوب هذه الممارسة، إلا أنني أرى أنها حالة صحية وجيدة، حيث نستشِفُ من ذلك، بأن المجتمعات العربية قد بدأت تُدرك وجود الأخطاء، أو على الأقل بدأت تشعر بها.

النقد

صورة لـ Lloyd Spencer من فليكر

إلا أن طريقة ممارسة النقد لدينا، يشوبها عدة عيوب، ففي الغالب نرى أن عملية النقد لا تكون مكتملة وكافية لإعطاء ملخص نهائي للمشكلة محل النقد. إضافة إلى رفض فئة أخرى من الناس للنقد واعتباره تعدياً وتهجماً عليهم وعلى معتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم …الخ.

وأعتقد أن ذلك يعود لسوء فهم الناقد والمنقود لعملية النقد والطُرُق الأسلم لممارستها، وانتحائهم نحو ممارسة الانتقاد بدلاً من النقد. وسأحاول من خلال هذه المقالة أن أُلخِّص أهم الملاحظات حول عملية النقد وتوضيحها قدر الإمكان.

أولاً: النقد هو إظهار السلبيات والإيجابيات من وجهة نظر الناقد المتخصص والدارس للمسألة، وليس فقط السلبيات. كما ويُظهرُ كوامنَ الضعف وكوامن القوة أيضاً، وقد يقترحُ أحياناً الحلول. وهناك نوعان للنقد، نقدٌ خارجيّ وهو النظر في أصل المسألة، ونقدٌ داخليّ وهو النظر في المسألة نفسها من حيث التركيب والمحتوى.

فمثلا لو كان موضوع النقد هو نصٌ قانونيّ، فإن النقدَ الخارجي له يكونُ في أصله ومصدره والسبب والغاية والهدف من وضعه وهل يمكن تحقيق الغاية المرجوة منه أم لا؟ أما النقدُ الداخلي له فيكون في ماهيةِ الأمور التي يغطيها والتي لا يغطيها هذا النص، وهل تم بناؤه بشكل سليم وكافٍ أم لا، وهل هناك تعارض بينه وبين نصوص أخرى أم لا، وما هي طُرُق وكيفية وإمكانية تطبيقه وما هو مداه؟ …الخ.

ثانياً: ليست مهمة الناقد تقديم الحلول، إنما الإشارة فقط إلى إيجابيات وسلبيات المسألة، أما الحلول فهي مهمة الباحثين عن الحلول. يعني هذا أن هناك شخص يقوم بتقديم الزبدة والنتيجة النهائية وتلخيص حالة المسألة موضوع النقد، وهناك شخص آخر يأخذ خلاصة كلام الناقد بالاعتبار خلال رحلته للبحث عن حل للمشكلة. إلا أنه لا يوجد مانع في أن يُقدم الناقد أحياناً الحلول، إن كانت لديه القدرة على ذلك، وقد يقوم بعمل الوظيفتين؛ النقد والبحث عن الحل. إلا أن المسألة تبقى على قدر استطاعته.

ثالثاً: لا يوجد نقد بنّاء وآخر هدّام، النقد نقد وكفى!

يمكننا أن نقول: هذا نقد سليم للمسألة، ثم نرد عليه أو نأخذ به إن أقنعنا. أما إن كان النقد غير سليم فببساطة نقول هذا ليس نقداً وانتهت المسألة. حيث إن النقد كالمعادلة الكيميائية قائم على أسس واضحة كما ذكرت في النقاط السابقة، وليس أي نقد يُعتبر نقداً. فهناك من يوجه انتقاداً (وليس نقداً) لمسألةٍ ما فقط بدافع كرهه لصاحب هذه المسألة، وهناك من يقدم نقداً سليماً للمسألة، النقد الأول الذي اعتدنا على أن نسميه ”نقداً هداماً“ لا يعتبر نقداً أصلاً!! بل هو الانتقاد الذي يذهب جفاءً، ببساطة لأنه غير قائم على الأسس السليمة للنقد.

رابعاً: النقد اهتمام، وليس تهجماً أو كراهية. فنحن نشير إلى الخطأ من أجل إصلاحه والوصول إلى الأفضل، ونشير إلى الصواب من أجل تثبيته والاستمرار به وتطويره. والنقد لا يَحُط من قدرِ المسألة المنقودة، إذ أننا لا ينبغي أن ننقد إلا ما نراه جديراً ومستحقاً للنقد.

وختاماً، إن كنتَ شخصاً يمارِسُ النقد، فليس هناك أفضل من الرفق واللين والكلمة الطيبة عند نقد أي شخص أو تصرف أو نتاج إبداعي ما. فسواء اخترت كلمات قاسية أو كلمات لطيفة، ستصل الفكرة، فالأفضل لكَ ولغيركَ أن توصلها بكلمات أبعد ما تكون عن القسوة والغلو. أما إن كنتَ شخصاً يمارَسُ النقد عليه أو على إنتاجه أو تصرفه، فعليكَ دوماً أن تأخذ النقدَ بجديةٍ، فهو فرصة عظيمة لتطوير ذاتك ونتاجاتك. وإن كان نقداً قاسياً بعيداً عن اللين، فعليك أن تصبر وتبحث في مضامينه عما يفيدك.

مقال من إعداد

mm

محمود ترابي

من فلسطين، طالب علم وقانوني، مهتم بحقوق الانسان والعلوم الإنسانية والفلسفة والفكر الإسلامي.

عدد القراءات: 4٬102