معلومات عامة

محاولات من جمعيات خيرية أتت بنتائج سلبية

لا شك بأن الجمعيات الخيرية اليوم تقوم بعمل استثنائي في الكثير من المجالات، فالعديد من المنظمات الخيرية وغير الربحية تساعد عشرات ومئات آلاف الأشخاص حول العالم طوال الوقت، وهذا العمل النبيل يستحق الاحترام ومحاولة المساعدة دون شك، لكن في بعض الحالات تجري الأمور بعكس ما هو مرغوب بسبب عدم حساب جميع الاحتمالات ربما، وأحياناً تأتي النتائج السلبية بشكل مخطط له مسبقاً من أشخاص يستخدمون العمل الخيري كغطاء لأفعالهم فقط.

على مدى العقود الأخيرة وفي القرن العشرين ازداد الاتجاه للعمل الخيري بشكل كبير في العالم، ومعه ازداد تسامح الحكومات مع المنظمات التي تعمل لتحسين حياة البشر حيث أنها تعفى من الضرائب في العديد من البلدان، وتمتلك صلاحيات للوصول وميزات إضافية في بلدان أخرى، ومع هذا الوضع الخاص للجمعيات الخيرية فالكثير من الأشخاص الساعين للربح السريع أو التهرب الضريبي حتى باتوا يستغلون العنوان الخيري لتغطية أعمالهم أو التهرب الضريبي وفي بعض الحالات للاختلاس فقط لا غير.

هذا الأمر يؤدي إلى تراجع فاعلية العمل الخيري وفي الكثير من الحالات يترك أثراً عكسياً حتى كما الحالات العشرة التالية:

نيوزيلندا: عرض طعام الكلاب كتبرعات لكينيا

طعام كلاب

حتى بالنسبة للأشخاص المهددين بالمجاعة، فطعام الكلاب يعتبر أمراً مهيناً جداً كتبرع خصوصاً من شركة كبيرة في بلد غني.

عام 2006 كانت الدولة الأفريقية كينيا تعاني من نقص شديد في الغذاء وصل حد المجاعة نتيجة جفاف على نطاق واسع استمر لسنتين متتاليتين، قاتلاً معظم المصادر الغذائية للبلد الذي يعاني أصلاً من الفقر الشديد والأمراض، ومع ازدياد خطر المجاعة التي باتت تهدد أكثر من 4 ملايين شخص غدت مساعدة كينيا واحدة من الأشياء الأساسية التي تشغل منظمات الإغاثة حول العالم والدعوات المتكررة للتبرعات بأي شيء، وبالنسبة لامرأة أعمال نيوزيلندية فهذا الـ”أي شيء“ كان: ”طعام الكلاب“.

أتى العرض من امرأة أعمال نيوزيلندية تمتلك مصانعاً لطعام الكلاب حيث نقل عنها تصريح بكونها كانت سترسل بسكويتاً مخصصاً للكلاب كتبرع لكينيا، لكنها عدلت عن ذلك وقررت إرسال طعام يعتمد على خلطة خاصة كانت قد أعدتها لهذه الغاية.

كانت المشكلة في التصريح الأولي من ناحية، وكون الطعام الذي كانت تنوي إرساله شبه مطابق من حيث المكونات لطعام الكلاب الذي تنتجه مصانعها، وهذا ما شكل إهانة كبيرة للكينيين وللحكومة الكينية على حد سواء، فحتى في الظروف الصعبة يبقى إرسال طعام الكلاب كتبرع أمراً مهيناً جداً.

لاحقاً، قامت امرأة الأعمال النيوزيلندية بإنكار كون ما سترسله هو طعام كلاب وتعهدت حتى بإرسال 42 طناً من الذرة كتبرع، لكن الضرر كان قد حدث بالفعل مع رفض الحكومة الكينية لأي تبرعات نيوزيلندية من ناحية، وكون خبر محاولة إرسال طعام الكلاب كتبرع كان قد بات خبراً عالمياً آخذا الجزء الأكبر من التغطية الإعلامية، وصارفاً انتباه الكثيرين عن المشكلة الأصلية التي أدت للأمر وهي المجاعة التي تهدد الملايين في كينيا. [مصدر]

جمعية خيرية فرنسية تخطف الأطفال

أطفال من أفريقيا

الأطفال الذين كانت تنوي جمعية Zoe’s Ark أخذهم كلاجئين من دارفور لم يكونوا من دارفور ولم يكونوا لاجئين حتى، بل كانوا أطفالا فقراء فقط.

لأكثر من عقد من الزمن كان الصراع المسلح في إقليم دارفور الواقع غربي السودان هو واحد من أسوأ الصراعات، مع حرب أهلية دائرة بين القوميات والقبائل التي تسكن المنطقة ومع دعم الحكومة السودانية لبعضها ضد الأخرى، وعلى مدار عدة سنوات أودى النزاع المسلح بحياة حوالي نصف مليون شخص، بالإضافة لحوالي 3 ملايين شخص أجبروا على النزوح إلى مخيمات اللاجئين خصوصاً في الجارة تشاد.

كان هذا النزاع محط نظر العالم لوقت طويل نسبياً، وأنتجت صور مخيمات اللجوء والأعداد الكبيرة للضحايا محاولات من العديد من المنظمات لتحسين أوضاع اللاجئين في دارفور، واحدة من المنظمات الإنسانية الفرنسية كانت تسمى Zoe’s Ark، وبعد معاينتها لأوضاع مخيمات اللاجئين في تشاد قررت بدأ مشروع لمساعدة الأطفال الأيتام وذلك بإتاحة تبنيهم من أزواج فرنسيين.

ولهذه الغاية فقد جمعت حوالي 100 طفل لكن الطائرة أوقفت ومنعت من السفر عندما تبين وجود فضيحة فساد كبيرة جداً في الأمر، فالمشكلة تبدأ من كون المنظمة كانت تحاول القيام بالأمر بشكل مستقل تماماً عن السلطات التشادية التي ترفض السماح بالتبني دون إشرافها، وعند النظر إلى الأطفال المعروضين للتبني أصلاً ظهر الجزأ الباقي من هذه الفضيحة.

فمن بين 103 أطفال الذين عرضوا للتبني؛ لم يكون 85٪ منهم لاجئين أو من دارفور أصلاً، بل تمت سرقتهم من أهاليهم بتقديم وعود كاذبة لهم، وهذا كما يعلم الجميع هو عملية خطف قام بها أشخاص يعملون لصالح المنظمة الإغاثية.

ولتزداد الطين بلة فقد تم اصطناع إصابات مزيفة للأطفال مثل جبائر كسور وضمادات ليكونوا مثيرين للشفقة بشكل أكبر ولتحسين صورة الجمعية أمام الأهل بالتبني الذين كانوا ينتظرون أطفالهم في فرنسا.

لاحقاً حكم على 8 من أفراد الجمعية بالسجن مع الأعمال الشاقة، وأجبرت الجمعية الخيرية على دفع ما يزيد عن 6 ملايين يورو من التعويضات، عدا عن الضرر الكبير الذي تسببت به لمظهر الجمعيات الخيرية الحقيقية وفقدان الثقة الناتج عن الأمر. [مصدر]

جمعية Children In Need تمول الإرهاب بالخطأ

تفجير لندن الإرهابي

ساعدت جمعية لمساعدة الأطفال المحتاجين وتحسين أوضاعهم بتبرعاتها على تمويل تفجير إرهابي، هذا ليس خبراً جيداً لأي جمعية خيرية مهم كانت نواياها جيدة، وحتى لو أن التمويل لم يكن مباشراً أو مقصوداً.

كانت جمعية Children In Need الخيرية في السابق واحدة من أكثر الجمعيات الخيرية احتراماً في المملكة المتحدة، حيث قامت بعد تأسيسها من قبل هيئة البث البريطانية BBC بمساعدة الكثير من المدارس والملاجئ حول المملكة المتحدة، مع التركيز على مساعدة الأطفال المعرضين لإعاقات جسدية أو عقلية والشباب عموماً والمشاريع التي تعمل على دعمهم، لكن في حالة من الحالات يبدو أن قائمة المساعدة كانت تتضمن الجماعات الإرهابية كذلك.

بين عامي 1999 و2002 كانت الجمعية تقوم بتمرير تبرعات دورية عبر مدارس مدينة Leeds، والتي بدورها كانت تقدمها لدعم متجر كتب ذا توجه إسلامي، لكن لسوء حظ BBC فمتجر الكتب هذا كان مداراً من قبل الجماعة التي قامت بتفجيرات انتحارية في لندن عام 2005 مؤدية إلى مقتل 52 شخصاً ضمن واحد من أكبر الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة الإنجليزية.

كُشف الدليل على الأمر لاحقاً مع التحريات حول المفجرين ومصدر تمويلهم وغاياتهم وبالطبع أسباب الهجوم الإرهابي.

تبين لاحقاً أيضا أن متجر الكتب الذي كان يتلقى التبرعات من جمعية Children In Need وعدة جمعيات خيرية أخرى؛ كان في الواقع واجهة التجنيد لخلية إرهابية، حيث كانت التبرعات تستخدم لطباعة وتوزيع منشورات وكتب ذات ميول متطرفة وإرهابية ومعادية للسامية، وحتى تنظيم عرض أفلام منتجة خصيصاً لتجنيد المزيد من الجهاديين.

وربما ليبدو الأمر بشكل أسوأ حتى، فجزء كبير من التبرعات كان يستخدم لأغراض شخصية من قبل المسؤولين عن التجر بما يتضمن رحلات ترفيهية وقضاء عطل وشراء منتجات أخرى.

كانت نتائج التفجير الإرهابية ربما سيئة كفاية على المسلمين في المملكة المتحدة، لكن إضافة أمر التبرعات كان ضاراً أكثر حتى من حيث انخفاض العمل الخيري الذي يساعدهم أصلاً. [مصدر] و[مصدر]

نشرت بعثة الأمم المتحدة الكوليرا بدلاً من المساعدة

زلزال هاييتي 2004

سوى الزلزال الذي ضرب هاييتي العديد من البلدات والقرى بالأرض، وقتل وشرد الكثير من السكان الذين كانوا يعيشون ظروفاً صعبة أصلاً، ونقل فريق الأمم المتحدة للكوليرا إليهم أتى ككارثة إضافية.

عام 2010 أصاب زلزال مدمر جزيرة هاييتي في البحر الكاريبي، كان الزلزال بقوة 7 على معيار قوة الزلازل (مقياس مختلف عن مقياس رختر الذي ينفع لقيس الزلازل الأصغر) وتسبب بأكثر من 50 هزة أرضية ارتدادية مما أدى إلى دمار شامل في الجزيرة مع أكثر من 100,000 قتيل وحوالي 3 ملايين شخص متأثر نتيجة تهدم أكثر من 250 ألف مسكن و30 ألف مبنىً تجاري.

كان هذا الزلزال واحداً من الأشد في التاريخ البشري وحول العديد من القرى والمدن في الجزيرة إلى أكوام من الركام، ومع كون البلد يغرق أصلاً في فقر مدقع وديون خارجية كبيرة جداً فالتأثير كان مضاعفاً مع اعتباره واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية خلال القرون الماضية.

حجم الكارثة حينها دفع العديد من المنظمات الإغاثية إلى إرسال طواقمها إلى الجزيرة المنكوبة وعلى رأسها الأمم المتحدة بالطبع، والتي قامت باستدعاء العديد من أعضاء بعثاتها في البلدان الأخرى ومن بينها نيبال إلى جزيرة هاييتي للمساعدة في عمليات الإغاثة، لكن هذا الأمر حمل معه شيئاً قاتلاً إضافياً، فمن بين أعضاء بعثة الأمم المتحدة الآتين من بلدان أخرى كان بعضهم قد أصيب بالكوليرا في مراحلها الأولية وفي ظل الظروف الصعبة انتشر المرض كالنار في الهشيم بين السكان، حيث أصيب أكثر من 100,000 بالكوليرا التي قتلت 8,000 منهم.

جعل الانتشار السريع للمرض مراكز نشر اللقاح وأدوية الكوليرا تعج بآلاف الأشخاص المتدافعين للحصول عليها أولاً، مما أخر نشر الدواء وزاد من عدد الضحايا الذين كان من الممكن إنقاذهم، ولتكون الأمور أسوأ حتى فعلى الرغم من الأدلة القاطعة على كون الكوليرا قد أتت مع بعثة الأمم المتحدة (حيث كانت قد اختفت عن الجزيرة منذ أكثر من 100 عام قبل الكارثة) فقد رفضت الأمم المتحدة الاعتراف بذنبها في الأمر، وحاولت بعثة السلام التابعة لها مقاضاة الحكومة الهاييتية في المحكمة الدولية. [مصدر] و[مصدر]

”السيرك“ الإنساني في تسونامي الهند

تسونامي الهند

بعد تسونامي الهند حدث ما يخشاه الجميع من انتشار الجمعيات والمنظمات الصغيرة التي تريد الحصول على التبرعات والتمويل بأي شكل: الكثير من الصور والتنافس على النفوذ والقليل من العمل الفعلي لمساعدة المتضررين.

في عام 2004، تسبب زلزال قوي ضرب قاع المحيط الهندي بموجة تسونامي عملاقة اجتاحت العديد من البلدان الواقعة جنوب آسيا وفي مقدمتها بالطبع الهند.

دمرت الموجة العملاقة الكثير من المدن الساحلية وأغرقت العديد من الممتلكات والأشخاص، وتسببت بمعاناة كبرى لملايين الأشخاص الذين فقدوا كل شيء وكانوا بأمس الحاجة للمساعدة الإنسانية من كل الأطراف القادرة على المساعدة، لكن لسوء حظ المتضررين فما حصل كان هو نتيجة حتمية للطريقة السيئة التي تدار فيها الكثير من الجمعيات الإنسانية والإغاثية حول العالم: العمل كشركات.

النموذج الحالي لعمل العديد من المنظمات الإغاثية يتضمن مشكلة كبيرة جداً: التمويل يعتمد على كمية الإغاثة التي تقوم بها الجمعية، وكلما تمكنت الجمعية من تصوير المزيد من نشاطاتها سواء كانت فعالة أو لا كلما تمكنت من جمع المزيد من المال من المنظمات الأكبر الممولة أو من الشركات والمتبرعين كونها تنفذ الكثير من المشاريع وتحتاج المال.

هذا الأساس حول العديد من الجمعيات إلى منظمات فاسدة بشكل كبير تقوم بالعمل ظاهرياً فقط بهدف الحصول على التمويل لا بهدف المساعدة، وفي بعض الحالات تجد هذه المنظمات والجمعيات نفسها تتصارع من جمعيات أخرى على مناطق الإغاثة لتتمكن من التقاط المزيد من الصور والظهور بشكل أفضل أمام الممولين.

في الواقع هذا ما حصل تماماً بعد التسونامي عام 2004 ومطلع عام 2005، فعدد هائل من الجمعيات الإنسانية الصغيرة سارعت إلى الأماكن المتضررة دون أن تترك المجال لمنظمات أكثر كفاءة مثل الصليب الأحمر للعمل، والمشكلة أن الكثير من هذه الجمعيات كانت لا تمتلك أدنى فكرة عما يجب أن تفعل لإنقاذ الوضع المتأزم وهذا ما تسبب بالعديد من المشاكل، سواء بتفكيك ما قامت به جمعيات أخرى أو حتى تبرعات غير مفيدة كالتبرع بقوارب غير مناسبة للبحر لصيادي السمك أو حتى بناء منازل معدنية في تايلاند حيث درجات الحرارة العالية تجول هكذا منازل لأفران حقيقية. [مصدر] و[مصدر]

عندما تكون الشهرة تعني القوة في التأثير

Jimmy Savile

حتى وفاته، كان Savile واحداً من أشهر الشخصيات في بريطانيا ومحبوباً من قبل الكثيرين بسبب نشاطه الخيري، حتى أن قبره حول إلى ضريح يخلد ذكراه قبل اكتشاف تاريخه المروع وجرائمه.

عبر أربعة عقود انتهاءً بتحقيقات عام 2011، كانت جمعية Stoke Mandeville Hospital Trust واحدة من أكثر الجمعيات التي تمتلك حضوراً قوياً في المملكة المتحدة وتعد واحدة من الأفضل من المتبرعين، خصوصاً وأنها كانت تمتلك العديد من الداعمين من النجوم والمشاهير المحليين الذين عدا عن كونهم يقدمون الكثير من التبرعات فقد كانوا يشجعون الآخرين على القيام بالأمر كذلك، وكبادرة شكر للداعمين كانت المنظمة تسمح لأكبر متبرعيها كل عام بالقيام بزيارات دون إشراف خارجي إلى الملاجئ والعنابر التي تضم الأطفال في المشافي.

حتى هذا الحد فالأمور جيدة جداً بالطبع، لكن المشكلة تأتي عندما يكون واحد من هؤلاء المتبرعين الأسخياء والمشاهير واحداً من أسوأ المعتدين الجنسيين في التاريخ الإنجليزي، الشخصية هنا هي المذيع ومقدم البرامج Jimmy Savile والذي كان يمتلك شعبية استثنائية في المملكة المتحدة كشخصية شهيرة ورجل خير يقوم بالتبرع بكميات كبيرة من المال، لكن بعيداً عن الأضواء فقد كان واحداً من أسوأ المعتدين جنسياً مع مئات الضحايا عل مدى عدة عقود بداية من السبعينيات، حيث استخدم شهرته ونفوذه لتغطية جرائمه التي لم تظهر للعلن حتى وفاته.

عام 2011 بدأت تحقيقات مكثفة في طريقة عمل هذه المنظمة، وبعد الاستماع لمئات الشهادات تبين أن Savile كان قد قام بالعديد من الاعتداءات الجنسية خصوصاً على الأطفال (بعضهم بسن التاسعة فقط) خلال زياراته المتكررة للمنشآت التابعة للمنظمة، وليزداد الطين بلة فالأمر كان معروفاً من قبل الإدارة لكن بدلاً من فضحه قامت بالتستر عليه للحفاظ على تدفق المال من تبرعاته من ناحية، وخوفاً من شهرته وشعبيته واحتمال رفض محبيه للادعاءات (بشكل مشابه لما حدث مع قضايا التحرش والاغتصاب ضد Bill Cosby) لاحقاً، ونتيجة الفضيحة الكبرى أوقفت المنظمة عن العمل وتم حلها بشكل نهائي. [مصدر] و[مصدر]

كثيراً ما تجبر المنظمات الخيرية على الدفع لمجرمي الحرب لتتمكن من مساعدة ضحاياهم

أطفال من دارفور

الحاجة للعمل مع حكومات مستبدة أو حتى تنظيمات إرهابية لمساعدة ضحاياها كثيراً ما تؤدي إلى تقويتها أكثر وتضع الأمر كمعضلة أخلاقية عن التصرف الصحيح في هكذا حالات.

هناك مشكلة كبرى عندما تحاول منظمات الإغاثة العالمية مساعدة المتضررين ضمن النزاعات والحروب وبالأخص عندما تكون هذه النزاعات والحروب محلية والطرف المعتدي فيها هو الطرف المتحكم بمفاصل الأمور، وهنا تجد المنظمات نفسها أمام حالة صعبة تتمثل بالحاجة للعمل والتعاون مع المجرم ليتاح لها مساعدة ضحيته.

واحدة من الأمثلة القوية على هذا هي حالة الصومال التي تعيش منذ أكثر من عقدين في حالة من الفوضى التامة مع هيمنة جماعة الشباب الإسلامي الإرهابية على جزء كبير من البلاد، حيث الناس بأمس الحاجة للمساعدة بينما المساعدات الإنسانية إما تؤخذ حصص كبيرة منها (حوالي 20٪) من قبل الحركة أو تصادر بشكل كامل ليتم إعادة بيعها لمن يفترض أن يتلقوها مجاناً.

هذا الأمر على الرغم من غاياته النبيلة قد يكون هو العامل الأساسي في استمرار الصراع حتى الآن، فالمساعدات التي تستولي الحركة الإرهابية على جزء منها تشكل مصدر تمويل أساسية لهم وتزيد من قدرتهم الاقتصادية على الاستمرار.

بشكل مشابه إلى حد بعيد فالصراع في دارفور غرب السودان يأخذ نفس الطابع حيث أن الجمعيات الإغاثية مجبرة على العمل مع الحكومة السودانية العسكرية لتتمكن من تقديم الدعم والمساعدة لملايين اللاجئين في المخيمات، والذين وصلوا إلى حالتهم تلك بسبب حملة الحكومة السودانية عليم أصلاً.

الأمر هنا يتحول إلى حلقة مفرغة، فمساعدة الضحايا تؤدي لاستمرار الصراع الذي يخلف المزيد من الضحايا ومساعدتهم ستطيل من عمر الصراع مجدداً.

المنظمة التي جوعت الأيتام واختلست الأموال

مغني الراب Wyclef Jean

بدلاً من مساعدة بلاده الفقيرة جداً والمضروبة بكارثة من الأكبر في تاريخها، فالأموال التي جمعتها Yele Haiti لم تمول سوى مؤسسها وعائلته الأثرياء أصلاً.

في فقرة سابقة كنا قد تحدثنا عن كارثة زلزال هاييتي عام 2010، لكن على الرغم من الدمار العظيم الذي خلفه الزلزال فهو لم يكن الملام الوحيد للمعاناة الكبيرة التي عانى منها سكان الجزيرة الكاريبية، فبالإضافة لمجهود الأمم المتحدة الذي جلب معه الكوليرا، فبعض المنظمات الأخرى ساهمت بالضرر أيضاً لكن بشكل مختلف.

فالأمر هنا يأتي من موسيقي ومغني راب من هاييتي نفسها باسم Wyclef Jean، حيث قام بتأسيس منظمة إغاثية تحت اسم Yele Haiti عقب الزلزال وتمكن من جمع ما يزيد عن 16 مليون دولار من التبرعات مع المثير من الوعود باستخدامها للإغاثة.

عدا عن الفساد الواضح بدفع مبالغ كبرى لأفراد عائلته الذين احتلوا مناصب شرفية في المنظمة، وحتى الاحتيال المالي بتزوير عقود ومدفوعات لشركات غير موجودة أصلاً، فالمنظمة لم تفعل شيئاً تقريباً وجميع مشاريعها إما أنها توقفت دون أن تكتمل أو لم تبدأ أصلاً، وفي المرات القليلة التي بدأت فيها حقاً فهي لم تكن ضرورية حتى، بدأت المشاكل من المراكز الصحية التي كان من المفترض بناؤها لتوزيع الأدوية والطبابة خصوصاً مع كارثة الكوليرا المتفشية، وبالطبع فالمراكز لم تبدأ أصلاً في الإنشاء لكنها لم تكن الوحيدة.

في واحدة من الحالات القليلة التي بدأ فيها البناء حقاً قامت المنظمة ببدء إنشاء ميتم للأطفال لكن سير العمل كان بطيئاً جداً وتوقف عدة مرات، بحيث أنه ريثما بنيت الأساسات لهذا الميتم كانت منظمة أخر قد بنت ميتماً كاملاً في المكان بسبب الحاجة الماسة إليه، وهنا توقف مشروع الميتم وتقرر تولي الإطعام في الميتم الذي بني أصلاً، لكن بعد أشهر قليلة توقف إرسال المال ووصل الأطفال إلى حافة الموت جوعاً بسبب غياب الغذاء، حيث عادت المنظمة لتركز اهتمامها على إكمال ميتمها الذي لم يكن له أي حاجة بذلك الوقت، لاحقاً تخلت المنظمة عن الميتم كذلك دون إتمامه وتم حلها بشكل تام بحلول عام 2013. [مصدر] و[مصدر]

مخيمات اللاجئين التي أطالت أمد المجازر

مقاتل من رواندا

المخيمات التي بنيت لمساعدة الهاربين من الكارثة الإنسانية والمجازر في رواندا تحولت لقواعد لهجمات وموجات جديدة من التطهير العرقي.

خلال التسعينيات كانت الحرب الأهلية الرواندية هي واحدة من الأبشع والأشد إجراماً على الإطلاق، فالحرب تضمنت تصفيات لمئات الآلاف من الأشخاص وتطهيراً عرقياً أخذ في طريقه أكثر من مليون ضحية.

كان السبب الأساسي في الحرب الأهلية الخلاف العرقي بين قوميتي Hutu وTutsi في البلاد، حيث أن الـHutu كانوا الأغلبية والحكومة مهيمن عليها من قبلهم، وفي عام 1990 بدأت حرب أهلية بينهم وبين ”الجبهة الوطنية الرواندية“ المكونة من متمردين من الـTutsi.

وبعد أن اقترب اتفاق السلام من الحدوث تم اغتيال الرئيس الرواندي وبدأت المجزرة التي قضت على حوالي 70٪ من التوتسي وأعادت الصراع مجدداً مع تقدم الجبهة الوطنية الرواندية بدعم غربي.

مع اشتداد الصراع ونزوح مئات آلاف الأشخاص قامت الأمم المتحدة ببناء العديد من المخيمات للنازحين ضمن زائير (حالياً جمهورية الكونغو الديموقراطية) مع كون اللاجئين ينتمون للقوميتين الأساسيتين في رواندا.

لاحقاً بدأ القادة العسكريون للـHutu بالهروب إلى مخيمات اللاجئين حيث قامت الأمم المتحدة باختيار ممثلين من المخيمات لإدارة أمورها، وكان الكثير من هؤلاء في الواقع من القادة العسكريين الهاربين والذين استغلوا المخيمات لإعادة تنظيم نفسهم وحتى طرد الـTutsi من المخيمات في البداية.

تطور الأمر إلى مرحلة ثانية من المجزرة التي بدأها الـHutu المتشددون ضد القوميات الأخرى وحتى ضد الوسطيين من قوميتهم نفسها، وسرعان ما تحولت مخيمات اللاجئين إلى قواعد للإبادة والحرب خصوصاً مع قيام الـHutu بهجمات من المخيمات تجاه الأراضي الرواندية، وهو ما أشعل حرب الكونغو الأولى والثانية وزاد من عدد الضحايا بشكل كبير، عدا عن كون البلاد لم تتعافى من الضرر حتى الآن حيث أنها لا تزال مكونة من نسبة أكبر بشكل ملحوظ من الإناث وتعاني من نسب إصابة مرتفعة جداً بفيروس نقص المناعة المكتسب (HIV) الذي انتشر بشكل كبير أثناء الحرب بسبب الاغتصاب. [مصدر] و[مصدر]

عدد القراءات: 2٬592