منذ إعلان الفيدرالية الكردية شمال سوريا منتصف الشهر الماضي والآراء منقسمة بين مؤيد (غالباً من القومية الكردية) ومعارض (غالباً من العرب والأخص المسلمين السنة) لإنشاء هذا النظام السياسي.

ينقسم المعارضون للفيدرالية إلى قسم أول هو الواعون بحقيقة معناها لكن التعصب يمنعهم من الموافقة عليها كونها تعطي حقوقاً مشروعة للأقلية القومية الكردية وبالتالي قد يؤدي الموضوع إلى زوال الهيمنة العربية الإسلامية على البلاد وظهور مطالبات بحقوق الأقليات القومية والدينية الأخرى، أما القسم الثاني فهم من لديهم مفاهيم خاطئة لمعنى المصطلح السياسي وموقفهم الرافض ناتج عن فهم خاطئ لطالما شجعه الإعلام الناطق بالعربية كون الفيدرالية تعاكس تماماً توجهات الأنظمة الشمولية المهيمنة في غالب الدول العربية، بالإضافة إلى ارتباط اسم الفيدرالية بالولايات المتحدة الأمريكية.

”تعرف الفيدرالية بأنها مصطلح سياسي يصف حالة ارتباط مجموعة من الأعضاء معاً بموجب اتفاق مع وجود رأس تمثيل حكومي. يدل المصطلح على نظام حكومي حيث يتم مشاركة سلطة الحكم بشكل دستوري بين حكم مركزي ووحدات سياسية جزئية (كالولايات والأقاليم).“(1)

ونظراً لكثرة الأخطاء في فهم المصطلح من المفيد ذكر بعض أهم المغالطات حول الفيدرالية:

1- الفيدرالية مُنتَج أمريكي حصرياً

النظام الفيدرالي

على الرغم من كون الولايات المتحدة فيدرالية مبكرة إن لم تكن الأولى في العالم إلا أنها ليست الوحيدة حتى يتم اعتبارها المبشر بالنظام الفيدرالي والساعية إلى التقسيم (راجع 2 بخصوص التقسيم)، في الواقع روسيا التي تعد القطب الثاني التقليدي تعمل أيضاً بالنظام الفيدرالي وعلى الرغم من أن الصين لا يشتمل دستورها على الفيدرالية فطريقة الحكم مشابهة جداً لما هو في الفيدراليات.

2- الفيدرالية نظام تقسيمي

كوردستان العراق

خريطة لكوردستان العراق

رغم انتشار هذه المغالطة فالواقع يقول أنها في كثير من الأحيان تعاكس الحقيقة. من الممكن ذكر الولايات المتحدة كمثال على استخدام الفيدرالية للتوحيد, فهذا البلد لم يبدأ كرقعة موحدة بل كان ولايات متفرقة محكومة محلياً وحدها لاحقاً الحكم الفيدرالي لينشأ ما يعرف اليوم كبلد واحد.

في الواقع كثيراً ما تكون الفيدرالية أداة لمنع التقسيم الشبه حتمي كانفصال كويبك عن كندا أو كوردستان العراق عن العراق وقد نجحت جزئياً على الأقل في الحد من تقسيم هذين البلدين.

3- الفيدرالية تبني حدوداً جديدة

مقاطعات المانيا

رغم وجود الحدود بين المقاطعات الالمانية على الخرائط لا يمكن رؤيتها على الأرض

كثيراً ما تم استخدام هذا الإدعاء رغم مخالفته للحقيقة, من الصحيح أن الفيدرالية ترسم حدوداً إدارية على الخرائط لكن ذلك لا يعني أبداً أن هذه الحدود سيتم إنشاؤها على الأرض. هي مجرد تقسيمات إدارية فقط تماماً كالتقسيمات المرسومة مسبقاً للوحدات الإدارية الموجودة (البلديات, المقاطعات, النواحي, المدن). كل بلدان العالم تقسم إدارياً إلى أجزاء أصغر وأصغر لكن هذه التقسيمات تبقى خطوطاً على الخرائط وليس حدوداً منشأة على الأرض.

4- الفيدرالية تسبب عرقلة للتجارة وزيادة في الرسوم التجارية

فيديرالية

من بين اكبر 10 اقتصادات عالمية 6 تعود لدول تعتمد النظام الفيدرالي

يتم بناء هذه المغالطة على المغالطة السابقة حيث يتم افتراض أن الفيدرالية ستبني حدوداً جديدة وبالتالي على البضائع المرور بالمزيد من الحدود والمعاناة من المزيد من الرسوم الجمركية مما يؤدي إلى رفع أسعار السلع وعرقلة التجارة. الواقع أنه لن تبنى حدود وبالتالي لن يكون هناك تخليص جمركي إضافي أو أي تأثير يذكر في ذلك السياق. لكن في حال الدول ذات الإقتصادات المغلقة من الممكن أن تساعد الفيدرالية على تعزيز الاستثمار والتجارة كونها تعطي للحكومات المحلية حرية إضافية في التشريع وبالتالي مرونة أكبر في التعامل مع الاستثمار والتجارة. ومن الممكن ملاحظة ذلك في أن أكبر قوة اقتصادية في أوروبا هي فيدرالية.

5- الفيدرالية نظام جديد وليد العصر

رغم أن العديد من الفيراليات لا تزال فتية نسبياً كما كندا والعراق ونيجيريا, فالفيدرالية لا تعد جديدة أبداً فهي موجودة منذ أكثر من قرنين في الولايات المتحدة ومن الممكن تتبع تطورها من طريقة حكم ما كان يدعى بالإمبراطورية الرومانية المقدسة (الرايخ الثاني) قبل عدة قرون. رغم انتشارها مؤخراً لكنها قديمة نسبياً.

6- الفيدرالية تؤدي إلى إضعاف الدولة ككل وتقليل نفوذها

من السهل استخدام هذه العبارة واستخدامها حيث أن الربط بين الحكم المحلي اللامركزي وضعف القرار الخارجي ممكن فعلياَ إلا أن ذلك لا يعني أنه هو الحال.

لا يوجد شك أن الولايات المتحدة تشكل اليوم القوة السياسية المهيمنة في العالم رغم فيدراليتها وكذلك روسيا والصين (بنظامها المشابه جداً للفيدرالية) وبالتالي من غير المناسب افتراض أن مكانة الدولة ستتأثر بهذا النظام السياسي حيث أكبر القوى السياسية والاقتصادية في العالم تشكل فيدراليات.

7- الفيدرالية غير منتشرة عالمياً

فيديرالية

الدول الممثلة باللون الأخضر هي الدول التي ينص دستورها على اتباع التظام الفيدرالي. لم يتم شمل الصين واسبانيا بسبب عدم نص الدستور على الفيدرالية رغم انها مطبقة فعلياً.

نتيجةً للربط المعتاد بين الفيدرالية والولايات المتحدة فكثيراً ما يتم الاعتقاد بأنها غير منتشرة عالمياً, وكثيراً ما يكون من الصعب للأشخاص الاقتناع بأنها موجودة في كثير من البلدان كألمانيا والبرازيل والمكسيك وروسيا وغيرها ومن الممكن ملاحظة انتشارها في الخريطة المرفقة(2).

في النهاية

على الرغم من كثرة الترهيب منها وتصويرها كمخطط شيطاني لطالما كانت الفيرالية نظاماً سياسياً ناجحاً جداً على مختلف الأصعدة وفي الواقع فهو لصالح جميع المواطنين بحيث يعطي المزيد من الحرية والمرونة لطرقة عمل حكوماتهم.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن