ميديا

قصة حادثة (ماكس هيدروم) الغريبة، أكبر قرصنة تلفزيونية مريبة في تاريخ أمريكا التي لم يحل لغزها إلى يومنا هذا

خلال قرصنة (ماكس هيدروم) التلفزيونية التي وقعت في سنة 1987، تم الاستحواذ على محطات التلفزيون في مدينة (شيكاغو) من طرف رجل مقنّع يستمر لغزه في إثارة حيرة السلطات إلى يومنا هذا.

قرصان التلفزيون الأمريكي بشخصية ماكس هيدروم

في الثاني والعشرين من شهر نوفبر سنة 1987؛ كان مقدم البرامج الرياضية في شيكاغو (دان رون) يغطي أبرز الأحداث التي ميزت المباراة التي انتصر فيها فريق شيكاغو المحلي لكرة القدم الأمريكية (شيكاغو بيرز) على فريق (ديترويت لاينز).

لقد كان ذلك البرنامج الاعتيادي خلال نشرة أخبار التاسعة على القناة التاسعة، وهو البرنامج الذي ظل (رون) يقدمه طوال سنوات كاملة، غير أن أمراً غريباً حدث في تلك الليلة ليغير هذه العادة وهذا التقليد.

في تمام الساعة 9:14 دقيقة، اختفى (دان رون) من شاشة التلفاز، في الواقع اختفى كل شيء من التلفاز وساد سواد قاتم، ثم بعد خمسة عشر ثانية، ظهر وجه جديد، كان رجلا يرتدي قناعا مطاطيا ويرتدي نظارات شمسية، وكان هذا الدخيل الغامض يرتدي زيا مماثلا لشخصية الذكاء الاصطناعي التلفزيونية (ماكس هيدروم) من فيلم بنفس العنوان عن الذكاء الاصطناعي الذي عرض أول مرة في سنة 1985، وحتى تلك الخلفية الرمادية خلف هذه الشخصية الغامضة كانت مقتبسة من الخلفية التي كانت تظهر خلف برنامج (هيدروم) التلفزيوني ضمن الفيلم الآنف ذكره –لأن شخصية (ماكس هيدروم) في قصة الفيلم كانت تمثل أول مقدم برامج إلكتروني في التاريخ–.

شخصية (ماكس هيدروم)

شخصية (ماكس هيدروم) الحقيقية.

لم يكن هناك أي صوت في هذا البث المفاجئ، لكن الصورة كانت لا تزال مخيفة بشكل كبير، حيث ظل ذلك الشخص يتمايل هناك أمام الخلفية التي كانت تدور باستمرار. بعد ثلاثين ثانية، تمكن مهندسو الإشارة لدى محطة قنوات WGN الأمريكية التي كانت تذاع منها القناة التاسعة من تغيير تردد قناة الاستوديو إلى جهاز إرسال آخر، وعاد بذلك (دان رون) إلى الشاشة مجددا، فقال لدى عودته للبث الحي: ”حسنا… إذا كنتم تتساءلون عما كان قد حصل… ها ها ها… فأنا أيضا كذلك“، وقد كان محتارا تماما مثل جمهور متابعيه.

بعد هذا التداخل القصير، واصل (رون) برنامجه المبرمج سابقا بصورة عادية، افترض مهندوس الأستوديو أن هذه القرصنة كانت عملا داخليا، وبدأوا على فورهم البحث داخل مبنى الاستوديو عن الدخيل المقنّع، غير أنهم لم يعثروا على أي أحد، حيث بدا جليا أن البث الدخيل كان مسجلا من قبل بفعل طرف ثالث في مكان منفصل.

غير أن الأمر لم يتوقف هنا، لأنه كانت هناك عملية قرصنة أخرى قادمة في طريقها…

الشخصية المقنعة من بث (ماكس هيدروم) الثاني

تقريبا بعد ساعتين من التداخل الأول، عادت الشخصية المنتحلة للشخصية التلفزيونية (ماكس هيدروم) للظهور مجددا، وهذه المرة على القناة 11. في تمام الساعة 11:15 مساءً، كانت محطة قنوات WWTW الوكيلة لدى «خدمة البث العمومية» الأمريكية PBS تبث حلقة من مسلسل (دوكتور هو) بعنوان: «رعب فانغ روك»، ثم بشكل مفاجئ مثل المرة الآنفة، تم قطع البث وظهرت بعض الخطوط الأفقية على الشاشة ثم ظهرت الشخصية المقنّعة مجددا.

كانت هذه الشخصية الدخيلة تتمايل أمام الخلفية الدوارة مثل ذي قبل، وكانت ترتدي نفس القناع المريب السابق، غير أنه على خلاف المرة الفارطة؛ كان هذا البث يتضمن صوتاً، فقالت الشخصية المقنّعة: ”ها نحن ذا“، ثم تقطع صوتها مضيفاً: ”إنه تلميذ مجتهد لعين“، ثم انفجرت الشخصية ضحكاً، وجاءت على ذكر (تشاك سويرسكي)، وهو ناقد لدى محطة WGN التلفزيونية مدعية أنها أفضل منه.

ثم حمل الرجل المقنّع عبوة مشروب بيبسي بينما ردد شعار شركة (كوكاكولا): ”الحق بالموجة“، وقد كانت شخصية (ماكس هيدروم) آنذاك هي المتحدث الرسمي باسم شركة (كوكاكولا)، وبعد ذلك تحولت قرصنة (ماكس هيدروم) لتتخذ منحى أكثر إثارة للريبة.

قام هذا المنتحل الدخيل برفع إصبعه الوسطى المغطاة بغطاء مطاطي أمام الكاميرا، وقام بترديد كلمات ”حبك يتلاشى“ من أغنية «أنا أعرف أنني أخسرك» من أداء فرقة (تومبتايشنز) Temptations، ثم همهم بشكل غير مفهوم، وتمتم جملا من برامج تلفزيونية مختلفة، ثم راح يصرخ بعبارات لا معنى لها ثم بدأ ينتحب.

بعد مدة، توقف ليقول بأنه ”صنع تحفة فنية عملاقة لأعظم تلميذ مجتهد لدى الجرائد الخبرية في العالم“، وتلك إشارة إلى اختصار اسم محطة WGN التي تشير إلى World’s Greatest Newspaper، وهي نفسها الشركة الأم التي تندرج تحت مظلتها صحيفة (شيكاغو تريبيون).

ثم حمل في يده فردة قفاز، مثل تلك التي كان نجم البوب الراحل (مايكل جاكسون) يحب ارتدائها وتعجّب قائلا: ”أخي يرتدي الفردة الأخرى“، قبل أن ينزعها قائلا: ”لكنها قذرة إنها تجعلك تشعر وكأن بها بقعاً من الدم“، ثم استدارت الكاميرا لتصور صدر رجل ومؤخرة مكشوفة جزئيا.

أزال الرجل الدخيل قناع (ماكس هيدروم) المطاطي وقام بتعليقه أمام الكاميرا، ثم حشر ذلك الغطاء المطاطي الذي كان يغطي به اصبعه الوسطى في فم القناع، ثم صرخ فجأة: ”إنهم قادمون للنيل مني“، فأجاب صوت أنثى من هناك: ”إنحني أيها الداعر!“، ثم بدى وكأن الرجل تعرض للصفع بشكل متكرر باستخدام مذبّة –تستخدم لطرد الذباب– بينما كان يصرخ متألماً.

القناع الموضوع أمام الكاميرا، ويد المرأة التي كانت تحمل المذبّة

القناع الموضوع أمام الكاميرا، ويد المرأة التي كانت تحمل المذبّة.

دامت قرصنة (ماكس هيدروم) كاملة هذه المرة دقيقة واثنين وعشرين ثانية قبل أن تتمكن أجهزة إرسال الإشارات من حجبها، واكتشف آنذاك أنه لم يكن هناك أي مهندسين في الخدمة لدى برج محطة WTTW للإشارة عندما وقعت الحادثة، ولو كان أحدهم في الخدمة آنذاك لتمكن من قطع البث الدخيل، وبحلول الوقت الذي لاحظ فيه العاملون هناك المشكلة، كان البث قد انتهى.

وبما أنه لم يكن هناك أي أحد في الخدمة خلال البث الدخيل، لم يتم تسجيل أية نسخة عما حدث، إلا ما تمكن عشاق مسلسل (دكتور هو) من تسجيله عندما كانوا يسجلون الحلقة على شرائط الفيديو لإعادة مشاهدتها لاحقا.

قامت كل من محطتي WGN وWTTW بتغطية الحدث وقامتا بإعادة بث الفيديو مرارا وتكرارا وأطلق على مخطط هذا الاختراق اسم «قرصان التلفزيون»، وكان معظم سكان المدينة يرون في هذه الحادثة مصدر تسلية بالنسبة لهم، والبعض الآخر انتابه الارتباك، وآخرون شعروا بالاستياء جراء تشويش مشاهدتهم لبرنامجهم التلفزيوني المفضل.

بالرغم من أن أغلبية المشاهدين اعتبروا قرصنة (ماكس هيدروم) لشاشات التلفاز مصدر تسلية، فإن الحكومة لم تشاطرهم نفس الرأي هنا، فقد سخرت «لجنة الاتصالات الفيدرالية»، وهي الوكالة التي تنظم بث موجات الاتصالات في الولايات المتحدة، كل مجهوداتها ومساعيها من أجل العثور على هذه الشخصية المقنعة الغامضة، كما عرضت حتى جائزة لكل شخص يملك أي معلومات عنها.

أخبر (فيل برادفورد)، وهو متحدث باسم لجنة الاتصالات الفدرالية في اليوم التالي أحد المراسلين الصحفيين: ”أنا أرغب في إعلام أي شخص متورط في هذا النوع من الأمور على أنه يعرض نفسه لعقوبة قصوى بدفع غرامة مالية قدرها 100 ألف دولار أو عام سجنا نافذا، أو كلاهما“، وأضاف (آندريس يوكوم)، متحدث باسم محطة WTTW: ”باختصار، هناك بعض الناس قد يرون في هذا الأمر فكاهة، لكنه مشكلة حقيقية وجادة للغاية، ذلك أن أي اعتراض غير قانوني لإشارة البث الإذاعي أو التلفزيوني هو خرق للقانون الفيدرالي“.

في نهاية المطاف، اكتشفت لجنة الاتصالات الفيدرالية الطريقة التي تمكن منها هذا القرصان من اعتراض البث التلفزيوني، وصرحت بأنه فعلها من خلال وضع صحن الاستقبال خاصته بين برجي الإرسال، وهو ما مكنه بطريقة فعالة من اعتراض الإشارة الأصلية، كما قالت ذات اللجنة بأنه لم يكن في حاجة إلى أية معدات مكلفة أو معقدة، فقط توقيت ممتاز وتموقع دقيق.

كما تمكنت اللجنة من تحديد الموقع المحتمل الذي تم فيه تصوير الفيديو وذلك بناء على الخلفية، فحدد عملاء لجنة الاتصالات الفدرالية على أنها كانت أحد الأبواب الدوارة لمستودع ما في المنطقة، وتعقبوا ذلك ليصلوا إلى مقاطعة في المدينة تضمنت مستودعات تحتوي على أبواب مشابهة.

غير أنه على الرغم من أن لجنة الاتصالات الفدرالية تمكنت من جمع معظم قطع هذه الأحجية، فإن أكبرها بقيت غامضة وغير مكتشفة وهي: من هو هذا الشخص وراء هذه القرصنة الغريبة؟

حامت بعض الشائعات حول هوية مقنّع (ماكس هيدروم) لكنها سرعان ما تبددت لعدم اقترابها من الحقيقة، كما لم يتم التحقيق بجدية في معظم هذه الشائعات، ويبدو من هذا أنه مهما كان من فعلها فقد اختفى إلى الأبد وراح طي النسيان، لأنه يبدو عليه رضاه عن عمله الذي أدّاه، ولم ينتابه الغرور للاستمرار في لفت الانتباه لنفسه أكثر.

المصادر

عدد القراءات: 1٬504