ميديا

نجوم النقد الفيسبوكي

نقد المسلسلات

ارتبط شهر رمضان بالدراما في بلادنا العربية والشرق أوسطية ارتباطاً وثيقاً، لدرجة أنه تحول إلى موسم للدراما، مشابه تماماً لمواسم السياحة، والخضروات… والبرغش! وهذا كان أحد أهم أسباب التردي الملحوظ في الإنتاج الدرامي على كافة الأصعدة. ومن البديهي أن يتم مناقشة هذه الأعمال من مسلسلات وأفلام والحديث عنها بين الجمهور، مع القهوة الصباحية بين الجارات، وبين الأصدقاء في مقهى شعبي… الخ.

لكن هذه الأشكال والأساليب تضاءلت وكادت تندثر بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، لما توفره الأخيرة من تسهيلات في نشر الآراء والأفكار دون أسس وضوابط تكفل جودة ومصداقية ما نراه على هذه المواقع بكثرة، فمثلاً: بإمكانك أن تصبح شاعراً بين ليلةٍ وضحاها، دون أن تتعب نفسك بقراءة النتاج الأدبي، ودراسة بحور الشعر، ومن السهل أن تكتسب الشهرة بتعليقك على الأحداث المحيطة بك، لتغدو محللاً سياسياً فذاً يحصد آلاف ”اللايكات“.

أما أحدث صيحات الموضة التي أنتجتها هذه العوالم الافتراضية هي النقّاد الدراميين، نتيجة تدني مستوى الأعمال الدرامية الواضح (السورية تحديداً) لهذا العام، مما أفرز المئات، بل الآلاف من ”نجوم النقد الفيسبوكي“، ولإيماني بضرورة تطوير النقد والارتقاء به إلى مستوى لائق، سأوضح من خلال هذا المقال أهم الأخطاء التي يقع بها ”نقّادنا“ وكيفية تفاديها.

1. المسلسل الفلاني لا يستحق المشاهدة لأنه يهين جماعتي ويظهرهم بشكل سيء:

مسلسل باب الحارة

مسلسل باب الحارة

علَت في الآونة الأخيرة —وبحركة غير مسبوقة أصوات تطالب بإيقاف أحد المسلسلات لأن فئة معينة من الناس اعتبرت أن إحدى شخصياته تشكل إهانة لهم، فراحوا يطلقون ”الهاشتاغات“، ويفنّدون خيوط المؤامرة التي تحاك ضدهم، باعتبارهم ضحايا ومستهدفين.

في حين نسف أحد أولئك ”النقاد“ جهد جميع أفراد طاقم عمل مسلسل معين، لأنه يسيء لحكومة بلده —على حد تعبيره، من خلال إظهار الجوانب السيئة منها…

عزيزي ”الناقد“، إن أول خطوة تقوم بها قبل البدء بالتعامل مع عمل ما هي التجرد، حيث يتوجب عليك خلع انتماءاتك ومعتقداتك —سياسية كانت أم دينية لتنصف العمل المستهدف.

ويضم المجتمع بشكل عام مختلف أنواع البشر، كرجل الدين المنافق، والسياسي الانتهازي والجندي الخائن، ويقابلهم الفئة التي تمثل الخير والفضيلة. لذا هدء من روعك، فأنت لا تعيش في ”مدينة فاضلة“.

2. هذا المسلسل هو الأفضل لهذا العام لأنه واقعي:

مسلسل الخروج

الخروج

لا بدّ لك أن تعلم أن ”الواقعية“ نوع أو تصنيف. مثلاً: تصنف المسلسلات من خلال عدة أنواع (Genres): تاريخي، رومانسي، واقعي، كوميدي..الخ.

وإن كنت تعتقد أن المسلسلات تنصف الواقع أو تمثله، فأظن أن أفلاطون يختلف معك في هذه النقطة تحديداً، وهناك الكثير من النقاد والفلاسفة الذين أورثونا نظريات تتطرق إلى هذا الموضوع بالذات، أنصحك بالبحث عنها لتكوّن فكرة أعمق وأدقّ عن الواقعية كنوع (Genre)، فأنت لا تريد أن تتعرض للإحراج إن اكتشف أحد الأصدقاء أنك لا تميز بين الأنواع الأدبية… وأنواع البطيخ!

3. الممثل الفلاني أنقذ المسلسل من الفشل، وله الفضل الأكبر في نجاحه:

باسل خياط

باسل خياط

يبدأ الإبداع الدرامي من النص/السيناريو، ويقوم المخرج بصياغة قالب معين وترجمته إلى مادة بصرية حسب تصوره الشخصي، ويرافقه جيش كامل من طاقم التصوير والإضاءة والديكور والمونتاج..الخ. ويتوج العمل الممثل الذي يجسد المسلسل أمام المشاهد، وهذا ما ينفي فكرة نسب الفضل في نجاح عمل معين إلى الممثل أو الكاتب أو المخرج، فالمسلسل الناجح يحتاج فريق عمل متكامل، وضعف أي فرد من أفراد الطاقم يؤثر سلباً على العمل بشكل عام.

إن هذه الطريقة بالحكم والتفكير خاطئة وسطحية، كمن يقطع بطيخة إلى عدة أجزاء ويميزها قطعة عن أخرى.

4. هذا العمل يروج أفكار غريبة عن مجتمعنا كالمخدرات… أين الرقابة؟

مسلسل الكيف

مسلسل الكيف

يعتبر هذا الموضوع الأكثر استهجاناً لدى ”نقادنا“ المحترمين، كونهم يؤمنون أننا نعيش ضمن مجتمع محافظ، مثالي، خالي من العيوب… والمواد الحافظة!

فمن الغباء انكار ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في مجتمعنا، خصوصاً عند الشباب —للأسف بسبب الحروب والظروف السيئة التي تمر بها المنطقة. إذاً لا بدّ من حملة توعية، فهل هناك أفضل من الدراما؟ لكن المعضلة تكمن في كيفية محاكاة المشكلة وإظهارها، وهذا ما أغفله ”نقادنا“ بسبب انغلاقهم الفكري، وأحكامهم المعلبة والجاهزة مسبقاً.

5. أعجبني هذا ”البوست“… لما لا أشاركه أنا أيضاً؟

مسلسل الطبال

مسلسل الطبال

قد يلفت انتباهك ”بوست“ جميل ومنمق، وستنتابك رغبة قوية بنشره على صفحتك الشخصية، تمهل… أعد قراءته جيداً.

أنت ”ناقد“ ويتوجب عليك قراءة ما بين السطور، باعتبار أنك شخصية معروفة بأفكارك الفريدة، لذا عليك تجنب الوقوع في الفخ.

على سبيل المثال: يقوم أحد الكتّاب بالترويج لأعمالهم من خلال هكذا ”بوستات“، تمتدح العمل وتعطيه قيمة قد لا يستحقها أصلاً، أو يقوم ممثل معين بالتقرب من أحد المخرجين بهذه الطريقة ”تمسيح جوخ“، أو يقوم مخرج بمهاجمة عمل بسبب خلاف مع أحد المنتجين لا أكثر، وبما أنك أكثر وعياً من أن ترتكب خطأ كهذا، فكر جيداً ولا تتبع سياسة القطيع!

كلمة أخيرة:

إن النقد عمل شاق، حيث يتطلب مؤهلات أكاديمية، وخبرة حياتية واسعة، والكثير الكثير من القراءة، فمثلاً: قبل أن يبدأ الناقد بنشر مقالاته والظهور إلى العلن، اعلم أنه كان يقرأ الرواية، ونقدها، ونقد النقد… تخيل المصاعب التي مرّ بها!

وعليك أن تدرك جيداً أن النقد الدرامي من أصعب أنواع النقد، لما يتطلب من إلمام ومعرفة بالكتابة والتمثيل والإخراج والتصوير..الخ. فإن كنت تفتقر لتلك الخبرات، وسبق أن وقعت بواحدةٍ من الأخطاء المذكورة في هذا المقال، فيؤسفني أن أقول لك أن ما تنشره ليس نقداً، بل هو مجرد انطباع، يشبه تماماً الانطباع الذي يتشكل لديك عن شخص تقابله للمرة الأولى، أو فتاة جميلة تصادفها في الشارع، فلا تنفعل إن خالفك أحدهم بوجهة نظره، وحاول تقبّل آراء الآخرين، وإن كنت تتميز عن غيرك بشيء ما فالأغلب أنه الطموح، وهذا دافع جيد لتفتح كتاباً وتقرأ، من يدري… قد نقرأ لك —يوماً ما مقالاً هاماً في إحدى الصحف والمجلات.

هذا المقال يعبر عن راي الكاتب ولا يعبر عن رأي موقع دخلك بتعرف بالضرورة.

عدد القراءات: 2٬694