ميديا

ما هي حيادية الإنترنت؟ وكيف سيؤثر إلغاؤها في الولايات المتحدة على من هم خارجها؟

حيادية الإنترنت

خلال الأيام الأخيرة بات موضوع حيادية الإنترنت من أكثر المواضيع المطروحة والتي يتم تناولها بشكل مستمر والحديث عنها بين العامة، وعلى الرغم من أن الموضوع كان محط النقاش ضمن المجتمع التقني قبل ذلك بأسابيع وحتى بضعة أشهر، فقد طفا إلى السطح مؤخراً بشكل أكبر من أي وقت سابق.

لكن كما العديد من الأمور التقنية والتخصصية فمفهوم حيادية الإنترنت يبدو غامضاً للكثيرين، وغالباً ما لا يتم النظر إلى تبعات وجوده أو إلغاءه بشكل متعمق كفاية خصوصاً في المنطقة العربية، حيث أن هذه الحيادية ما كانت موجودة أصلاً.

ما هي حيادية الإنترنت:

بالنسبة للبلدان العربية فحيادية الإنترنت غير موجودة أصلاً، لكن من حيث المبدأ بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا فالأمر يعني أن مزودات خدمة الإنترنت مجبرة على التعامل مع المحتوى الرقمي بشكل متساوٍ بغض النظر عن نوعه أو مصدره، حيث لا يحق لها حظر المواقع التي لا تخالف القانون أو حد السرعة لمواقع معينة أو زيادة السرعة لمواقع أخرى على حساب البقية، بالنتيجة فكل ما في الإنترنت يجب أن يتم التعامل معه كأنه من نفس المصدر دون تمييز.

في حال تمت إزالة حيادية الإنترنت هناك أمور إيجابية في الواقع قد تأتي وأخرى سلبية، ومع أن الناحيتين غير متوازيتين حقاً فمن المهم ذكر الطرفين لرسم صورة أفضل للأمر بدلاً من النظر للأمر من جهة واحدة:

– إتاحة اتصال إنترنت لمواقع محددة فقط

”باقات الإنترنت“ التي تتضمن مجموعة من المواقع والتطبيقات فقط منتشرة في الكثير من البلدان في العالم، لكن قوانين حيادية الإنترنت تمنع هكذا باقات.

هذا الأمر قد يكون مفيداً للعديد من الأشخاص الذين يهمهم الوصول إلى نوع محدد من المحتوى فقط دون غيره، فمن يهمه التواصل الاجتماعي ربما يريد باقة تتضمن الوصول إلى مواقع فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وسنابتشات وواتس آب فقط دوناً عن غيرها وبسعر أقل، كما أنه قد يكون جيداً بالنبة للأطفال أو غير البالغين بحيث يحد من نوع المحتوى الذي من الممكن أن يصلوا إليه بحد سياسات المواقع المتاح الوصول إليها فقط.

بالنسبة لبلدان العالم الثالث فهذا الأمر يتم بشكل دوري في الواقع حيث تقوم شبكات الاتصالات بجذب المزيد من المستخدمين بتأمين وصول محدود إلى مواقع معينة بسعر أدنى من السعر المعتاد للوصول، هذه الشركات غالباً ما لا تستطيع تحقيق أي فائدة حقيقية من الوصول الاختياري هذا بسبب كونها أسواق صغيرة أو غير مربحة كفاية لتهم المواقع، لكن بالنسبة للولايات المتحدة فالأمر مختلف وقد يقود لأرباح كبرى في هذا المجال من الشركات التي تريد لمحتواها أن يصل بسهولة أكبر.

– الحد من انتشار البرمجيات الخبيثة والثغرات

بالتأكيد فالكثير من البرمجيات الخبيثة سواء برمجيات الفدية أو البرمجيات التي تسرق المعلومات أو حتى تعدن العملات الرقمية دون علم المستخدمين قادرة على الانتقال من المواقع الشهيرة خصوصاً صمن الرسائل أو حتى الملفات المرفوعة ضمن هذه المواقع، لكن النسبة الكبرى من هذه البرمجيات عادة ما تأتي من مواقع أخرى سواء كانت مواقع تحميل المحتوى غير الشرعي كالألعاب والأفلام والمسلسلات، أو حتى المواقع الخبيثة التي تجذب المستخدمين بعناوين رنانة أو بادعاء تقديمها لخدمات استثنائية ومميزة، وحتى المحتوى الخبيث الذي ينتشر عبر التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني غالباً ما يكون روابط لمواقع خارجية.

بالنسبة للمستخدمين ذوي الخبرة ومن يمتلكون معرفة تقنية كافية فمن السهل تمييز المحتوى المخادع أو حتى المحتوى الخبيث الذي يعمل في الخلفية ويتسبب بالمشاكل، لكن بالنسبة للغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت وخصوصاً كبار السن أو غير المهتمين بالأمور التقنية، فالبرمجيات الخبيثة أمر شائع جداً وحد الوصول إلى مواقع معينة شهيرة ربما يكون عاملاً أساسياً في تخفيض الحالات التي يتصل فيها أحدهم بك (في حال كنت ذا خبرة في المجال) ليسألك عن سبب بطأ حاسوبه الذي لم يفعل به شيئاً خاطئاً لكنك تجد أكواماً من البرامج الإعلانية وبرمجيات التعدين وغيرها.

بالطبع فهذان الأثران الإيجابيان ليسا الآثار الوحيدة، ومع أن الآثار السلبية بمعظمها ستؤثر على السوق الأمريكية بالدرجة الأولى فالكثير منها سيتسرب إلى الخارج أيضاً:

– حظر المواقع حسب المصلحة

حظر الواتسآب

تقوم العديد من الدول وبالأخص البلدان العربية بحظر التطبيقات والخدمات التي تتيح الاتصال عبر الإنترنت Voice over IP

بالنسبة للمنطقة العربية فالحظر ليس بالشيء الجديد، فأجزاء كبيرة من المواقع يتم حظرها بشكل دوري بداية من وسائل الإعلام ذات الموقف السلبي من الحكومات وحتى المواقع الإباحية، وفي بعض الحالات مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى المواقع التي تقدم خدمات مهمة مثل خدمات الاتصال عبر الإنترنت VoIP المحظورة حالياً في العديد من البلدان العربية، حيث تقوم شبكات الاتصالات بتقييد الوصول إليها لمنع وجود حلول أرخص للمكالمات والتراسل وفرض احتكار إجباري لهذا النوع من الخدمات.

بالطبع فكون سياسة الحظر أمراً يأتي افتراضياً في اتصالات الإنترنت في المنطقة العربية فتغير الأمر في الولايات المتحدة لن يؤدي إلى تغيير حقيقي هنا إلا توقف خدمات بعض المواقع مثلاً، فسواء شئنا أم أبينا فالجزء الأكبر من الخدمات والتقنيات التي نستخدمها تأتي من الولايات المتحدة ومعظم المواقع الكبرى تعتبر الولايات المتحدة سوقها الأساسي، وحظرها هناك سيضر بأرباحها بشكل كافٍ لإيقافها عن العمل بشكل نهائي ربما ويبقى المستفيدون الجانبيون هم الخاسر الأساسي.

فالموجودون في سوريا مثلاً يستفيدون من خدمات موقع يوتيوب دون مقابل فعلياً، فالموقع لا يعرض إعلانات في هذا البلد أصلاً وحتى الآن لا يزال سوقه الأصلي أمريكي مما يعني أن الضرر الذي يحدث للسوق الأمريكي ينعكس على الحال هنا، مثل ما حدث عندما شارف موقع SoundCloud على الانهيار على الرغم من كون قاعة مستخدميه خارج الولايات المتحدة مستمرة بالنمو.

– الدفع مقابل السرعات العالية

هذا الأمر ليس سيناريو تخيلياً في الواقع، فقبل عدة أعوام قامت شركة Comcast الأمريكية (واحدة من أكبر مزودي الإنترنت في الولايات المتحدة) بتقييد سرعة بث المسلسلات والأفلام عبر خدمة Netflix ودخلت في مفاوضات مع الشركة بحيث تقوم Netflix بدفع المال لـComcast مقابل إرسال البث الخاص بها إلى المشتركين بشكل أسرع، وبالطبع فـNetflix كانت مجبرة على الصفقة التي كانت غير قانونية ضمن قوانين حيادية الإنترنت في الولايات المتحدة.

مع كون حيادية الإنترنت الأمريكية باتت من الماضي، فالأمر سيتمدد هناك لخدمات أخرى مثل يوتيوب وفيسبوك وغيرها من المواقع وحتى المواقع العادية، بالنسبة للشركات الكبرى فهي قادرة على دفع هذا المال لكنها ستسعى لتعويض المال المدفوع من المستخدمين بحث تزيد تركيز الإعلانات والضغط على المستخدمين لمشاهدة أو شراء الإعلانات، والخاسر الوحيد سيكون منشئي المحتوى مثل أصحاب قنوات يوتيوب ومستخدمي التواصل الاجتماعي والتراسل، بالإضافة للمواقع الصغيرة وأصحاب الأعمال وحتى المواقع الثورية التي لا تزال في طور البناء.

كيف من الممكن أن يؤثر إلغاء حيادية الإنترنت عليك كشخص خارج الولايات المتحدة؟

بالطبع فأمور مثل باقات التراسل أو اختلاف السرعات حسب الموقع في الولايات المتحدة قد تبدو كأمور غير ضارة لأي أحد خارجها، لكن الواقع مختلف عن ذلك إلى حد بعيد وهكذا قرار قد يحمل معه عواقب وخيمة على جميع مستخدمي الإنترنت بغض النظر عن مكان وجودهم ونوع اتصالهم.

وهذه التأثيرات من الممكن تقسيمها إلى عدة فئات مختلفة:

– ارتفاع أسعار الخدمات على الإنترنت

اسعار اشتراكات نتفليكس

فرض عقود على الشركات للحصول على السرعات الكبرى سيؤي إلى تعويضها للمال برفع رسوم الاشتراك على المستخدمين وحتى من هم خارج الولايات المتحدة سيتأثرون بذلك.

بالنسب للخدمات المدفوعة، فجزء كبير منها -إن لم يكن معظمها- في الواقع يأتي من الولايات المتحدة أو أنه يعتمدها كسوق أساسية له، وفي حال بدأت مزودات الخدمة بفرض المزيد من الرسوم على هذه الخدمات لتتمكن من الوصول لمشتركيها هناك فالأرجح أنها ستكون مجبرة على رفع تكاليف الاشتراك لتغطية مدفوعاتها.

هذا الرفع في أسعار الاشتراكات سيكون في الولايات المتحدة في البداية، لكن هذه الخدمات مثل Netflix وSpotify وحتى الاشتراكات المدفوعة في الخدمات السحابية عادة ما توحد أسعارها عالمياً والنتيجة ستكون أن المشتركين سيتكلفون أكثر حتى ولو لم يكن لهم علاقة بالولايات المتحدة.

– العودة لنظام العرض حسب الطلب بدلاً من الاشتراكات المفتوحة

الدفع مقابل العرض

قبل أن يصبح البث عبر الإنترنت أمراً شائعاً كما اليوم عبر خدمات Hulu وNetflix كان الأمر يتم عبر الدفع مقابل كل عملية عرض.

قبل انتشار خدمات البث الحالية التي تعرض كميات كبيرة جداً من المحتوى جميعها متاح للمستخدم مقابل الاشتراك الشهري\السنوي كان أسلوب العرض الأكثر استخداماً هو ”العرض حسب الطلب“ أي أنك فعلياً تقوم بشراء نسخ من الأفلام أو المسلسلات أو الموسيقا على حدة لتشكل مكتبتك الخاصة كما هو الحال في المحتوى المتاح على iTunes سابقا أو Google Play Movies.

الآلية الجديدة للعرض ستكون أفضل بالطبع، لكن مع فرض دفع المال على شركات البث فالأمر من الممكن أن يعود للوضع السابق أو حتى تتحول بعض المواقع المجاني مثل يوتيوب إلى منصة تحتاج للدفع لمشاهدة المحتوى عليها.

هكذا سيناريو على الأرجح أنه لن يحدث أصلاً، لكن احتماله على الرغم من صغره فهو موجود.

– قتل الشركات الصغيرة والمشاريع الجديدة

عيد ميلاد غوغل

شركة غوغل اليوم هي إمبراطورية كبرى بقيمة مئات المليارات من الدولارات، لكن عام 1999 كانت مجرد مشروع شركة صغير دون قدرة على المنافسة مالياً لكل من Yahoo وAltaVista حينها.

في حال عدنا الآن إلى عام 2007 مثلاً في بداية انتشار فيسبوك، أو عام 1999 عندما تم بداية مشروع غوغل؛ وقمنا بتطبيق ما تريد شركات الإنترنت الأمريكية فعله فمواقع مثل MySpace أو Yahoo كانت لتستطيع أن تدفع مقابل أن تحصل على سرعات عالية بينما أي من فيسبوك أو غوغل كانا ليتمكنا من المنافسة كونهما مربوطين بسرعات منخفضة تحد من مستخدميهما وتقتل المشاريع في مهدها قبل أن تتحول لحالتها الحالية كالأفضل في مجالاتها والأكبر نجاحاً دون شك.

إمكانية السرعات الأكبر وحصر الخدمات بمواقع معينة من شأنها أن تؤثر بشكل كبير على مختلف نواحي الإنترنت، ومع أن أموراً مثل المتاجر الصغيرة أو المدونات الشخصية لن تؤثر بشكل حقيقي على نطاق عالمي، فكل المواقع الكبرى حالياً والشركات التي قامت على أساس الإنترنت بدأت كشركات صغيرة، ومع كون نسبة كبرى منها بدأت من الولايات المتحدة فالقرار الأمريكي قد يؤدي إلى قتل عدد كبير من المشاريع المستقبلية التي لن نعرف بوجودها أصلاً لأنها لم تتمكن من تحقيق النجاح ضمن ”إنترنت النخبة“ الذي يلغي المساواة.

بالمحصلة ربما سيقول البعض أن الأمر ليس مهماً لأن حيادية الإنترنت غائبة عن الغالبية العظمى من بلدان العالم، ومن هذه الناحية فالأمر يبدو عادياً جداً، لكن الواقع هو أن أي من الأسواق العالمية ليست كبيرة كفاية لتنافس السوق الأمريكي، فهو السوق الأكبر والأكثر تجانساً دون شك والغالبية العظمى من المواقع والخدمات المهمة تأتي منه، لذا فالمقارنة ليست سليمة.

فشركات مثل فيسبوك مثلاً لن تمانع أن تحاول شركة اتصالات مصرية أو باكستانية أو برتغالية ابتزازها لدفع المال، فهذه الأسواق ليست كبيرة كفاية من ناحية وليست مهمة لأرباح المواقع الكبرى من الناحية الأخرى؛ لكن الأمر مختلف في الولايات المتحدة حيث ستكون الشركات مرغمة على الانصياع لهذه الصفقات بسبب كبر وقوة تأثير السوق الأمريكي.

عدد القراءات: 2٬357