in

دخلك بتعرف قصة «جسر الأثداء» في مدينة البندقية، الجسر الذي كانت بائعات الهوى يستعرضن عليه مفاتنهن

جسر الأثداء في البندقية

في حال زيارتك لمدينة البندقية الإيطالية، سينصحك المرشد السياحي أو السكان المحليون بزيارة حي (سان باولو)، فعلى الرغم من صغر هذا الحي إلا أنّه يُعد من أقدم أحياء هذه المدينة الساحرة وأكثرها تميزاً، حيث يضم هذا الحي العديد من المتاحف التي تستحق الزيارة، كما يضم العديد من الكنائس الأثرية ككنيسة القديس (سان غياكامو دي ريالتو) التي تُعد من أقدم الكنائس في البندقية، كما أنّ شوارع هذا الحي أشبه بمتاهةٍ جميلة من الشوارع الضيقة الحجرية الساحرة.

وأثناء تجوالك في هذا الحي قد تُصادف جسراً صغيراً قد لا يبدو من النظرة الأولى مميزاً أو مثيراً للاهتمام مقارنةً مع باقي المعالم الأثرية الساحرة التي تضمها المدينة الفريدة من نوعها، لكن مع ذلك يُعد هذا الجسر من معالم المدينة المميزة للغاية ومن أكثرها شهرةً، ويَعود هذا بشكلٍ أساسي إلى اسمه المميز والقصة المثيرة خلف هذا الاسم، حيث يُسمى هذا الجسر بالإيطالية Ponte Delle Tette وهو ما يُترجم حرفياً إلى ”جسر الأثداء“.

إنّ القصة خلف تسمية جسر الأثداء بهذا الاسم تعود إلى مئات السنين حين كانت مدينة البندقية في ذروتها، حيث كانت تُسمى حينها باسم La Serenissima أي المدينة الأكثر هدوءًا وصفواً وسلاماً، وهو اسمٌ أطلقه عليها البيزنطيون ومازالت تُدعى به من قبل السكان المحليين حتى يومنا هذا.

كانت المنطقة التي تقع خلف جسر (ريالتو) في القرون الوسطى، وتحديداً في القرن السادس عشر، منطقةً ذات إضاءةٍ وإنارةٍ حمراء، أي أنّ هذه المنطقة كانت مخصصة لأعمال البغاء التي كانت السلطات في المدينة تسمح بها بالكامل، بحسب إحصاءٍ للسكان أُجري عام 1509 كان يُوجد حوالي 11161 بائعة هوى تعمل في مدينة البندقية حينها، وهو رقمٌ مرعب، حيث يُشكل هذا الرقم عِشر عدد سكان المدينة حينها، لكن بالطبع قد يكون من كتب هذا الإحصاء قد بالغ بعض الشيء.

لا يهم الرقم الدقيق، فالأكيد أنّ عدد بائعات الهوى كان ضخماً جداً، حتى أنّ الضرائب التي كنّ يدفعنها مقابل عملهن كانت تُساهم بشكلٍ مباشر في تطوير وتحديث المدينة، وتعزيز ترسانتها العسكرية، وليس فقط الضرائب، بل أنّ الإغراء الكبير الذي كانت بائعات الهوى في مدينة البندقية يتمتعنّ به كان يقود كبار التجار من جميع أنحاء أوروبا لزيارة هذه المدينة، وهو ما أدى بشكلٍ غير مباشر إلى زيادة النشاط التجاري فيها.

قد تستغرب ربما كيف كان البغاء مسموحاً في إيطاليا في تلك العصور بينما كانت تخضع للسلطة الدينية، لكن الكنيسة كانت تنظر إلى الموضوع كشرٍّ لا مفر منه، حيث كانت ترى أنه يحمي النساء المحترمات من رغبات الرجال، كما يقي الرجال من الوقوع في خطايا أكبر، وتبرز وجهة نظر الكنيسة هذه في كلام رجل الدين الإيطالي القديس (توماس أكويناس) الذي قال: ”إذا تم منع بائعات الهوى ستجتاح الرغبات غير المضبوطة المجتمعَ، حيث إن قمت بإزالة المجارير سيصبح القصر قذراً وممتلئاً برائحة شريرة وسيئة“.

لكن بسبب ازدياد عدد بائعات الهوى بشكلٍ كبير في القرن السادس عشر، وبسبب انتشار المثليين بشكلٍ كبير بين رجال مدينة البندقية نظرا للقوانين المتساهلة، قلَّ عدد الذين يطلبون خدمات بائعات الهوى ما أدى بشكلٍ مباشر إلى نقصان مدخولهن بشدة، وهو ما أثر على مستوى حياتهن الشخصي وعلى اقتصاد المدينة حتى.

وفي محاولةٍ لإنقاذ مهنتهن، قامت بائعات الهوى بطلب المساعدة من بطريرك مدينة البندقية الذي يدعى (كونتريني)، حيث طلبن منه إيجاد حلٍ وإيقاف ”انتشار المثلية“ بين سكان المدينة، فقد كانت العلاقات المثلية تُشكل مشكلةً أكبر من ازدياد أعدادهن واحتدام المنافسة بينهن، فالعديد من الرجال لم يعودوا بحاجتهن لتلبية رغباتهم حسب قولهن.

وعلى عكس ما تتوقع، فقد استمع رجل الدين المرموق هذا لمطالب بائعات الهوى، لأن الكنيسة كانت تعتبر الممارسات المثلية أكثر خطورةً من البغاء، لكن ما هو مفاجئ أكثر هو الحل الذي توصلت إليه الكنيسة، حيث قررت إثارة وإنعاش الرغبات لدى الرجال اتجاه النساء وذلك عبر عرض أجساد بائعات الهوى على الملأ.

قامت الكنيسة بأمر بائعات الهوى باستعراض مفاتنهن، لذا قمن بالوقوف على هذا الجسر وعلى نوافذ وشرفات المنازل القريبة منه عارياتٍ بشكلٍ شبه كامل، وقام بعضهنّ بالكشف عن أثدائهن، أما أخرياتٍ فقمن بمباعدة أرجلهن العارية، كل ذلك في مظهرٍ خُلّد في تاريخ مدينة البندقية حتى الآن، حيث سُمي الجسر الذي وقفن فوقه بجسر الأثداء تخليداً لهذه الذكرى ومازال الاسم حياً حتى يومنا هذا.

ما يُوضح بشكلٍ كبير أيضاً انتشار البغاء في هذه المنطقة في تلك الفترة هو أنك تجد قرب هذا الجسر العديد من الأماكن والمبان الأثرية المرتبطة بهذه المهنة التي يعتبرها الكثيرون أقدم مهنة عرفها البشر، لعل أبرز الأمثلة هو مطعم Trattoria Antiche Carampane الشهير والساحر، بالإضافة إلى المنزل الأثري المُسمى Rio Terà delle Carampane الذي كان يُعد مكانًا لالتقاء بائعات الهوى، حيث أنّ كلمة Carampane تعني بالأصل منزل عائلة (رامباني)، لكن هذا الاسم تحول تاريخياً ليعني منزل بائعات الهوى.

لا نعرف اليوم ما إذا كانت هذه المحاولة ناجحة أم لا، لكنها بالتأكيد تركت إرثاً في تاريخ مدينة البندقية، حيث يظهر هذا الإرث عبر الأدب والأغاني حتى، ولعل أبرز مثال هو أغنية Al Ponte De Le Tette للمغني الإيطالي (جورجيو بولاكو).

جاري التحميل…

0