ميديا

شركة (نتفليكس) تمنع موظفيها من التحديق في بعضهم البعض لأكثر من 5 ثوانٍ كقاعدة ردعية ضد التحرش

هل تحث (نتفليكس) هنا موظفيها على ”غض البصر“ يا ترى؟

نتفليكس
صورة: Shutterstock

جاء هذا الحظر الذي وجده الكثيرون سخيفا إلى جانب عدة قواعد أخرى أصدرتها الشركة لتنطوي على جميع موظفيها في طواقم تصوير الأفلام والمسلسلات بهدف ”حماية الموظفين من التحرش الجنسي في أماكن العمل“، حيث قامت بإصدار جملة من القواعد بعد عاصفة #MeToo وفضيحة (هارفي وينستن) المتعلقة بالتحرش الجنسي بالموظفين في أماكن العمل –كان (وينستن) قد نفى ادعاءات امرأتين اثنتين اتهمتاه فيها بالاغتصاب والاعتداء الجنسي خلال المحاكمة التي خضع لها، كما كان قد نفى في نفس الوقت ادعاءات من أكثر من سبعين امرأة في نفس الصدد، واحدة من هذه النساء كانت مسؤولة لدى شركة (نتفليكس).

ومن أوائل البرامج التلفزيونية التي سيخضع طاقم تصويرها لهذه القواعد الجديدة هو مسلسل «المرآة السوداء» Black Mirror الذي يجري تصويره في غرب مدينة لندن.

قال أحد الموظفين لدى شركة (نتفليكس): ”لقد تلقى جميع الموظفين حديثاً مفصلاً حيال حركة #MeToo، وتم توجيه البعض لحضور جلسات مخصصة للتوعية حول التحرش من أجل معرفة المزيد عما هو مقبول وما هو محظور، ومن بين الأمور المحظورة هو التحديق في أي شخص آخر لمدة تزيد عن خمسة ثوانٍ، وكذا طلب رقم أحد الموظفين أو الموظفات إلا أن وافقوا على منحه لكل من طلبه، وأخيرا نصحت الشركة كل من يتعرض أو يشهد سلوكا غير مرغوب في أن يبلغ عنه على الفور“، ويقول أيضا هذا المصدر الداخلي الذي رفض الافصاح عن هويته: ”لقد تسبب هذا الأمر في إطلاق الكثير من الدعابات الساخرة، حيث راح البعض يحدقون في بعضهم البعض وهم يعدون حتى الخمسة، ثم يشيحون بأنظارهم بعيداً“.

تم حثّ الموظفين كذلك على تجنب العناقات الطويلة، وكذا طلب الخروج مع أحد الموظفين في موعد لأكثر من مرة، فإن أجاب هذا الموظف بالرفض فيجب في هذه الحالة تجنبه تماماً. أثارت مجموعة القواعد هذه الكثير من ردود الأفعال الساخرة، حيث دعاها موقع Inc بـ”الصبيانية التي تعامل الراشدين وكأنهم مراهقون في الصف السابع“.

واحد من المشاكل الكبرى في قانون التحرش الجنسي في الولايات المتحدة هو أنه يعتمد على المشاعر، أي مشاعر الضحية المحتملة، حيث يتعين أن تشعر هذه الضحية بالإهانة والإساءة حتى يقع التحرش الجنسي هنا، ويعني هذا أنه لا توجد خطوط عريضة وبيّنة تحدد ماهية التحرش الجنسي –عدا عن الإجرامية منها.

كما أن شركة (نتفليكس) لم توضح أيضا ما إذا كانت هذه القواعد التي أصدرتها تنطبق على طواقم التصوير التابعة لها في المملكة المتحدة فقط أم أنها تنطبق على جميع فروعها، وبغض النظر عن ذلك فهي تبقى في الكثير من الجوانب سياسة سيئة في نظر الكثير من الخبراء.

The Crown/Netflix

قالت شركة (نتفليكس) في تصريح لها حول الموضوع: ”نحن فخورون بالتوعية ضد التحرش الجنسي التي نضعها بين أيدي موظفينا، نحن نرغب أن يكون كل فرع إنتاج تابع لـ(نتفليكس) مكان عمل آمن ومحترم“ – صورة: The Crown/Netflix

تملي هذه القواعد باختصار، مثلما ورد في صحيفتي الـ(دايلي مايل) والـ(إندبندنت) أن الموظفين لا يجب عليهم أن يطلبوا مواعدة بعضهم البعض أكثر من مرة، فإن كان الشخص محل الاهتمام قد أجاب بالرفض؛ يصبح ضروريا على الشخص المهتم هنا أن يتجنبه تماماً، يدفعنا هذا للتساؤل: هل هذا قانون لتنظيم علاقات الراشدين أم الأطفال؟ على سبيل المثال لنأخذ السيناريو التالي:

  • (ستيف): ”مرحبا (جاين)، هل ترغبين في الخروج معي في موعد؟“
  • (جاين): ”لا شكراً.“

الآن لن يصبح (ستيف) قادرا على التحدث مع (جاين) بعد الآن أبداً، وإن فعل ذلك يمكنها اتهامه بالتحرش! كيف لن يتسبب مثل هذا الأمر في حدوث خلافات وانشقاقات في أماكن العمل؟

القاعدة الثانية التي أتت بها شركة (نتفليكس) تقول أنه ممنوع على الموظفين التحديق في بعضهم البعض لمدة أكثر من خمسة ثوانٍ، وإلا فإن ذلك سيعتبر سلوكا مريبا أو غير لائق، وهي القاعدة التي تجعلنا بدورها نتساءل عما إذا كانت ستعيق السير الحسن للأعمال ضمن الشركة، حيث أنها بدون شك ستعيق التواصل الفعال بين الموظفين، على سبيل المثال: ماذا لو كان أحدهم يتحدث إلى موظف ما حول موضوع خارج إطار العمل، أي مجرد محادثة عادية، هل يصبح عليه هنا أن يشيح بنظره في كل خمسة ثوانٍ حتى لا يعتبر سلوكه مريبا ومنحرفا؟ ماذا لو كان أحدهم غارقا في تفكير عميق وظن أحدهم أنه يحدق فيه؟ كيف لك أن تثبت أن أحدهم ظل يحدق فيك لأكثر من خمسة ثوانٍ في المقام الأول؟ كيف لي أنا كمتّهم أن أثبت أنني لم أكن أحدق في الشخص الآخر لمدة أكثر من خمسة ثوانٍ؟ الأمر سخيف.. وتبعاته شديدة التعقيد.

القاعدة الثالثة هي الامتناع عن طلب رقم هاتف أحد الزملاء من الموظفين إلا إن عبّر عن موافقته على إعطاء رقمه لكل من يحتاجه بدون إشكالية، وهذه هي النقطة بالتحديد التي تجعلنا نؤكد على أن (نتفليكس) بهذا تعمل على تعكير صفو السير الحسن لمؤسساتها وتعيق عملية التواصل بين الزملاء من موظفيها وتجعلها معقدة جدا.

القاعدة الرابعة هي أن أمرت الشركة كل موظف لديها يشهد سلوكا غير مرغوب وغير لائق، كأن ينزل أحدهم بنطاله أمامك أو أن يقوم بوخز مؤخرتك، بأن يصرخ بأعلى صوته: ”توقف! لا تفعل هذا مجددا!“. بإمكاننا تفهم هذه القاعدة التي تعد أمرا ضروريا أحيانا لطلب المساعدة في حالة التعرض للتحرش أو الاغتصاب، لكن ماذا لو طلب أحدهم من زميلته رقم هاتفها وراحت تصيح: ”توقف! لا تفعل هذا مجددا“ أين سيضعه هذا؟

كانت سمعة شركة (نتفليكس) قد تعرضت لضربة موجعة بعد انتشار حركة MeToo# التي أطاحت بـ(كيفن سبايسي) نجم الشركة في مسلسل (هاوس أوف كاردس) في وقت سابق، كما ساهمت نفس الحركة في إظهار مدى التعفن الحاصل في الصناعة السينمائية الأمريكية من ناحية معاملة المسؤولين للموظفين، وحوادث التحرش والاغتصاب التي راح ضحيتها الكثيرون والكثيرات ممن عانوا في صمت.

كان من الحكيم جدا أن تفكر شركة (نتفليكس) في اتخاذ بعض التدابير الوقائية والمعايير التي تُخضع لها جميع موظفيها، لكنها كان بإمكانها من دون شك أن تأتي بأفضل من القواعد السخيفة السابقة، التي تبدو وكأنها تعامل فيها الجميع على أنهم لم يتجاوزوا الثالثة عشر من أعمارهم.

يجدر التنويه إلى أن صحيفة الـ(إندبندنت) قد راسلت شركة (نتفليكس) طالبة منها تأكيد أو نفي إصدارها للقواعد السابق ذكرها، لكنها لم ترد على التساؤل وأجابتها بالتصريح التالي: ”نحن فخورون بالتدريب المضاد للتحرش الذي نعرضه على جميع فروع الإنتاج لدينا، نحن نريد أن يصبح كل فرع إنتاج لدينا محيط عمل آمن ومحترم. نحن نؤمن كذلك أن الموارد التي نضعها تحت تصرف موظفينا تمكن الناس في مواقع التصوير لدينا من التحدث بصوت مرتفع وجعل أصواتهم مسموعة، وأن يرفضوا أن يستهان بهم.“

عدد القراءات: 698