in

لماذا أنفق اليابان مبلغ 600 مليون دولار من أجل حماية صخرتين اثنتين؟

أوكينوتوريشما
صورة: Getty Images

يتعلق الأمر هنا بـ”جزيرة“ يطلق عليها اليابانيون اسم جزيرة (أوكينوتوريشما)، التي تتواجد في بحر الفليبين، وقد اكتشفت هذه الجزيرة أول مرة في منتصف القرن السادس عشر على يد رجل يدعى Bernardo De la Torre في سنة 1543، ثم أعيد اكتشافها مرة أخرى سنة 1565 على يد Miguel Lopez de Legazpi، الذي أطلق على الجزيرة التي تتكون من خمسة صخور صغيرة اسم Parece Vela التي تعني ”تبدو مثل شراع“، وهو اسم غريب بالطبع لأنه على حد علمنا لا توجد أوجه شبه بين شراع سفينة وخمسة صخور متوسطة الحجم.

في سنة 1789، أعيد اكتشاف هذه الجزيرة مرة أخرى من طرف الإنجليز، الذين على عادتهم افترضوا أنهم أول من اكتشفها، وأطلقوا عليها اسم (دوغلاس ريف)، أو (حيد دوغلاس).

ثم زارها اليابانيون أول مرة سنة 1922 ثم في سنة 1925، ثم استحوذوا عليها سنة 1931 وأطلقوا عليها اسم (أوكينوتوريشما) الذي تعرف به اليوم، وهو الإسم الذي يعني ”جزر الطيور البعيدة“.

أوكينوتوريشما
أوكينوتوريشما على الخريطة. صورة: Half as Interesting/Youtube

بسبب موقع (أكوينوتوريشما) الاستراتيجي بين تايوان وغوام؛ أراد اليابان بناء قاعدة عسكرية عليها، ومن أجل تفادي الجلبة التي قد تصدر عن الموضوع، كذبوا بالطبع وقالوا بأنهم سيقومون ببناء منارة عليها وموقع للأرصاد الفلكية.

بدأت أعمال البناء على الجزيرة سنة 1939، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية بعد عدة سنوات وتحتم وقف الأشغال والانشغال بالصراعات العسكرية.

بعد الحرب، تم نقل ملكية هذه الصخور إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سنة 1968، انشغلت الولايات المتحدة الأمريكية بحربها في فيتنام وقررت إعادة منحها لليابان.

قد تتساءل الآن لماذا قد تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالتخلي عن جزيرة بهذه الأهمية الاستراتيجية بدون أي سبب حقيقي، خاصة باعتبار أنها ظلت متشبثة بجزر أقل أهمية منها على مدى قرون!؟

في الواقع؛ لم تظهر قيمة جزيرة (أوكينوتوريشما) الفعلية إلا في سنة 1982، عندما انعقد مؤتمر للأمم المتحدة تمخضت منه اتفاقية حول قانون البحار، عرفت باسم «معاهدة الأمم المتحدة لسنة 1982 عن قانون البحر».

من بين ما جاء في هذه المعاهدة الخطوط العريضة القانونية التي تحدد المناطق الاقتصادية الحصرية للبلدان، والتي بموجبها تمنح لكل دولة حق استغلال الموارد المائية في نطاق 370 كيلومتر عن ”صخور شواطئها“.

للتوضيح، لا تمنح هذه المعاهدة السيادة لهذه البلدان على هذه المساحات البحرية الشاسعة، لكنها تمنحها حق استغلال كل ما فيها من موارد، كالثروة السمكية والصيد البحري وكذا حقوق التنقيب والبحث عن الثروات الباطنية من معادن ونفط وغاز.

لهذا كل ما يرغب فيه اليابان الآن هو جعل العالم يعترف بأن هاتين الصخرتين هما في الحقيقة جزيرة، وهو ما قد يعني في حالة نجاحه بسط اليابان سيطرته الاقتصادية على مساحة قدرها 400 ألف كيلومتر مربع، وجعلها منطقة حصرية اقتصادية.

لكن الجدل حول ما إن كانت تلك الصخور البحرية جزيرة أم لا شائك بطبيعته، فالمجتمع الدولي متفق على أن اليابان تملك (أوكينوتوريشما)، لكنه اختلف عما إذا كانت هذه الأخيرة جزيرة أساسًا، والطرف الأبرز في معارضة جعل (أوكينوتوريشما) جزيرة هو الصين طبعًا.

قد تتساءل الآن عزيزي القارئ: ما دخل الصين في الأمر؟

حسنًا، إلى جانب رغبتها في السيطرة واحتكار الجزر الصغيرة في المنطقة، للصين هدف آخر وراء منع اليابان من جعل (أوكنوتوريشما) جزيرة، ففي حالة ما قررت الولايات المتحدة الأمريكية في يوم من الأيام إرسال قوات من قواعدها في (غوام) إلى تايوان؛ سيكون للصين هناك موطئ قدم تنشر فيه غواصاتها لاعتراضها، ومن أجل القيام بهذا الأمر ستكون الصين في حاجة لإعداد خريطة عن قاع المحيط، والتي بدورها تستوجب القيام بعمليات مسح جيولوجي، وهو الأمر الذي لا تستطيع الصين القيام به في ”منطقة اقتصاد حصرية“ خاصة باليابان، أضف إلى ذلك وجود احتياطي نفط في المنطقة، وهو ما يعتبر مصدر جذب كبير لجميع الأمم في العالم.

ترغب الصين في نشر غواصاتها في المنطقة من أجل اعتراض مسار أي تحرك للقوات الأمريكية فيها من غوام إلى تايوان، وهو ما يمنعها من القيام به اعتبار (أوكينوتورشيما) جزيرة في نظر العالم. صورة: Half as Interesting/ Youtube 
ترغب الصين في نشر غواصاتها في المنطقة من أجل اعتراض مسار أي تحرك للقوات الأمريكية فيها من غوام إلى تايوان، وهو ما يمنعها من القيام به اعتبار (أوكينوتورشيما) جزيرة في نظر العالم. صورة: Half as Interesting/Youtube

الآن ننتقل إلى السؤال الأهم: هل يعتبر المجتمع الدولي (أوكينوتوريشما) جزيرة أم لا؟

الجواب هو: ”ربما ولا“، ذلك أن اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون البحر تحدد الجزر على أنها: ”منطقة أرض تشكلت بصورة طبيعية تحيط بها المياه، والتي تكون فوق مستوى المياه عند ارتفاع المد“، وتحدد الصخور على أنها: ”لا تستطيع دعم الحياة البشرية أو الحياة الاقتصادية“، وهو الوصف الذي ينطبق على (أوكينوتوريشما)، التي هي عبارة عن صخور لا تستطيع دعم أي حياة بشرية أو اقتصادية كانت، لكن هذا لم يمنع اليابان من إنفاق مبلغ ضخم في سبيل إقناع العالم بخلاف ذلك.

في سنة 1987، بدأ اليابانيون أعمال بناء كواسر أمواج فولاذية وجدران من الخرسانة حول هذه الصخور من أجل حمايتها من الحت والتآكل، وفي سنة 1988 قاموا ببناء «مركز اليابان للعلوم البحرية والتكنولوجيا»، وهو المركز الذي لم ينتصب على أي من الصخور الطبيعية، لكنه قريب منها بما فيه الكفاية.

قامت اليابان بإنفاق أموال طائلة من أجل حفظ الصخرتين من التآكل.
قامت اليابان بإنفاق أموال طائلة من أجل حفظ الصخرتين من التآكل. صورة: scmp

حتى على الرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة تحدد بوضوح بأن الجزر الاصطناعية لا يمكن احتسابها كجزر فعلية لينطبق عليها قانون البحر الدولي، فإن اليابان أصرّ على المضي قدمًا في مخططه وقام ببناء صخرة ثالثة في محاولة لتضليل العالم، وهو الأمر الذي كلف اليابانيين في المجمل مبلغ 600 مليون دولار.

صخرة اصطناعية ثالثة أضافتها اليابان للصخرتين الأخريين.
صخرة اصطناعية ثالثة أضافتها اليابان للصخرتين الأخريين. صورة: bloomberg