تاريخ

دخلك بتعرف حضارة ما قبل الإسلام في (مدائن صالح) في المملكة العربية السعودية

مدائن صالح
صورة: Richard.hargas/Wikimedia

يقع هذا الموقع الأثري الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام في قطاع (العلا)، ضمن نطاق مدينة (المدينة) داخل المملكة العربية السعودية، على بعد حوالي أربع مائة كيلومتر شمال غرب (المدينة).

كان هذا الموقع -الذي عرف سابقا بـ(مدينة الحجر)- ولا زال أكبر موقع أثري محفوظ لحضارة (الأنباط) جنوب (البتراء) في الأردن، ويحتوي هذا الموقع على 131 قبرا منحوتا في الصخور مع واجهات مزخرفة، ويحتوى الكثير منها على كتابات بالخط النبطي.

موقع مدائن صالح على الخريطة

موقع مدائن صالح على الخريطة

تنتشر هذه المعالم الأثرية على طول 13.4 كم، ويعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول بعده.

في أوجها وعصرها الذهبي، توسعت مملكة الأنباط من عاصمتها (البتراء) التي تقع الآن فيما يعرف بالأردن، جنوبا في عمق شبه الجزيرة العربية، وكانت تقع تحت سيطرتها مساحات شاسعة جدا من الأراضي القاحلة والزراعية على حد سواء، ورسمت هذه المملكة ثروتها من خلال السيطرة على تجارة البخور والتوابل والنباتات المعطرة.

وصلت مدائن صالح لذروة قوتها وازدهارها بكونها أقوى نقطة تجارة على الطريق التجاري الشمالي/الجنوبي.

مدائن صالح

صورة: Tozz/Flickr

بعد أن احتل الرومان المملكة النبطية في القرن الأول للميلاد، غيروا اتجاه خطوط التجارة الرئيسية من الطريق التقليدية والمشهورة التي تقطع شبه الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب، واتخذوا خطا تجاريا بحريا جديدا يعبر البحر الأحمر، ومنه تضاءلت مكانة (الحجر) كمركز للتجارة في المنطقة، وانتهى بها الأمر مهجورة تماما.

يبقى تاريخ (الحجر) منذ أفول الإمبراطورية الرومانية إلى غاية فجر الحضارة الإسلامية مجهولا، حيث كان يتم ذكرها عرضا من طرف المسافرين والحجاج الذين كانوا يقصدون مكة، ومع ذلك، فقد كانت مدينة الحجر محطة مهمة على هذا الطريق الديني، موفرة المؤن والماء للحجاج آنذاك.

لم تكن المملكة النبطية تقع في تقاطع أهم الطرق التجارية فقط آنذاك، بل الطرق الثقافية كذلك، ويبرز ذلك بشكل كبير في الرموز المتنوعة التي زخرفت الواجهات فيها، مستعيرة عناصر أسلوبية من الحضارة الآشورية، والفينيقية، والمصرية، والاسكندرية، ممزوجة بالأسلوب الفني المحلي.

كتابات بالخط النبطي

كتابات بالخط النبطي

مدائن صالح

صورة: SammySix/Flickr

مدائن صالح

صورة: Omar A./Flickr

كان للزخرفة الرومانية والرموز والحروف اللاتينية نصيبها في هذه القبور التاريخية، وذلك عندما غزت واستحوذت الحضارة الرومانية على المنطقة، وعلى عكس الواجهات الخارجية التي كانت مزخرفة وتبدو مفعمة بالحياة والفنون، كان داخل تلك البنايات والهياكل الصخرية قاسيا، جافا من الحياة أو أي أشكال الفنون.

تعتبر مدائن صالح موقعا أثريا عالميا محميا منذ سنة 1972، وفي سنة 2008، وبفضل هيئتها المحفوظة بشكل رائع على الرغم من قدمها، خاصة بالنسبة للقبور المنحوتة من الصخور الـ131 مع واجهاتها المزخرفة بشكل خلاب للملكة النبطية، سجلت منظمة اليونسكو مدائن صالح على أنها موقع تراث عالمي، جاعلة منها أول موقع تراث عالمي يسجل في المملكة العربية السعودية.

قليل من يعلم الكثير حول مدن (مدائن صالح) الأثرية والأحجية التي تكتنفها في قلب حضارة الأنباط العريقة، وذلك مع كون هذا الموقع الأثري، الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، واحدا من أثمن الكنوز الأثرية والتاريخية للمملكة العربية السعودية، فهو أول تراث عالمي تعترف به اليونيسكو في سنة 2008، كما أنه يضاهي كذلك البتراء في الأردن، مع أقل عدد من السواح.

يبقى الأنباط شعبا غامضا، إلا أنك باستكشاف مدينتهم الأثرية الجنوبية، تتبادر إليك لمحات وومضات عن تاريخهم العريق.

كل ما يعرف عن مدائن صالح اليوم هو بفضل المنحوتات والنقوش الموجودة في هذا الموقع الأثري، والتي تتكون من 131 ضريحا مزخرفا، وما يقارب الألف ضريح عادي، والتي تحتوي كلاها على نقوش ورسومات مختلفة.

مدائن صالح

صورة: Omar A./Flickr

على الرغم من كونها تشبه إلى حد بعيد جارتها البتراء، إلا أن مدائن صالح تتجاوزها كثيرا، وبفضل أعمال التنقيب الأثرية مؤخرا؛ يتم اكتشاف كنوز مدائن صالح الأثرية شيئا فشيئا، مع العلم أن أكثر مواقعها الأيقونية اليوم هي (قصر البنت)، و(قصر الفريد)، مع كون قصر البنت على ارتفاع 16 متر مما يجعله أكبر ضريح في مدائن صالح، بينما ينتصب الثاني وهو (قصر الفريد) كهيكل ضريح ضخم منحوت في الجرف، وعلى الرغم من كون الضريح لم يكتمل بناؤه أبدا، إلا أنه يحتوي على الكلمات التالية منحوتة في صخره: ”من أجل (حيان)، نجل (كوزا) ونسله وذريته“.

مدائن صالح

قصر البنت – صورة: SammySix/Flickr

(قصر الفريد) الذي لم يتكمل بناؤه أبدا

(قصر الفريد) الذي لم يتكمل بناؤه أبدا

تحيط بمدينة (مدائن صالح) الأثرية مجموعة من الهضاب، إلا أن المدينة نفسها تقع على سطح صحراوي بركاني، والذي؛ بفضل موارد المياه الغزيرة والدائمة والتربة الخصبة، لطالما جذب الناس وحثهم على الاستقرار هناك.

تمكن الأنباط من استغلال المرافق الطبيعية التي منحتها إياهم الصحراء، ليس فقط من أجل جعل مدينتهم أكبر وأهم نقطة تجارية في المنطقة، بل تقاطعا تلتقي فيه كل الثقافات وتنسجم، وذلك على مدى عشرة قرون كاملة.

جعلت قابلية شعب النبطيين على الانسجام والتناغم مع مختلف الثقافات والحضارات المؤرخَ (نيلسون غليك) -الذي يعتبر أول من تعمق بالبحث في تاريخ هذا الشعب- يمنحها وسام ”أكثر شعب موهوب على مر التاريخ“.

على غرار العديد من العشائر والقبائل العربية، كان الأنباط من البدو الرحّل الذين يقطنون في الخيم، وكانوا يمتهنون التجارة بشكل أساسي، كما كانوا يربون المواشي ثم طوروا طرائق رائدة في الزراعة في الواحات، وأنشؤوا كذلك الآبار وخزانات مياه الأمطار.

مدائن صالح

صورة: SammySix/Flickr

بحلول القرن الأول قبل الميلاد، أصبحت مدائن صالح مدينة مزدهرة، مشهورة بتجارتها للتوابل، والنباتات المعطرة، والبخور، وانتصبت كجزء من مملكة قوية ومستقلة لفترة طويلة من الزمن قبل الغزو والاجتياح الروماني للمنطقة.

على الرغم من الأهمية التاريخية لمدائن صالح، غير أن القليل من علماء الآثار أبدى اهتمامه بها، حتى أن عمليات البحث والتنقيب عنها لم تكن بالقدر الوافي إلى غاية القرن الواحد والعشرين.

ما تزال العديد من أقسام هذا الموقع الأثري مدفونة تحت الأرض، لكن أعمال تنقيب حديثة قسمت خريطة الموقع إلى ثلاثة مناطق أساسية:

– الأولى: هي المدينة نفسها، والتي بنيت كما سبق ذكره في القرن الأول قبل الميلاد، وهي أكثر أقسام الموقع وضوحا، بينما تبقى معظم هذه الآثار مدفونة تحت الرمال، وكانت محاولات التنقيب العديدة في الموقع تفرز عن الأغراض اليومية التي يعود تاريخها إلى تلك الحقبة على غرار السيراميك، والعملات المعدنية، وكذلك بقايا على ما قد يكون قلعة، وسورا، وكنيسة.

– القسم الثاني: هو (جبل أثلب)، والذي كان يعتبر المكان الأساسي للتعبد، التي كانت غالبا لأجل الإله (دوشانا) إله الجبال.

(جبل أثلب)

(جبل أثلب)

تقع على الشمال الشرقي للموقع، وتحيط به قمم صخرية، وما يحاكي (البتراء) هو الرواق العظيم المنحوت في الجرف الذي يبلغ ارتفاعه أربعون مترا والذي يؤدي إلى (الديوان) أو الساحة المركزية، وهو واحد من أكثر المعالم التي يقصدها السواح في مدائن صالح.

– المنطقة الأخيرة: التي تخفي الضرائح الأثرية العتيقة، هي بدون منازع أكثر الأقسام أهمية في هذا الموقع الأثري، هذه المنطقة هي منطقة دفن وموطن لأكثر من مائة ضريح يعود تاريخها إلى المائة الأولى للميلاد، وعلى الرغم من أنها قد تبدو متشابهة، فإن نظرة عن كثب على هذه القبور تبرز أنها تختلف فيما بينها من ناحية التفاصيل، حيث يبرز كل قبر واجهة كبيرة مزخرفة بصور ميثولوجية على غرار: أقنعة، وأسود وأفاعي.

تبرز شواهد هذه الأضرحة مختلف اللحظات بين حياة وموت أصحابها، من الحالة والمكانة الاجتماعية للشخص المدفون، وعلى عكس الواجهات الخارجية التي تملؤها التفاصيل والزخارف، فإن داخل هذه الأضرحة فارغ من أي منها.

مدائن صالح

صورة: SammySix/Flickr

مدائن صالح

الرواق العظيم المنحوت في الجرف الذي يبلغ ارتفاعه أربعون مترا والذي يؤدي إلى (الديوان) – صورة: SammySix/Flickr

مدائن صالح

الرواق العظيم المنحوت في الجرف الذي يبلغ ارتفاعه أربعون مترا والذي يؤدي إلى (الديوان) – صورة: Tozz/Flickr

الديوان في مدائن صالح

الديوان

مدائن صالح

صورة: SammySix/Flickr

عدد القراءات: 4٬078