معلومات عامة

ماهي ”التنترا“ وما هو الجنس ”التنتري“ القديم؟

التنترا والجنس التنتري

يقوم (ماثيو غودين) بتعليم الـ(أويرفيدا)، التي هي عبارة عن ”طب“ هندي شمولي قديم، في معهد معهد ”التغذية الشمولية“ في (فانوكوفر)، ويقول أن أول أمر كان قد لاحظه خلال حياته كراهب بوذي منذ عقد من الزمن هو أن مذهب الـ(أيورفيدا) متأثر إلى حد كبير بتقاليد الروحانية ”التنترية“، مما جعله يدرّس مقدمات موجزة لهذه التقاليد ”التنترية“ كجزء من دروسه نحو تعاليم الـ(أيروفيدائية)، ويضيف أنه في كل مرة يفعل فيها ذلك يستهل الأمر بسؤال يطرحه على طلبته: ”ما هو أول شيء يخطر ببالك عندما تسمع أو تقرأ كلمة ’تانترا‘؟“

يقول أنه من النادر أن يجيب الطلبة عن هذا السؤال لكنه دائما ما يعتبر همساتهم وابتساماتهم جوابا واحدا وهو: ”الجنس“.

يعتقد معظم الناس أن ”التنترية“ هي عبارة عن مقاربة روحانية للجنس أو أنها مقاربة جنسية للروحانية، أو أنها نوع من العلاج الجنسي أو التداوي بالجنس، حيث تفيد معظم القصص التي تدور في أذهانهم أنه كان يوجد في الهند القديمة ثقافة ”تنترية“ روحانية مؤيدة للجنس، على خلاف الروحانية الغربية العفيفة والثنوية –من المذهب الثنوي–، كما كانت داعمة للفكر النسوي.

غير أن القصة الحقيقية هي أكثر تعقيدا من هذا، حيث أن المذهب التنتري أو الثقافة التنترية نشأت كنوع من استصلاح الممارسات التي اختزلت أو أُبعدت في الهندوسية الفيدية الأرثوذكسية المتشددة، وتقاليد اليوغا، والتقاليد البوذية والجاينية.

تضمنت هذه الاستصلاحات تحديثات على الممارسات الشعائرية، وإدخال التعاويذ السحرية، والعنف، واستعمال مواد تعبث بالدماغ، والجنس بطبيعة الحال، وكانت بذلك النصوص ”التنترية“ عبارة عن نصوص مقصورة على فئة معينة نشأت ضمن سلالات وأجيال هندوسية مختلفة ابتداء من القرن الخامس ميلادي، وقد شارك في كتابة هذه النصوص رهبان بوذيون وجاينيون، وكان لها تأثير كبير جدا على الهند والعالم القديم المحيط بها بين القرنين التاسع والرابع عشر.

تضمنت كتب الاستصلاح والوصفات الروحانية نظرة عالمية عنيت بدعم وشرح الممارسات المتضمنة فيها، وتعد هذه المزاوجة بين الفلسفة والممارسة بديهية من بديهيات الديانات الهندية القديمة، وكانت غالبا ما يشار إليها على أنها ”نظرة“ و”سبيل“.

كان لجميع النصوص التنترية تقريبا نظرة واحدة للعالم على مر جيمع الأجيال الهندوسية، وهي أن ”الحقيقة“ هي الطاقة الإلهية تعبّر عن نفسها، وأن ميلاد الشخص يعني تدفقه من الألوهية العظمى التي لا يمكن رؤيتها، وأن التنوير هو تدفقه عائدا إلى الألوهية المطلقة. وورد في هذه النصوص كذلك أنه بما أن الحقيقة تسمو فوق ما هو خير وما هو شر، وأنها ما هي سوى تعبير عن الطاقة الإلهية، فإنه بالإمكان استعمال كل ”حقيقة“ من أجل الوصول إلى الألوهية.

ومن بين سبل تحقيق هذا وأقلها هو استعمال الجسم كأداة روحانية، واستعمال شعائر جسمانية معقدة، وترنيم كلمات مقدسة، وبعض من التنزه الثنوي عما هو خير وما هو شر، وما هو مقدس وما هو مدنس.

على اليسار: رسم شعائري من النيبال يبرز العديد من الآلهة التي تمثل المعرفة في تنترا اليوغا. على اليمين: رسم تيبيتي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر يبرز العديد من النصوص التنترية التي تتعلق بالصحة والطب.

على اليمين: رسم تيبيتي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر يبرز العديد من النصوص التنترية التي تتعلق بالصحة والطب، وعلى اليسار: رسم شعائري من النيبال يبرز العديد من الآلهة التي تمثل المعرفة في تنترا اليوغا.

استعملت أكثر مظاهر ”التنترا“ تهذيبا كلا من الشعائر والترانيم، وتمارين التنفس، والتبصر، لكنها بقيت وحافظت على نفسها ضمن حدود القيم السائدة، حيث كان ممارسوها نباتيين، وملتزمين بالفضائل، وتحكمهم أخلاق جنسية، وكانوا يتجنبون استعمال الكحول والمخدرات، ولم يستخدموا الشعائر الجنسية في عباداتهم، كما تقيدوا بقوانين العفة الأساسية السائدة آنذاك، وكان ممارسوا هذا الفكر يعرفون باسم الـ(داكشينامارغا) أو ”اليد اليمنى“.

وكان أقل مظاهر ”التنترا“ تهذيبا يعرف باسم الـ(فاماشارا)، أو ”اليد اليسرى“، وكانوا عبارة عن أقلية صغرى يرتبط ذكرهم ببعض من المذاهب المتطرفة، وتضمنت الممارسات المتطرفة التي كانوا يزاولونها كلا من أكل اللحوم، والصيد، والتضحية بكل من البشر والحيوان، واستعمال الكحول والقنب الهندي والمواد المهلوسة، والتقمص الروحاني، وعبادة آلهة مرعبة أو عنيفة، والاستعمال الواسع للسحر والتعاويذ، والجنس الشعائري بالطبع.

عجوز هندي يدخن

مازال بعض رجال الدين الهنود يدخنون القنب الهندي إلى يومنا هذا.

أدى الجزء المتعلق بالسحر والتعويذات السحرية في المعادلة إلى انتشار المفهوم الواسع الذي يربط بين التنترا والسحر الأسود، فيقول في هذا الشأن الباحث في شؤون التنترا (دافيد غوردون)، أنه على مر قرون مضت ارتبط مفهوم الـ(يوجي) أو ”المعلم التنتري“ بمفهوم الغول، لدرجة أصبحت الأمهات يخفن به أبناءهن، كـ”أن يناموا أو يأتي الـ(يوجي) ويسرقهم“.

تضمنت بعض الشعائر الجنسية لدى ممارسي التنترا ”الفاماشاريين“ عبادة امرأة ما كنوع من الألوهية الأنثوية ثم ممارسة الجنس معها، ولم يكن الهدف من ذلك هو تحسين جودة الحميمية أو نوعية النشوة الجنسية خلال العملية الجنسية، كما لم يكن ينظر خلالها للمرأة على أنها ذات محترمة، ففي نظر (غوردون) لم تكن التنترية تتعلق أبدا بالمساواة الجندرية بين الرجل والمرأة.

تُعرف واحدة من هذه الشعائر بالتحديد التي توجد في أحد النصوص التنترية باسم الـ(بريهات نيلا)، التي تعتبر بعيدة كل البعد عن كونها تساوي بين الرجل والمرأة، حيث تفيد هذه الشعيرة أنه بعد أن يعبد الرجل ثديي المرأة ومهبلها من خلال كتابة الـ(مانتراس) –أي الكلمات المقدسة– عليهما، ويهمس بنفس الكلمات في مهبلها، يقوم بعدها بـ: ”جذبها نحوه من شعرها ويمارس معها الجنس“، ومنه فإن المرأة هنا ما هي إلا غرض يستعان به في العبادة ليس إلا.

وبشكل مماثل، تقترح بعض النصوص التنترية الأخرى منح المباركات من خلال وضع القضيب في أفواه النساء، وممارسة الجنس الجماعي مع فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 إلى 20 سنة، وكذا عرض الشريك الجنسي كهدية للمرشد الروحي الـ(غورو) ليستمتع به ويستعمله.

كما يتم دائما وصف المرأة المثالية على أنها ”يافعة وجميلة“ وهو ما يعني بصفة عامة المراهقات، وكان الأمر يعتبر أفضل عندما تكون الفتاة من نسل فقير أو أن تكون بائعة هوى، فيقول (يونغ) في هذا الشأن: ”تكون الشريكة الجنسية الأنثى ”التنترية“ المفضلة غالبا شابة يافعة ومهمشة ولا تمتع بأية سلطة اجتماعية“.

تذهب بعض الممارسات التنترية المتطرفة إلى ما هو أبعد من ذلك، ومن بينها نجد الـ(غوهياساماجا) البوذية والـ(كاكراسامفارا) التي تتضمن تعليمات موسعة ومفصلة عن كيفية استعمال التعويذات السحرية من أجل الاغتصاب، كما تحرض على اغتصاب وممارسة الجنس مع المحارم كذلك. وتتحجج هذه النصوص بنوع من المنطق الخاص بها الذي يقول بأن المشاركة في الممارسات المحرمة يؤدي في نهاية المطاف بالفرد إلى التنزه والسمو الثنوي، والوصول إلى مصادر قوة مخفية، والاتحاد مع الذات الإلهية، ومنه ينال كل من ينجح في القيام بذلك بقوى سحرية، وحيوية جسمانية، وحتى الخلود.

التنترية اليوم:

في العالم الغربي اليوم، أصبحت التنترية تجارة كبيرة جدا وتدر الكثير من المال، حيث أصبح بالإمكان اقتناء ملابس تحتية ”تنترية“، والحصول على ”تدليك تنتري“، أو حضور صفوف تعليم ”رقص تنتري“ على العمود في صالات اللياقة البدنية التنترية، التي يوجد الكثير منها خاصة في (فانكوفر).

ويعتبر أقوى وجه من أوجه التنترا اليوم الذي أكد على وجودها وحضورها الدائم هو اعتبارها نوعا من أنواع العلاجات الجنسية، فيتضمن التدريب على التنفس، والاستشارة العاطفية، والتمارين التي يؤديها الأزواج مع بعضهم التي يشاع بأنها تشفي الصدمات الجنسية والفيزيولوجية، كما ترفع من قدر الحميمية والحب، وتحسن من جودة النشوة الجنسية وتواترها.

يعمد اليوم معلمو التنترا إلى إثبات أن ممارساتهم لم تكن يوما محرمة أو محظورة خاصة في التنترية القديمة فيما يتعلق بالممارسات الجنسية، فهي في نظرهم وطبقا لشروحاتهم تندرج ضمن التنترية التي تمارسها فئة ”اليد اليمنى“، والتي ترى الألوهية في كل شيء تقريبا، وترى أن بالإمكان استخدام كل شيء لأغراض روحانية.

لكن الحقيقة والواقع اللذين يثبتهما التاريخ هو أن الروحانية التنترية لم تهدف يوما إلى تحسين العلاقات الحميمية، أو العلاج والشفاء الجنسي، أو اتخذت ببساطة من تمكيننا من التمتع بأجسامنا هدفا لها، فقد كانت أهدافها الرئيسة هي التنزه والسمو الروحي، ومعرفة الذات الإلهية، والتمكن من القوى السحرية.

يكتب خبير الشؤون والحضارات الهندية القديمة الألماني (يورغ فورشتاين) في مؤلفه بعنوان (التنترا: السبيل للنشوة): ”ينجذب الكثيرون إلى المذهب التنتري الحديث لأنه يعد بتوفير أرقى وأفضل التجارب الجنسية وأكثرها حماسا، بينما يكسب تلك الحاجيات العاطفية والجنسية البحتة رداء الروحانية […] تتوفر اليوم الكثير من التراجم الخاصة بنصوص التنترية على شكل كتب قابلة للقراءة…مما يمنح كل راغب في اعتناق التنترية فرصة تكوين شعائره الفكرية الخاصة به وفلسفته الشخصية التي يروج لها فيما بعد على أنها ’تنترا‘“.

ويضيف (جوفري سامويلز) وهو باحث في التنترا واليوغا: ”إن التنترا بصبغتها الحديثة الغربية على أنها ممارسة جنسية وروحية، زاوجت بين أصولها المعقدة في آسيا وبعض المعاني والمفاهيم العميقة في الثقافة الغربية، وجمعت بينها في تناغم مبدع مستعيرة بعض الأمور كذلك من البوذية والهندوسية“.

عدد القراءات: 33٬439