in

لماذا تتلاشى ألوان لوحة «الصرخة» لـ(مونك)، تلك اللوحة التي كانت نابضة بالحياة؟

كشف تحليل جديد سبب تغير لون الأصبغة الصناعية غير الثابتة في اللوحة، حيث انقلب لونها من الأصفر إلى الأبيض.

تلاشت ألوان أشهر لوحة للرسام النرويجي (إدفارد مونك)، والتي تدعى «الصرخة»، مع مرور الوقت، وذلك وفقاً لبحث حديث أجراه مختبر التحليل العلمي للفنون الجميلة، أو SAFA، في مدينة نيويورك الأمريكية.

تشتهر لوحة (مونك)، التي تعتبر من أولى اللوحات الانطباعية، بشخصيتها المركزية: الشخصية ذات الوجه الشاحب والتي تمسك بوجهها بينما تصرخ. يقف هذا الشخص المنهك على طريق يطل على فيورد كريستيانيا، وكريستيانيا هي الاسم القديم للعاصمة النرويجية أوسلو، تحت أشعة الشمس الغاربة ذات اللونين الأحمر والأصفر.

لكن وفقاً لما ذكرته (سوفي هايني) لصحيفة «نيويورك تايمز»، فألوان اللوحة كانت أكثر إشباعاً واحمراراً. وعلى مر السنوات الـ 127 الأخيرة، تلاشى الصباغ الأصفر وبدأ يتحول للون الأبيض، هناك علامات أخرى تدل على تدهور اللوحة.

نظر الباحثون إلى اللوحة الأصلية التي رسمها (مونك) عام 1910 باستخدام مجهر الكتروني، وتمكنوا من رؤية تفاصيل اللوحة على مقياس النانو. لكن لسوء الحظ، ما عثروا عليه كان مخيباً للآمال، فهناك بلورات تنمو على اللوحة أشبه بمسامير صغيرة. وتحدثت رئيس SAFA السيدة (جينفر ماس) إلى صحيفة «نيويورك تايمز» قائلة: ”حقاً، هذا أمر لا نود رؤيته“.

لوحة الصرخة بالألوان الزيتية، رُسمت عام 1893، موجودة في المعرض الوطني النرويجي. صورة: Wikipedia

رسم (مونك) لوحة «الصرخة» في فترة شهدت فيها صناعة الطلاء والأصبغة تحولاً سريعاً. فقبل ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان الرسام مسؤولاً عن مزج الألوان في الاستديو بمواد بدائية نوعاً ما، لكن بحلول نهاية القرن التاسع عشر، أدى التقدم في صناعة المواد الكيميائية إلى ابتكار ألوان مسبقة الصنع ومعبأة ضمن عبوات، وبيعها في المتاجر والمحال. واليوم، يحوي متحف مونك في أوسلو نحو 1400 علبة ألوان امتلكها الفنان سابقاً. أدى إنتاج تلك الأصبغة الصنعية شديدة الإشباع إلى المزيد من الأعمال الإبداعية من طرف الفنان، لكن تلك الأصبغة نادراً ما تعرضت للاختبار، وتحديداً مدى تحملها وعمر استخدامها.

يقول (رالف هاسويل)، وهو عالم يعمل لدى «شيل غلوبال سولوشنز» ساهم في دراسة انحلال وتدهور لوحات الفنان (فنسنت فان غوخ): ”إحدى مساوئ العيش في بيئة دائمة التغير حيث كانت الأصبغة أمراً جديداً، وبالتالي لم يعرف الناس وقتها ماذا سيحصل مع مرور الزمن“. ويكمل في حديث لـ(نينا سيغال) من صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2013: ”كانت صناعة المواد الكيميائية تنمو بشكل هائل، واخترع القائمون عليها شتى أنواع الألوان، لكن لم يدركوا ما الفترة الزمنية التي تبقى خلالها تلك الألوان والأصبغة ثابتة. فبعض الأصبغة لم تكن ثابتة أبداً“.

بينما يحاول العلماء والباحثون اليوم تخيل كيف كانت اللوحات الأصلية، تمثل لوحات المدرستين الانطباعية والتعبيرية تحدياً من نوع آخر. فالشجرة مثلاً في لوحات (هنري ماتيس) أو (إدفارد مونك) قد لا تكون خضراء اللون، فهؤلاء الفنانون لم يسعوا إلى تقليد الواقع على الإطلاق. من خلال تحليل المواد الكيميائية المتبقية في عبوات الألوان واللوحات، سيتمكن الباحثون من العود بالزمن إلى الوراء ومعرفة الألوان الحقيقية التي استخدمها الفنان في لوحته، حتى لو مضى على تلك اللوحة قرن من الزمن.

لوحة غرفة النوم قبل استعادتها، رُسمت عام 1889. صورة: Vincent van Gogh Foundation; Van Gogh Museum

في حالتنا هذه، أي لوحة «الصرخة»، تحلل كبريتيد الكادميوم الأصفر إلى مادتين كيميائيتين لونهما أبيض، هما كبريتات الكادميوم وكربونات الكادميوم. شهدت بعض لوحات (فان غوخ) أيضاً هكذا تغيرات، تحديداً لوحته «غرفة النوم»، التي يظهر فيها سرير ذهبي اللون (أو Goldenrod، وهو لون مسمى على اسم نبتة Solidago أو عصا الذهب بالعربية) في غرفة ذات لون أزرق فاتح، أما ألوان جدران الغرفة فكانت بنفسجية. تحلل الصباغ الأحمر بسرعة أكبر من سرعة تحلل اللون الأزرق، ما أدى إلى تغير في ألوان اللوحة، وأصبحت كما نعرفها اليوم. أما في لوحات (فان غوخ) الأخرى، فهناك دليل واضح على تحول صباغ أصفر الكروم إلى لون بني.

لتحليل كبريتيد الكادميوم الجديد في أعمال (مونك) نتائج مترتبة على أعمال أخرى استخدم فيها الفنان نفس الصباغ، خلال مطلع القرن العشرين. عندما يتعرف الباحثون على اللوحات التي تعرضت لانحلالٍ في الألوان، سيتمكنون رقمياً من خلق لوحة شبيهة بالأصلية. وفي يوم ما، ربما ترافق اللوحات المعاد إنشاؤها رقمياً اللوحات الأصلية في الواقع المعزز، وسيصبح بالإمكان رؤيتها عن طريق أجهزة الموبايل.

يقول الكيميائي (كوين يانسين)، وهو الذي درس أصبغة لوحات (فان غوخ) و(ماتيس) وآخرين، من جامعة أنتويرب البلجيكية: ”تتمثل الفكرة في محاولة عكس الزمن، ولو بطريقة افتراضية“.