in

السابورية: مجتمع أباطرة الأناقة، يعيشون في فقر مدقع ويدفعون مبالغ طائلة لشراء الملابس الفاخرة

السابورية هي ثقافة فرعية برزت في جمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وبدأت أيضاً بالانتشار في عدد من الدول المجاورة.

أما السابوريون، فهم مجموعة من الأشخاص المؤثرين، لا يزالون حتى اليوم مهتمين بالمظهر واللباس الأنيق، حتى أنهم ألهموا الكثير من الفنانين العالميين مثل (سولانج نويلز) والفنان المحلي (بابا ويمبا). لكن ما قصة هؤلاء؟ وكيف يستطيعون شراء تلك الملابس حتى يبدون بمظهر أنيق، وهم يعيشون في فقر شديد نسبياً؟ وما أهمية الملابس في حياتهم الاجتماعية؟ تعالوا لنتعرف:

لمحة تاريخية

يرجع تاريخ السابورية إلى العصر الاستعماري في برازافيل وكينشاسا، حينها، كان العبيد في منازل الأرستقراطيين يحصلون على الملابس بدلاً من المال مقابل عملهم. دفعت هذه الطرافة بالعمال الكونغوليين إلى محاربة الدونية المسلطة عليهم من طرف أسيادهم الفرنسيين والبلجيكيين، وحاولوا التكيف مع أسلوب أسيادهم، لكنهم خلطوا الأسلوب الأوروبي في اللباس بأسلوبهم الخاص المبهرج والمتطرف.

وبعد الحرب العالمية الثانية، عاد الجنود الكونغوليون إلى أفريقيا من فرنسا، وأحضروا معهم آخر صيحات الموضة الباريسية والملابس والأكسسوارات، وأُطلق على هؤلاء الجنود لقب dandies أو الأنيقون.

فنجدهم اليوم مثلاً يرتدون ربطات العنق الملونة والبدلات، كلها ملابس راقية وأنيقة وذات أسعار باهظة. تلك ثقافة فرعية انتقلت من جيل إلى آخر، ولا تزال قائمة حتى اليوم، في مجمتع «لا ساب La Sape» أو ما يمكن ترجمتها إلى «جمعية الأشخاص المرحين والأنيقين».

غالباً ما يختار هؤلاء الناس ثيابهم بتناسق وعناية شديدين. صورة: Tariq Zaidi

تشتق كلمة La Sape أو Sapeurs من عبارة فرنسية دارجة هي se saper، والتي تعني «يلبس بأناقة»، وهي أيضاً كلمة مركبة استخدمها هؤلاء الرجال للدلالة على مجتمعهم الخاص. العنف والحروب صفات لا تتفق أبداً مع المعايير الأخلاقية لرجال مجتمع Sapeurs. فمظهرهم البراق وروح المرح والمتعة لديهم شعلة تنير الطريق أمام الشباب الكونغولي المحروم من حقوقه، ويرشدون مواطنيهم إلى الطريق نحو الحضارة والعالمية والحداثة، ويخرجونهم من دول العالم الثالث.

لكن السؤال الآن، ما حلّ بمجتمع السابورية اليوم؟

يعتبر شعب الكونغو أعضاء مجتمع لا ساب رمزاً وطنياً ومصدراً للفخر.

حاز أعضاء La Sape اليوم على إعجاب وحب الشعب الكونغولي في كينشاسا (عاصمة جمهورية الكونغو الديموقراطية) وبرازافيل (عاصمة جمهورية الكونغو). حيث أصبحت السابورية هوية ثقافية في هاتين المدينتين. فالسابورية لا توصف بمجرد رجال يرتدون ملابس فاخرة، بل هم أشخاص محترمون ورجال ونساء من الطبقة العاملة، يصرفون أموالهم التي جنوها بعرق جبينهم لشراء أجمل الملابس وأكثرها إثارة للدهشة. هم مجرد أناس يعيشون حياة عادية، لكنهم مهوسون بالموضة.

أعضاء في مجتمع «لا ساب» في عاصمة ساحل العاج، أبيدجان. صورة: SIA KAMBOU/AFP

ينفق أفراد هذه المجموعة الهادئين والمرحين والمحترمين الآلاف لشراء ملابس فاخرة من ماركات عالمية مثل «فيرزاتشي» و«أرماني» و«برادا» و«غوتشي» و«جيفانشي» و«لوي فويتون». لكن هذا لا يعني أبداً أن الرجال أثرياء! بل على العكس تماماً، يعيش معظمهم في ظروف مادية سيئة جداً، ومتوسط ما يجنيه هؤلاء في اليوم لا يتعدى الـ 18 بنساً. لكنهم لا يقبلون بارتداء سوى ملابس مصممي الأزياء العالميين والأحذية المصنوعة من جلد التمساح… حتى لو كلفهم الأمر الكثير.

الحياة كـعضو في مجتمع La Sape

على الرغم من الوضع المعيشي الصعب والمزري، يحاول هؤلاء الناس الحفاظ على مجتمعهم الراقي حتى لو اضطرهم ذلك للتخلي عن الكثير من الحاجات الأساسية.

بصرف النظر عن مستوى الفقر في كينشاسا وبرازافيل، يعيش هؤلاء الرجال حياة مترفة وباذهة. فيشترون الملابس من الماركات العالمية، ما يكلّفهم كميات هائلة من المال. المثير للدهشة أن معظم تلك الملابس أصلية حقاً، لكن العديد من أفراد السابورية يعترفون أن ثيابهم مجرد مجموعة من الملابس المشابهة للماركات العالمية، واشتروها من متاجر محلية تُعرف باسم «سولا»، وهي كلمة تعني «مستعمل» أو second hand بالإنجليزية.

لا يقتصر مجتمع لا ساب على الرجال فقط، فهناك أيضاً الكثير من النساء. صورة: Tariq Zaidi

وكما أوضحنا سابقاً، يعمل هؤلاء في مختلف أشكال المهن كي يستطيعون تأمين المال الكافي لاستكمال أسلوب حياتهم. لكن في أيام العطل، بإمكانك العثور على هؤلاء الأشخاص المؤثرين في الأحداث والنشاطات المحلية، وقد يبدو ذلك غريباً، لكنهم أيضاً يتواجدون بكثرة في الجنازات. أصبحت تلك الأماكن السابقة هي الأماكن التي يرتادها السابوريون عادة، فتراهم يتجولون في الأحياء وينظر إليهم الناس المحليون بإعجاب ودهشة شديدين.

صورة: Victoire Douniama / Culture Trip

أما عن ألبستهم، فهي تتنوع وتختلف بشدة من شخص لآخر، لكن بعض المعالم واضحة وثابتة: مثل الألوان الفاتحة والزاهية وربطات العنق والنظارات المفردة والنظارات الشمسية وحمالات البنطال القمصان الحريرية والقبعات الملونة. الحياة كسابوري في الكونغو تعني أسلوباً مبالغاً به في اللباس.

صورة: Victoire Douniama / Culture Trip

يقول أحد أعضاء المجتمع: ”هؤلاء الرجال هم رجال عاديون ديموقراطيون ويعملون في شتى أشكال المهن، فهم سائقو التاكسي والمزارعون والنجارون، لكنهم يعبرون عن فكرة الجمال بمنظورهم الخاص، عبر لباسهم الصارخ، ذلك جزء من حركة سياسية وثقافية معقدة“.

صورة: Wolfeyebrows

لشراء الملابس الفاخرة أولوية على الاحتياجات اليومية والوضع السيء الذي يعيش فيه هؤلاء الناس. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تعلمون أن لهؤلاء الناس عائلات وأطفال. قد تبدو أولويات مجتمع السابوريين سخيفة جداً بالنسبة للمراقب الخارجي، خاصة عندما ندرك مقدار الأموال التي يصرفها هؤلاء على اللباس. حتى أن بعض بعضهم يعرض حياته وحياة الآخرين للخطر، لكن وضعهم ليس مختلفاً عما نراه في العالم الغربي مثلاً، تحديداً أولئك المهوسون بالموضة، الذين يقعون في فخ الديون مقابل شراء أفخم وأحدث الألبسة من الماركات العالمية.

صورة: Daniele Tamagni

بصرف النظر عن السلبيات الواضحة لمجتمع السابوريين، لكن لا يمكننا اعتبار هذا المجتمع سوى حركة ثورية. فميلهم نحو الموضة وتكريس حياتهم للمجتمع هو الطريق الذي اختاره هؤلاء للهروب من مجتمعهم ومحيطهم الفقيرين. أي أنهم يقودون مجتمعهم للاهتمام بأمر آخر بعيد عن الوضع العادي المتكرر كل يوم في الكونغو.

ما الذي يلهم أسلوب السابورية؟ وكيف حققت شهرة عالمية؟

غالباً ما ترى أفراد مجتمع لا ساب في الأماكن العامة. صورة: Per-Anders

يقول أفراد مجتمع La Sape أنهم يستلهمون أزياءهم من تصاميم ماركات الملابس العالمية. يختارون ملابسهم بناءً على اتساق وتناغم الألوان، فهم يحاولون التوفيق بين جميع ألوان الملابس، فتراهم يلبسون الأزرق والبنفسجي والأحمر والأصفر بشكل يلفت الانتباه بلا شك. ووفقاً لمعتقدهم، فهذا الأسلوب يصوّر أناقتهم وذوقهم الرفيع.

صورة: RT Documentary

حظي هؤلاء أيضاً باهتمام عالمي، فأطلقت «غينيس» وثائقياً قصيراً عن السابورية، واستغلت هؤلاء الرجال لتدعمهم وتعرّف العالم عليهم، ووصفوا في الوثائقي بـ «الأشخاص العاديين، لكنهم في الحقيقة غير عاديين أبداً». كما ظهرواً ببدلاتهم الملونة والأنيقة أيضاً في عدد من الفيديوهات الموسيقية لفنانين مشهورين، تحديداً فيديو أغنية Losing You للفنانة (سولانج نويلز).

صورة: reddit/UrbanHell

من وجهة نظر شخصية، لا يمكننا تعيير هؤلاء الأشخاص لأنهم ينفقون أموالهم على الثياب بدلاً من الحاجات الأساسية، فذلك ربما المنفس الوحيد لشعب الكونغو المحروم والذي تعرّض للاستغلال عبر التاريخ. فبدلاً من السعي والكد وراء توفير متطلبات أساسية يحق لكل إنسان الحصول عليها بدون عناء، قرر هؤلاء تحدي الواقع الصعب والسعي وراء ما يجلب لهم السعادة، ولو كانت سعادة سخيفة برأينا.