in

هل الأرض مصممة بطريقة ذكية من أجل أن تأوي الحياة عليها؟

المقال هنا مقال رأي إلى حد ما، يعتمد على المنطق دون اللجوء إلى الشرح العلمي لكيفية نشوء الحياة البيولوجية وتطورها.

الأرض بين اليباس والاخضرار

دار بيني وبين صديقتي المسيحية نقاش بسيط حول ألوهية المسيح، وفي خضم النقاش لجأت كغيرها من المتدينين والمؤمنين لحجة التصميم الذكي كإثبات على وجود إله صمم الأرض بطريقة مناسبة لنا نحن البشر لنتربع على عرش كائناتها ونستغل مواردها لصالحنا.

طبعًا يتشارك الدين الإسلامي مع المسيحي نفس الفكرة، بل حتى يذهب بها بعيدًا ليقنع أتباعه بأن كل ما في الكون تم تسخيره للبشر: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، نعم كل الكون الفسيح ”تم خلقه“ منذ 13.8 مليار عاماً بكل ما فيه من أجل بعض الكائنات الحية على أحد كواكبه، والتي ظهرت قبل 300 ألف عام فقط!

المهم، هل فعلًا تم تصميم الأرض بشكل ذكي ومناسب للحياة عليها؟

أولًا لنفترض أن كوكب المريخ حاليًا لا يوجد عليه أي كائنات حية، ولكن من المرجح أن بعض الكائنات البسيطة البدائية عاشت في محيطاته قبل أن يفقد غلافه الجوي، وبعد فقدانه لغلافه الجوي قد يكون فقد كل أشكال الحياة عليه، أي أن 100٪ من كائناته انقرضت مما يجعله مصمماً بطريقة غير مناسبة للحياة بحسب منطق المؤمنين.

أما كوكب الأرض الذي يبهر المؤمنين ويجعلهم يعتقدون بأنه مصمم بطريقة ذكية مناسبة للحياة، فقد عاشت عليه الكثير من الكائنات الحية بالفعل، ولكن الحقيقة الصادمة هي أن أكثر من 99٪ من الكائنات والأنواع التي عاشت على كوكبنا انقرضت ولم يبقى لنسلها أي وجود.

فهل نعتبر الكواكب الأخرى كالمريخ وغيره كواكب غير صالحة للحياة لأن 100٪ من كائناتها انقرضت؟ أو لأن الحياة لم تظهر عليها من الأساس؟ وبالمقابل نعتبر الأرض كوكباً مصمماً بطريقة ذكية مناسبة للحياة لأن أقل من 1٪ من كائناته نجت؟

ثانيًا، يظن المؤمن الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين أن حجته هذه قوية لأن الحياة في القرن الواحد والعشرين فعلًا تبدو سهلة، ولكن ماذا لو ذهبت صديقتي الأوروبية إلى أتعس مناطق أفريقيا؟ هل ستتغير نظرتها إلى الحياة؟ هل ستقول للأم التي فقدت أطفالها بسبب الأمراض التي تنقلها الحشرات الاستوائية بأن الله الرحيم صمم الأرض بشكل ذكي ومناسب للحياة؟ هل ستقول لملايين البشر الذين لم يعرفوا طعم الراحة الجسدية ولا النفسية وعانوا من مجاعات وأمراض وسوء تغذية بأن الحياة صممت بطريقة ذكية من أجلهم؟

هذا بالنسبة للأحياء، ولكن ماذا عن الموتى؟ ماذا ستقول لعشرين ألف طفل يموت من الجوع سنويًا؟ أو لملايين المرضى والمصابين والفقراء وغيرهم؟

لا شك بأن الفقير الإفريقي الذي رأى ويلات لم يرها غيره لن يوافقك الرأي بأن الحياة صممت من أجلنا، أو أنك تعتقد أن الحياة صممت فقط من أجل نخبة يختارهم الله بشكل عشوائي ولا يخضعون للابتلاء والامتحان؟ لا أدري لماذا لم ينتهِ امتحان وابتلاء الأفارقة منذ الأزل.

ولو عادت صديقتي مئة عام إلى الوراء محاولةً إقناع ملايين المرضى المستلقين في المشافي أثناء تفشي الإنفلونزا الاسبانية بأن الله صمم الحياة من أجلهم فحجتها ستبدو أضعف حتى، ولو عادت بضعة قرون إلى الفترات التي اختفى فيها أكثر من ثلث شعب أوروبا بسبب تفشي الطاعون أشك بأنها ستذكر هذه الحجة أثناء حديثها عن الله والخالق.

تبدو الحياة الآن مصممة لنا، اليوم عندما تمرض تشتري الدواء بأسعار رمزية.. نعم بأسعار رمزية مقابل الفائدة التي تحصل عليها، لقد مات أحد أجداد عائلتي منذ قرن بسبب نزلة برد والتهاب في الرئة، لو أنه عاش في يومنا هذا سيذهب إلى أقرب صيدلية ويحل مشكلته مقابل بضع دولارات، ويمدد فترة حياته وإقامته على هذه الأرض، في الماضي كان علاج المرض هو الشعوذات والدعاء والخرافات والأعشاب والطب البسيط جدًا.

اليوم لكي تحصل على الطعام تذهب إلى السوق وتشتري الطعام بأسعار أعتبرها رمزية أيضًا، في الماضي كان أسلافك يصارعون الضواري في البرية ويمضون كامل يومهم في الصيد وجمع بعض الثمار من أجل العيش والاستمرار.

في الماضي كانت المجاعات منتشرة بشكل واسع في كل المجتمعات (شكرًا للطبيعة التي خلقها الله لنا) وكانت تمحي أجيالًا كاملة، اليوم يموت البشر من السمنة المفرطة.

لقد قلت لها بالحرف الواحد: عودي إلى أسلافنا الصيادين في البرية، أقنعي هذا الصياد الذي خرج من كهفه في يومٍ عاصف ليصطاد غزالًا أو ليجمع ثمارًا وعاد بعد ذلك إلى كهفه ليجد بأن مجموعة أسود التهمت أولاده الذين تحولوا إلى وجبة طعام بينما كانو ينتظرون الطعام، أقنعي هذا الرجل بأن الله خلق الكوكب والكون من أجله بطريقة ذكية ومناسبة لحياته… على الأغلب ستكونين فريسته.

ثالثًا، تبدو الكواكب والأقمار الأخرى في كوننا أو مجموعتنا الشمسية على الأقل غير صالحة للحياة، ولكنها قد تكون غير صالحة للحياة إلى حد الآن، فنحن البشر سنقيم مستعمرات وحياة شبيهة بحياتنا على الأرض في الكواكب المجاورة، وسنبدأ بهذه المشاريع بعد سنوات في القمر والمريخ.

عندما يتعوّد البشر على الحياة في المريخ أو القمر مثلًا بعد عدة عقود، هل سيخرج المسيحي أو المسلم من سكان القمر ليقول بأن الله خلق القمر بشكل ذكي مناسب للحياة؟ مع أنه اليوم لا يبدو أبدًا أنه مناسب أو صالح للحياة أو مصمم بطريقة مناسبة لذلك؟

رابعًا، قد ينقرض البشر قبل قدرتهم على النجاة عبر ترك الأرض واستعمار مناطق ثانية من الفضاء، وقد ننقرض حتى لو استعمرنا كواكب أخرى وخرجنا من الأرض، هل ستأتي كائنات ذكية من بعدنا تعتقد بأن الله خلق الأرض مناسبة للبشر الذين انقرضوا؟ كأن تعتقد أنت اليوم بأن الله خلق الحياة على الأرض بطريقة مناسبة لقرش الـ(ميجالودون) أو الديناصورات التي انقرضت؟

عمر نوعنا البشري 300 ألف عام، أما الحياة بشكلها الحالي الذي تعتقد بأنه مصمم لأجلك فسأقول بأنها بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، أي أنها لم تبلغ الثمانين عاماً بعد.

جاري التحميل…

0