معلومات عامة

ما السر وراء غرس الأشجار ذات الرائحة الكريهة (التي تشبه رائحة السمك المتعفن أو رائحة المني) في المدن

إنه يوم جميل في الخارج، الشمس ساطعة والطرقات محاطة بالأشجار ذات الأوراق والمزهرة، إنه يوم مثالي للركض الصباحي.

تمشي إلى خارج باب البيت وتأخذ نفساً عميقاً في الهواء الصباحي النقي، وعندها تبدأ بالتقيؤ لأنك ملأت رئتيك بهواء مليء برائحة القيء، هذا ليس بسبب جارك الذي كان يتعثر ويترنح البارحة في طريقه للمنزل، بل بسبب شجرة مجاورة.

يوجد الكثير من الأشجار بمختلف الأنواع ذات رائحة كريهة جداً، ولكن هناك سببا جيدا لذلك؛ على الأقل بالنسبة للشجر، على الرغم من أننا لا نحب تلك الروائح، إلا أن غايتها جذب فصائل أخرى من الكائنات التي تساهم في تلقيح ونشر البذور، وبالتالي نمو وتكاثر تلك الأشجار.

ولكون تلك الأشجار النتنة تتمتع بالمرونة، نقوم بزرعها في المدن على الرغم من رائحتها؛ لأن المدن (كما تعلمون) تحتاج لأن تزيد رائحتها سوءاً، أحد أشهر تلك الأشجار هي شجرة ”الجنكة الصينية Ginkgo“ التي تملك أوراقا جميلة على شكل مروحة اليد، والتي تصبح صفراء في الخريف، وتتسبب برائحة كريهة للعالم منذ زمن طويل، بحيث تثبت الحفريات على أن عمرها يزيد عن 200 مليون سنة.

شجرة الجنكة الصينية

شجرة الجنكة الصينية – صورة: Cayambe

وقد شقت طريقها لمدن أمريكا بعد الثورة الصناعية، وعندما ازداد مستوى التلوث والدخان وبدأ يقتل الأشجار في المدن الكبيرة مثل لندن ما عدا ”الجنكة“، بدأ مهندسو المدن في زراعة الجنكة حول العالم، واليوم يمكنك أن ترى الجنكة تقريباً في كل مكان، من لندن إلى سيئول ونيويورك، والجانب السلبي الوحيد لتلك الشجرة هو أن رائحتها في الخريف تصبح كرائحة كوكتيل القيء بزبدة الزنخة اللذيذ؛ لذيذ على الأقل بالنسبة للديناصورات وفقا لعلماء الحفريات.

شجرة الجنكة منفصلة الجنس، مما يعني وجود أشجار مذكرة ومؤنثة لكل منها دوره في دورة التكاثر، فتنتج الذكور مخاريط التلقيح، بينما تنتج الإناث البويضات، والتي تصبح بذوراً بعد التلقيح.

تسقط البذور الملقحة على الأرض في الفترة الممتدة بين أيلول وتشرين الأول لتنضج وتتحضر لفصل الربيع، ومن ثم تدخل في السبات الشتوي طيلة الشتاء.

وللنجاة من البرد، فإن البذور تكون مغطاة بثلاث طبقات، تدعى الطبقة اللينة الخارجية منها ”ساركوتيستا“، ثم تأتي طبقة متوسطة قاسية تدعى بـ”سكليروتيستا“، والطبقة الرقيقة الداخلية هي ”الإندوتيستا“.

بذور شجرة الجنكة الصينية

بذور شجرة الجنكة الصينية – صورة: Fritz Geller-Grimm

تبدو بذور الجنكة كحبات كرز كبيرة صفراء، وطبقتها الطرية هي المسؤولة عن الرائحة الفظيعة، فعندما تبدأ بالتعفن تقوم بطرح مركبين هما ”حمض البيوتيريك“ و”حمض الهيكسانويك“.

عندما تأكل الحيوانات البذور تقوم بطرحها مع روثها في مكان آخر، مما ينشر البذور وبالتالي تنمو الأشجار بمساحة أوسع، وبما أن الأشجار المؤنثة هي فقط التي تطرح البذور، قد يتبادر إلى ذهنك إمكانية زرع الأشجار المذكرة فقط لتفادي الرائحة الكريهة، ولكن ذلك لا ينفع، لأن أشجار الجنكة ستعمل على تغيير جنسها لكي تضمن توازن عدد الذكور والإناث في المنطقة المحيطة، لذا يمكنك زرع قدر ما تشاء من الأشجار المذكرة، ولكن نصفها تقريبا سيعمل على تغيير جنسه وتستمر الرائحة.

ليست الجنكة هي الشجرة الوحيدة ذات الرائحة الكريهة التي يمكن أن تجدها في المدينة، فهناك أيضاً الشجرة الجميلة والمقرفة في آن واحد المسماة ”بايروس كاليريانا – Pyrus Calleryana“، التي تقوم في فصل الربيع بانتاج أزهار بيضاء دقيقة تشبه أزهار الكرز، ولكن رائحتها لا تمت للطِيب بصلة، ودائماً ما يقال عنها أنها تشبه رائحة السمك المتعفن أو رائحة المني.

شجرة بايروس كاليريانا Pyrus Calleryana

شجرة بايروس كاليريانا Pyrus Calleryana – صورة: Bruce Marlin

تأتي الرائحة من مركبات تنتجها الزهرة وتحديداً مركب ”التري ميثيل أمين – Trimethylamine“، و”الدي مثيل أمين – Dimethylamine“، وهي المركبات نفسها التي تعطي السمك والمحار رائحته ”السمكية“.

إن هذه المركبات من مشتقات الأمونيا التي يحدث أن توجد في المني، فمن المنطقي أن تكون الرائحتان متشابهتين. من المعتقد كذلك أن وظيفة هذه الرائحة هي جذب النحل الذي سيساعد بايصال الإلقاح إلى الأشجار الأخرى، لأن هذه الشجرة لا يمكنها التكاثر إلا عن طريق التأبير أو التلقيح المتعدد.

يعد هذا التكيف من المحاسن التطورية للأنواع، ولكنه يصبح مشكلة في المدن عندما تُزرع تلك الأشجار بحيث تكون قريبة جداً من بعضها البعض، حيث تنتشر البذور بسرعة كبيرة جداً، وبالتالي تتكاثر الأشجار بشكل جنوني وتتسبب في تغيير الحياة النباتية الأصلية.

لذا؛ مع أن تلك المجموعة من الأشجار المزهرة تبدو جميلة في المدن، فالرائحة ليست المشكلة الوحيدة.

هناك شجرة أخرى سيئة ومنتشرة بكثرة في المدن، اسمها الأساسي هو ”Ailanthus Altissima“ ويعني شجرة الجنة، تتفرع هذه الشجرة مثل ”السراخس“ ويمكنها أن تنمو ليصل طولها إلى 25 مترا.

شجرة الجنة

شجرة الجنة – صورة: Darkone

هذه الشجرة قوية ولكن ضريبتها غالية جداً، حيث أن رائحتها تشبه زبدة الفستق العفنة أو بول القطة، وهي أيضاً منفصلة الجنس كالجنكة تماما، ولكن الأشجار الذكورية الجنس لديها هي التي تنشر الرائحة لجذب الحشرات التي تنقل الإلقاح إلى الإناث.

قامت الشجرة بتطوير وسيلة أخرى لتضمن بقائها، فهي تنتج مبيدا عشبيا لقتل النباتات المجاورة، مما يعني أن شجرة الجنة تقضي على البيئة النباتية المحلية، ويجعل منها هذا أشجارا قاتلة لا يمكن إيقافها.

في مسألة زرع الأشجار في المدن من الواضح أن الخيارات محدودة، فالكثير من الأشجار المحلية لن تستطيع النجاة في الأحواض الضيقة في المدن، كما أن التلوث لا يساعدها بشيء على البقاء أيضاً.

عدد القراءات: 73٬382