تاريخ

لماذا لا يستطيع أيّ أحدٍ نقل هذا السلم الموجود في كنيسة القيامة في مدينة القدس؟

سلم كنيسة القيامة

عندما تم وضع سلم خشبي بجانب أحد جدران كنيسة القيامة في مدينة القدس منذ قرون؛ لم يكن يخطر ببالٍ أحدٍ أنّ هذا السلم سيبقى في مكانه إلى أجلٍ غير مسمى. الغريب في الأمر أنه لا يحمل أي نوع من القدسية على الإطلاق، فما الذي جعل نقل سلمٍ خشبيٍ مسنودٍ على جدار من جدران الكنيسة إلى مكانٍ آخر أمرا محرماً؟ بمعنى آخر قد تعتقد أنه لن يحدث أيّ ضررٍ من تحريك السلم أليس كذلك؟

حسناً، إن القيام بتحريك السلم قد يشعل شرارة للكثير من أعمال الشغب وربّما تنجم عنه حربٌ دينية، وهذا ما يبدو غريباً في البداية، ولكن عندما نفهم طبيعة السياسات المتّبعة في التعامل مع هذه الكنيسة سيتّضح لنا كلّ شيء.

يعود تاريخ المبنى الذي يظم كنيسة القبر المقدس إلى القرن الرابع ميلادي وتكمن أهميتها في كون المسيحيين يؤمنون بأنّها المكان الذي صُلب فيه المسيح، وهو أيضاً نفس المكان الذي بعث فيه إلى الحياة، أي الحدثين الأهم والأقدس في الدين المسيحي. وعلى امتداد الزمن حصلت الكثير من النزاعات بين الطوائف المسيحية المختلفة والتي يدّعي كلٌّ منها أنّه المالك الشرعي لهذه الكنيسة.

في القرن الثامن عشر توصلت ستةٌ من الطوائف المسيحية إلى حل وسطي، وهم الروم الأورثوذوكس، والأرمن الأورثوذوكس (الكنيسة الأرمنية الرسولية)، والروم الكاثوليك، والأقباط الأورثوذوكس، والسريان الأورثوذوكس والأثيوبيون الأورثوذوكس واتفقوا أنّ ملكية هذه الكنيسة ستكون مشتركةً بينهم جميعاً، وكان الاتفاق يتضمّن ألّا يتمّ أيّ تغيير في الكنيسة دون موافقة كافة الطوائف الستة.

هذه الاتفاقية حصلت منذ أكثر من 250 عاماً وما زالت ساريةً حتى اليوم، وتركت الكنيسة على حالها دون اجراء أي نوع من التغييرات أو الترميمات لأن المسؤولين عنها غادروها تجنبا لحصول صراعات بين الطوائف، وبدل أن تتعاون الطوائف الستة من أجل العمل على إجراء الترميمات اللازمة لها؛ تركوها على حالها لقرون، فهي تبدو تماماً كما كانت عليه عندما تمّ توقيع الاتفاق في القرن الثامن عشر ويتضمن هذا السلّم الخشبي الذي سبق وذكرناه.

سلم كنيسة القيامة

سلم كنيسة القيامة «السلم غير القابل للتحريك» – صورة: Ron Almog/Flickr

يجب أن يلتزم الجميع بذلك الاتفاق الذي ما يزال سارياً حتى اليوم بحذافيره، بحيث أنّ أيّ تغيير في الكنيسة مهما كان بسيطا –مثل نقل إحدى قطع الأثاث في الكنيسة– سيسبب صراعا بين الطوائف الستة وهو بالضبط ما حصل في عام 2002، حين كان يجلس راهبٌ قبطيٌ على سطح الكنيسة احتجاجاً على استيلاء الإثيوبيين على السطح وقام هذا الراهب بتحريك الكرسي قليلاً ليكون في الظل، ولكن باعتبار أنّ هذا الكرسي ملكيةٌ مشتركةٌ للطوائف الستة وباعتبار أنّه قام بتحريكه دون موافقة الأطراف الخمسة الأخرى؛ اعتُبر تصرّفه خرقاً للاتفاقية ونشب عراكٌ بالأيدي أدّى إلى إصابة العديد من الرهبان.

وفي عام 2008 حصلت حادثةٌ أخرى حين كان الرهبان الأرمن يقيمون أحد المراسم الدينية ولم يسمحوا لراهبٍ يونانيٍ بمشاركتهم، فقام الرهبان اليونانيون بمنع استكمال المراسم مما أدّى إلى عراكٍ كبيرٍ تطلّب حضور شرطة مكافحة الشغب الإسرائيلية واعتقال راهبين، هذان الحادثان ليسا إلا عينةً من حوادث العنف الكثيرة التي أشعلتها خلافاتٌ بسيطة في كنيسة القيامة وهو ما يفسر أمر منع تحريك السلّم.

في الحقيقة لا أحد يعلم سبب وجود السلّم في مكانه الحالي أو حتى كم مضى من الوقت على وجوده في هذا المكان، ولكنّ يفترض الكثيرون أنّ أحد البنائين كان يقوم بإجراء بعض الإصلاحات في الكنيسة منذ ما يقارب الـ300 عام وتركه في مكانه، حيث يظهر هذا السلم في رسمٍ للكنيسة يعود إلى عام 1728، وذكر أيضا في مرسوم للسلطان العثماني صدر عام 1757، كما أنّه موجودٌ في إحدى الصور القديمة للكنيسة والتي يعود تاريخ التقاطها إلى خمسينات القرن التاسع عشر.

يظهر هذا السلم في رسمٍ للكنيسة يعود إلى ثمانينات القرن التاسع عشر - صورة: New York Public Library

يظهر هذا السلم في رسمٍ للكنيسة يعود إلى ثمانينات القرن التاسع عشر – صورة: New York Public Library

بهذا فنحن نعلم أنّ السلم كان موجوداً منذ فترةٍ طويلة ولكنّ المشكلة تكمن في أننا لا نعلم بالضبط إلى أيّ الطوائف كان ينتمي الرجل الذي وضعه وبهذا فإنّ ملكيته أصبحت تعود إلى الطوائف الستة، ما يعني أنّ نقله يتطلّب اتفاق الطوائف الستة على عملية النقل وهذا الأمر يبدو بعيد التصور.

في عام 1964 أصدر البابا أمراً بأن يبقى السلم في مكانه حتى تتحد الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأورثوذوكسية، وهذا يعني أنّ الكاثوليك اليوم لن يسمحوا بنقل السلم من مكانه مما جعل الكثيرين يعتبرون هذا السلم الخشبي القديم رمزاً لانقسام الطوائف المسيحية وأطلقوا عليه تسمية «السلم غير القابل للتحريك».

بالطبع، نقل السلم محرّمٌ بسبب الاتفاقية ولكن لا يوجد ما يمنع تحريك السلم ”غير القابل للتحريك“ فيزيائياً، فيمكنك شخصياً إن كنت في القدس أن تذهب وتحرّكه من مكانه (إن لم تكن تمانع في مواجهة المعارك التي سوف تنتج عن الأمر، أو إن كنت تبحث عن طريقة سهلة للدخول إلى السجن).

سلم كنيسة القيامة «السلم غير القابل للتحريك».

في عام 1981 حاول أحدهم القيام بتحريكه ولكنّ الشرطة الإسرائيلية سارعت إلى إيقافه، وفي عام 1997 نجحت المحاولة التي قام بها شخصٌ آخر حيث تسلل عبر النافذة وسرق السلم واختفى به لعدة أسابيع هذا ما تسبب –كما هو متوقعٌ– بتصعيد التوتر بين الطوائف، ولكن يبدو أنّ هذا الرجل شعر بالندم وأعاد السلم إلى مكانه الأصلي، أما آخر مرةٍ تمّ فيها نقل السلّم كانت في عام 2009 وكانت عملية النقل مجرد أمرٍ مؤقتٍ بهدف تنظيف المنطقة المحيطة به ليعود بعدها إلى مكانه الأصلي من جديد.

في النهاية يبدو أنّ هذا السلّم سيبقى في مكانه الحالي طالما أنّ الخلافات بين الطوائف المسيحية مازالت قائمة إلا إذا نجح شخصٌ آخر بسرقته من جديد، ولا يسعنا هنا إلا أن الانتظار لنرى أيّ هذين الأمرين سيحصل أولاً.

المصادر

عدد القراءات: 19٬185